جبهة برلمانية وسياسية لكسر هيمنة حركة النهضة على المشهد التونسي

رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي يتمسك بالتوافق لاسترضاء السبسي ويلوّح بقبول المساواة في الميراث.
الأحد 2018/08/19
إعادة التوازن

تونس - أعلنت كتلة حزب حركة نداء تونس وكتلة الحرة لحزب حركة مشروع تونس الأسبوع الماضي عن انخراطهما في مسار توحيدي لتشكيل الكتلة الأولى في مجلس نواب الشعب، في وقت يجري فيه تكوّن جبهة سياسية جديدة لمواجهة سيطرة حركة النهضة الإسلامية على المشهد السياسي.

ويأتي هذا التقارب الجديد بين الكتلتين نتيجة عودة الودّ بين حافظ قائد السبسي المدير التنفيذي لحزب نداء تونس ومحسن مرزوق الأمين العام لحركة مشروع تونس، الذي انشقّ عن “النداء” منذ عام 2016 موجّها آنذاك سلسلة من الاتهامات لحافظ قائد السبسي، نجل الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، بالاستحواذ على الحزب الحاكم في إطار ما أسماه بـ”سياسة التوريث”.

وكل نواب كتلة الحرة هم في الأصل من المنشقين عن الكتلة الأم نداء تونس، وبعد التحالف الجديد فإن مجموع نواب الكتلتين سيبلغ 69 نائبا وهو رقم يعادل عدد نواب كتلة حركة النهضة.

ورغم أن البيان المعلن تحدّث عن كون أولويات التقارب هي تنظيم العمل التشريعي صلب البرلمان، إلاّ أن المراقبين يعتقدون بأن هدف هذا التحالف البرلماني هو إعادة التوازن للمشهد السياسي الذي تسيطر عليه حركة النهضة منذ سنتين، فضلا عن ممارسة المزيد من الضغط البرلماني لإقالة يوسف الشاهد وفريقه الحكومي.

وسبق خطوة التحالف الجديد الذي عقده نداء تونس، انشقاق 5 نواب عن كتلة حركة مشروع تونس بسبب ما يتهم به محسن مرزوق من تفرّد بالرأي صلب الحزب وأيضا لما فهم من مواقفهم من أنهم مساندون لبقاء الشاهد على رأس الحكومة.

وقال الصحبي بن فرج النائب بالبرلمان (مستقيل من كتلة الحرة) في تصريح لـ”العرب” إن أهداف التحالف البرلماني بين حركة نداء تونس وحركة مشروع تونس واضحة المقاصد، وهي الدفع نحو إقالة الشاهد، مؤكدا أن حافظ قائد السبسي ومحسن مرزوق أصبحا يلتقيان في الفترة الأخيرة بصفة تكاد تكون يومية لإعداد العدة للإطاحة بالحكومة.

يذكر أنه منذ مطلع العام الجاري لم يقدر الموقعون على وثيقة أولويات الحكومة أو ما يعرف بـ”اتفاق قرطاج” وفي مقدمتهم الرئيس الباجي قائد السبسي ونداء تونس والاتحاد العام التونسي للشغل على تغيير رئيس الحكومة بعد أن تشبثت حركة النهضة بخدماته.

وقال محمّد رمزي خميس النائب عن كتلة نداء تونس في تصريح لـ”العرب” إن هدف التقاء الكتلتين من جديد في توجه واحد هو تنظيم العمل التشريعي الذي تهمين عليه حركة النهضة التي تصدّرت عدديا كتل البرلمان منذ أكثر من عامين بعد أزمة الانشقاقات التي عصفت بنداء تونس.

وأضاف أن هذه الخطوة ستكون معدّلة لموازين القوى في المشهد السياسي خاصة أن كتلة حركة النهضة أثبتت أنها كتلة عقائدية دينية وليست سياسية.

وشدّد على أن الكتلتين بصدد البحث والنقاش عن تحالفات مع كتل أخرى قصد ضمان النصاب المقدر بـ109 نواب في البرلمان للحدّ من نفوذ النهضة وللنظر أيضا في مستقبل الحكومة ببقائها أو رحيلها.

غضب داخل النهضة من فتاوى رئيسها وتفرده بالقرار
غضب داخل النهضة من فتاوى رئيسها وتفرده بالقرار

أما القيادي بالحزب رؤوف الخماسي فقد كان موقفه أكثر وضوحا بقوله إن “الفترة القادمة تتطلب شخصا آخر وحكومة أخرى”، مبرزا أن رئيس الحكومة القادم سيكون من نداء تونس الحزب الأكبر وفق ما يضبطه الدستور.

وشدد على ضرورة أن تستقيل الحكومة أو تذهب إلى البرلمان، قائلا “أتصور أن يوسف الشاهد لا يريد أن يعمل كرئيس حكومة ونداء تونس غير موافق عليه، لا أتصور أن يقبل الشاهد أن يكون رئيس حكومة دون تزكية وسند سياسي”.

وتأتي هذه التطورات السياسية لتُربك حركة النهضة التي دخلت بدورها في أزمة داخلية سببها معارضة البعض من قياداتها لاستمرار التوافق بين زعيمها راشد الغنوشي والرئيس التونسي، وخاصة بسبب غموض موقف رئيس الحركة من قضية المساواة في الميراث وإطلاق موقف ضبابي ربما يعبّد الطريق أمام القبول بها حفاظا على التوافق السياسي الذي يبقي الحركة جزءا من الحكومة.

واستبق الغنوشي كل التطورات بعد أن كشف الرئيس التونسي أن زعيم حركة النهضة سلّمه رسالة بها تحفظات الحركة من تقرير لجنة الحريات والمساواة، لينشر الغنوشي بعد ذلك نصّا مطوّلا على صفحته الرسمية يؤكد فيه على تواصل خيار التوافق في مسعى واضح لاسترضاء السبسي الغاضب من تعطيل النهضة للتعديل الحكومي وإقالة الشاهد.

ورد حافظ قائد السبسي بعد يومين على مقال رئيس حركة النهضة بتأكيده على أن “حديث الغنوشي عن التمسك بالتوافق مع الرئيس وحزبه أمر لا يستقيم ولا يمكن أن يكون إلا عبر سياسات واقعية ومواقف واضحة وفعلية وليس في ظل تصريحات متناقضة وتناقض بين القول والممارسة ومواقف متبدّلة كلما تبدلت تقديرات موازين القوى”.

ويعتبر المراقبون أن الغنوشي المتهم من قبل عدة قيادات بحبك توافق أحادي الجانب غير متفق عليه، بات يمر بحالة ارتباك وتخوف من أن تتشكّل جبهات جديدة مثل التي تشكلت في عام 2013 (جبهة الإنقاذ) للإطاحة بالنهضة وعزلها سياسيا.

وما يعكس هذا الارتباك البيان الذي أصدرته النهضة منذ يومين، وتبرّأت فيه من رئيس بلدية الكرم (الضاحية الشمالية للعاصمة) وهو أحد مرشحيها في الانتخابات المحلية الأخيرة، والذي أصدر تصريحا أكّد فيه أنه لن يبرم أي عقد زواج بين تونسية مسلمة بأجنبي غير مسلم، في تحد لأمر سابق من السبسي بإلغاء منشور صدر عام 1973 يمنع زواج التونسية المسلمة بأجنبي غير مسلم.

1