جبهة داخلية لمواجهة داعش

السبت 2014/08/23

كما تخبطت أميركا في سوريا على امتداد أربع سنوات، ها هي تواصل التخبط في العراق اليوم. فرغم أن خطواتها العملية جاءت أسرع، نسبيا، مقارنة بسياستها في سوريا، لكنها ظلت تتسم بالبلادة والعجز عن مواكبة الحدث المتسارع.

لقد جاءت الضغوط التي أدت إلى تنحي المالكي كمطلب أول للثورة العراقية التي اندلعت ضده قبل نحو عام، متأخرة جدا، وبسبب الخطر الداهم الذي باتت تشكله الدولة الإسلامية لا بسبب المطالب الشعبية. لكن النتيجة الآن، بالنسبة إلى أميركا، أن الدولة الإسلامية أو “داعش” باتت قوة كبيرة، ولم يعد من اليسير دحرها كما توهم البعض ببعض ضربات عسكرية جوية.

مع بداية الضربات الأميركية الجوية ساد الوهم بأنها ستشكل حلا أو بداية حل للأزمة الرهيبة التي تعصف بالعراق وبالمنطقة، فيما يتضح اليوم مع استمرار المعارك، كم أن المهمة عسيرة وخطيرة، وغير مضمونة النتائج. فالنجاح الوحيد، حتى الآن، تمثل في استعادة سد الموصل بعد سلسلة ضربات جوية عنيفة جدا وخسائر كبيرة للأكراد والقوات العراقية على حد السواء.

أما الهجوم الأخير قبل أيام على مدينة تكريت، وهو المحاولة السادسة منذ مطلع شهر أغسطس الجاري لاجتياحها، فقد مني بفشل ذريع، رغم المساندة الجوية الأميركية على خلاف المرات السابقة، وتنفيذ الهجوم من ثلاثة محاور.

استخدمت الفصائل العسكرية التي تصدت للهجوم كمائن مختلفة على أطراف المدينة التي تشكل مركز محافظة صلاح الدين، فضلا عن زرع العبوات الناسفة، مما أوقع عددا كبيرا من الإصابات في صفوف المهاجمين، وأدى إلى فشل الهجوم، كما تم تدمير دبابات أميركية وعربات مدرعة وآليات مختلفة، وأسر عدد من جنود القوات العراقية. وفي ما نعرض دلالة على أمرين:

يتعلق الأمر الأول بطبيعة القوات العراقية المهاجمة، التي تتشكل بنسبة كبيرة من متطوعين ساقتهم الفتاوى الدينية إلى الموت. هنا نتحدث عن متطوعي “الحشد الشعبي لفتوى الجهاد الدينية”، ومليشيات أخرى مساندة لها. وقد بدت الطبيعة الطائفية لها واضحة، حيث اجتاحت القوات الحكومية المهاجمة مقبرة قرب مدينة تكريت كانت تحوي قبور نجلي الرئيس السابق صدام حسين، وقامت بنبشها قبل أن تحاول التقدم إلى المدينة.

وهنا نأتي للأمر الثاني، وهو الكتلة الشعبية التي تتوسع “داعش” بالاستعانة بها، والتي تعتبر رأس الحربة في مقاومة القوات العراقية، فليست “داعش” وحيدة في تكريت، بل هنالك فصائل عسكرية من أهل تكريت ومن مدن أخرى، لا ترى في القوات العراقية سوى أعداء وغزاة يتوجب دحرهم.

لكن “داعش” المصنفة كأغنى تنظيم “إرهابي” في التاريخ، باتت بقوة تنظيمها وقدراتها العسكرية والتمويل الكبير الذي تحظى به، أحد أقوى الفصائل العسكرية المقاتلة في سوريا والعراق، إن لم تكن أقواها على الإطلاق. كما أن وتيرة نموها وقدرتها على تجنيد المقاتلين تتسارع بصورة مفزعة.

في المقابل دفع نمو خطر “داعش” إلى تشكل جبهة دولية لمحاربة أكبر تنظيم إرهابي في تاريخ “الحرب على الإرهاب”، فبعض التقارير أوردت أن تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا بات يضم في صفوفه نحو خمسين ألف مقاتل، وتتزايد وتيرة هجرة شباب إسلاميين من دول أوروبية وأميركا للانضمام إلى التنظيم.

هكذا تسارعت التحركات الدولية لمحاربة “داعش”، حيث من المنتظر أن يتم عقد مؤتمر دولي يحشد الجهود للمواجهة العسكرية الواسعة، ويضفي نوعا من الشرعية على عملية تسليح الأكراد المتسارعة هي الأخرى.

وهنا يبرز التساؤل عن الخيارات المطروحة أمام الجبهة الدولية المنتظرة، هل ستباشر الحرب على “داعش” وهي بهذا الزخم الناتج عن الأزمة السياسية في منطقتنا، ونقصد في كل من سوريا والعراق؟ أم ستعمل على تجاوز الأزمة السياسية القائمة لتتسنى مواجهة التنظيم بفعالية أكبر؟

إن جبهة دولية تحاول إنهاء “داعش” بالقوة العسكرية هو جل ما يتمناه النظامان السوري والإيراني. في سوريا كانت تلك سياسة النظام خلال الأعوام الماضية، عدم معالجة جذور المشكلة، وهي سياسية بامتياز، بل التصدي لنتائجها أي التظاهرات أولا، ومن ثم العمل العسكري وصولا إلى التنظيمات الأصولية. ويقدم النظام السوري نفسه اليوم كطرف في “الحرب على الإرهاب” عبر تكثيف قصف مقرات “داعش” في الرقة.

ويبدو التردد الأميركي والأوروبي ناتجا عن ذلك التعقيد في المشهد، إذ يعرف الطرفان أن مقاومة “داعش” ستكون عبثية تماما ومدمرة في حال لم يسبقها أو لم تترافق مع عملية سياسية تحشد الأطراف الداخلية للمواجهة. إذ لا يكفي الحشد الدولي لمواجهة التنظيم، بل لابد من حشد داخلي يجمع كل الأطراف المعنية بالمواجهة، ولن يلزم إلا القليل من الجهود حتى يتم التعرف إلى تلك الأطراف في كل من العراق وسوريا.


كاتب فلسطيني سوري

8