جبهة منافسة فنية بين البشر والروبوتات

قدرات الروبوتات ستتضاعف بسرعة صاروخية وسوف تكتسب درجة ما من الوعي، القريب من وعي البشر وتكون لديها قدرة على اتخاذ قراراتها المستقلة والمتفاعلة مع المحيط.
الأحد 2019/07/21
هل ستملك الروبوتات الفضول والرغبة في منافسة البشر

 لا تزال جبهة المنافسة بين الإنسان والروبوت في ميدان الأعمال الفنية في بداياتها، لكنها ستتسع مع الزحف المتسارع للذكاء الاصطناعي إلى جميع الأعمال التي يقوم بها البشر، وبضمنها النشاطات الفنية وصناعة الأخبار وربما تأليف الكتب الإبداعية.

ليس هناك من جدل بشأن مستقبل الأعمال اليدوية والإدارية والمصرفية، لكن الأمر يختلف تماما في الميادين الفنية والإبداعية، وينطوي على جدل فلسفي بشأن قدرة الروبوتات على إنجاز أعمال تحظى باستحسان البشر وتلائم ذائقتهم.

من المؤكد أن قدرات الروبوتات ستتضاعف بسرعة صاروخية وسوف تكتسب درجة ما من الوعي، القريب من وعي البشر وتكون لديها قدرة على اتخاذ قراراتها المستقلة والمتفاعلة مع المحيط.

لكن التساؤلات كثيرة في ما يتعلق بإنتاج الروبوتات للأعمال الفنية، وأولها: هل ستشعر تلك العقول التجريدية، البعيدة عن الشغف والحماس والرغبات، بالحاجة إلى خلق أعمال فنية؟

متاهة أسئلة

إيدن ميلر: كبار الفنانين هم الذين تلقفوا روح عصرهم والذكاء الاصطناعي هو روح القرن الحالي وقادر على التعبير عنه
إيدن ميلر: كبار الفنانين هم الذين تلقفوا روح عصرهم والذكاء الاصطناعي هو روح القرن الحالي وقادر على التعبير عنه

إذا كانت أعمال البشر لا تحظى غالبا باستجابة جمهور واسع، فمن هو الجمهور الذي تستهدفه أعمال الروبوتات؟ وهل سنكون قادرين على فهم أعمالها الفنية؟ وهل ستكون قادرة على فهم حاجتنا للفن، التي لا نستطيع نحن تعريفها بشكل نهائي؟

قد نحتاج لطرح أسئلة أخرى كثيرة للإجابة قبل أن نتمكّن من الإجابة عن تلك الأسئلة، لنجد أنفسنا في متاهة فلسفية عميقة. لكن الأسئلة الأساسية هي متى تصل الآلات إلى مرحلة إنتاج الأعمال الفنية؟

وكيف يمكننا وضع أسس لفهم هذا الفن؟

ويستبعد بحث أعدّه الأكاديميان البرتغاليان روي بنها الأستاذ في المدرسة العليا للموسيقى والفنون المسرحية وميغيل كارفالهايس الأستاذ في جامعة بورتو في البرتغال، أن تقترب أعمال الروبوتات من الأعمال الفنية للبشر، وأن تبقى منفصلة من حيث التقييم والقدرة على الوصول إلى الجمهور.

ويقولان في بحث نشر في موقع aeon.co إن من المسلّمات الأساسية، أن العاطفة هي الطاقة الكامنة وراء قدرة البشر على إبداع وفهم الأعمال الفنية، وهو لن تكتسبه الأعمال الفنية.

ويشير البحث إلى أننا حين نتأمل عملا فنيا ونحاول فهمه أو التفاعل معه فإننا ننطلق من تجاربنا الشخصية وتراكم خبراتنا ولا يمكن لنا أن نحدد بوضوح الخط الفاصل بين خبراتنا وتجاربنا وعواطفنا.

الأهم من كل ذلك هو أن استقبالنا وتفاعلنا وفهمنا للعمل الفني حالة شخصية وفريدة وتختلف اختلافا كبيرا عن فكرة الفنان، وكذلك عن تجربة جميع الأشخاص الآخرين.

وحتى لو كانت لدى أحد الأشخاص خبرات ومراجع ثقافية قريبة جدا أو مطابقة لخبرات ومراجع الفنان فإن نظرتنا لن تكون مطابقة لنظرته. كما أن استقبالنا وارتباطنا بالعمل الفني ينقلب كليا إذا علمنا بأن العمل مزيّف أو مقلّد ويرتبط كذلك بشخصية الفنان.

هوية الفنان

أين تكمن القيمة الفنية لأعمال الروبوتات وفرادتها
أين تكمن القيمة الفنية لأعمال الروبوتات وفرادتها

معظم الأعمال الفنية تكتسب أهمية تفوق قيمتها التجريدية المباشرة من ملامح حياة الفنان وشخصيته، ومن ثم تكتسب أهميتها التاريخية وموقعها في تاريخ الفن. كيف إذن سنستقبل أعمال روبوت بلا تجارب عاطفية وحياتية؟ وهل ستبرع روبوتات معينة بإنتاج أعمال فنية دون أخرى؟

هناك عنصر أكثر أهمية من المراجع الثقافية المشتركة مع الفنان، وهو أن جميع البشر يشتركون في التجربة والأسئلة والدور الوجودي والعواطف الاجتماعية، التي تشترك في أننا نولد وننمو ونواجه أسئلة البقاء والموت.

كما أننا نشترك في دوامة واحدة من الحاجات الجسدية والبيولوجية، التي تفرز أحاسيس ومقاسات متقاربة للزمان والمكان والشهوات والرغبات.

هنا نتساءل ما الذي سوف تجسده الروبوتات، مهما بلغ وعيها، من أشكال فنية لا تنطلق من تلك القواعد البشرية وكيف سنتمكن من فهمها؟ وكيف ستفهم الروبوتات ما هو الفن دون تلك التجارب البشرية. نحن قادرون على التعاطف مع شخصيات غير إنسانية أو آلات ذكية في الكتب وأفلام الخيال لأنها جاءت من تصور بشر آخرين ومن منظورها الشخصي، الذي نستطيع أن نفهمه ونتواصل معه.

نحتاج، لكي نفهم الأعمال الفنية للروبوتات، إذا اعترفنا بها في المقام الأول، إلى بعض الفهم لتجربة تلك الآلة. وهو أمر مستبعد لأن البشر يفشلون غالبا في فهم البشر المحيطين بهم، وكذلك في فهم الكائنات الحية التي تربطنا بها قواسم مشتركة، فكيف بآلة مجردة!

إذا حدث وتعاطفنا مع الأعمال التي تنتجها الروبوتات، واعتبرناها أعمالا فنية، فإن ذلك سيكون من إنتاج مخيلتنا وافتراضاتنا لمقاصد ذلك الروبوت.

انتظار التحولات المستقبلية

أيدا أول روبوت تعرض أعمالها في صالة وقد تم بيعها بنحو مليون دولار
أيدا أول روبوت تعرض أعمالها في صالة وقد تم بيعها بنحو مليون دولار

ماذا لو منحنا الروبوت إمكانية الوصول إلى طرق تفكيرنا وإدراكنا، وإلى أمثلة وبيانات واسعة من الثقافة الإنسانية؟ ربما يتمكّن الكمبيوتر من صنع فن يستطيع الإنسان فهمه، ويجعله يصنع أعمالا بشرية وليست افتراضية واصطناعية.

هناك من يقول إن جميع الفنون التي تصنعها “الآلات” هي أعمال فنية إنسانية، وإن المبرمجين والمبتكرين هم الفنانون الحقيقيون في مستويات عميقة، رغم أنهم لم يتحكموا في إنتاجه؟ وهو افتراض ليس جديدا.

حين نستمع مثلا إلى سيمفونية بيتهوفن السابعة، التي وضعها قبل أكثر من مئتي عام، فإنه ليس مسؤولا مباشرا عن الأصوات التي نسمعها، لكننا نحيل ما نسمعه إلى بيتهوفن، رغم أن التجربة التي نتلقاها تعتمد على العازفين والظروف المحيطة بالعازفين.

هل ينبغي تطبيق ذات المبدأ وافتراض أن كل ما تنتجه الروبوتات من فنون ترتبط وتعود إلى المبرمجين، الذي وضعوا إحداثيات الوصول إلى تلك الأعمال الفنية. قد لا يكونون قادرين على التنبؤ بها، لكن تلك الأعمال تعود إليهم من خلال خيط طويل يمتد إليهم.

يطلق بعض الخبراء على الفنون التي تنتجها الآلات “الفن الميكانيكي” أي الفن المصنوع من إرادة عقل صناعي، وليست الأعمال القائمة على وجهة نظر بشرية عن الفن.

ويصل البحث إلى اقتراح أن نتجنب اعتبار ما تنتجه الروبوتات أعمالا فنية مبتكرة حين يكون إنتاجها مستقلا تماما عن فنان بشري، لأنها في نهاية المطاف أعمال لوغاريتمية وحسابية ولا تنطلق من قرارات وتجارب بشرية.

مشكلة مدى قدرة الآلات على إنتاج الفن وكذلك قدرتنا على فهمه، لا تكمن في إمكانية أن تطور الآلات وعيا وشعورا يمكن أن يقود إلى إنتاج الفن، بل في أن ذلك الفن سينبثق عن تجربة أو نظرة مختلفة، لن يكون البشر قادرين على الارتباط بها.

ويصل البحث إلى خلاصة بأنه سيكون نوعا من الفن الميكانيكي في نسق بعيد عن تجاربنا وقدرتنا على فهمه، لأن حدود فهمنا للفن، محدودة بتجربتنا البشرية الخاصة.

صرعة مؤقتة

بحث مستحيل عن مبررات أعمال الروبوتات
بحث مستحيل عن مبررات أعمال الروبوتات

في الشهر الماضي أقيم في لندن أول معرض في العالم لأعمال فنية من إنتاج الروبوت “أيدا”، لكن الإثارة والجدل التي صاحبت المعرض لم تكن لها علاقة بتقييم الأعمال الفنية، بل اقتصرت على تأمل الظاهرة وما يمكن أن تعنيه في المستقبل.

المعرض أثار تساؤلات المراقبين دون أن يبحثوا عن إجابات نهائية، عما إذا كانت الأعمال الفنية للروبوتات ستنتشر على نطاق واسع في المستقبل، وتحظى باهتمام مقتني الأعمال الفنية واهتمام النقاد. أعمال الروبوت أيدا، التي ضمت 8 رسومات و20 لوحة وأربعة أعمال نحتية، جمعت للغاليري نحو مليون دولار، لكن ذلك يعود لقيمتها التاريخية كأول معرض لروبوت في العالم، وليس بسبب قيمتها الفنية.

ومن المرجح أن تنخفض قيمة أعمالها حين تتكرر معارض أيدا، التي أخذت هيئة سيدة شابة، وحين يزداد عدد الروبوتات، التي تنتج أعمالا فنية، أي حين لا تعود ظاهرة جديدة.

إيدن ميلر مخترع أيدا وصاحب صالة العرض، التي قدمت أعمالها، قال إن القاسم المشترك بين كبار الفنانين هو أنهم “تلقفوا روح عصرهم” وأن روح القرن الحادي والعشرين تتجلّى في الذكاء الاصطناعي، الذي سيكون قادرا على التعبير عنها.

وأشار إلى أن أيدا “مزوّدة بتقنيات ومهارات فائقة التطوّر لإنتاج أعمال رائعة تتميّز بطابعها الابتكاري”، مؤكدا أنه ما من عمل صنعه الروبوت أيدا يشبه الآخر.

17