جبور الدويهي: الحدث الحي لا يتحوّل إلى مصدر وحي

الروائي اللبناني جبور الدويهي يرى أن الوباء سيترك ندوبا وآثارا على العقل والفكر والخيال.
السبت 2020/06/06
الجائحة ستغذي الخيال الأدبي بعد هضمها

كيف سيكون العالم بعد وباء كورونا المستجد، ومدى انعكاسه على الشكل الأدبي خاصة والفنون عامة، وأيضا على الجانبين الاقتصادي والاجتماعي وعلى حيوات البشر كافة؟ الروائي اللبناني المخضرم جبور الدويهي يجيب عن هذه الأسئلة بين تفاؤل وتشاؤم.

بيروت – يرى الروائي اللبناني جبور الدويهي أن فايروس كورونا المستجد سيفتح الباب أمام أفكار جديدة ويغذي الخيال الأدبي تماما كما الحروب في التاريخ.

وإذ يقرّ بأن تعديلات قد تدخل على سلوك البشر جراءه، لكنه لا يرى أنه سيحدث انقلابا شاملا في العالم بعد كورونا.

ويمضي الدويهي (71 عاما) الحائز على دكتوراه بالأدب المقارن من جامعة باريس الثالثة، فترة الحجر في بلدة إهدن المصيفية في شمال لبنان التي توجه إليها “قبل الأوان” هذا العام، لمناخها اللطيف.

الوباء في الأدب

يقول جبور الدويهي في مقابلة أجريت معه عبر تطبيق “زوم”، “أتهرب من الكتابة عن هذه المرحلة الآن”، مضيفا “أعتقد أن الكتابة الروائية تحتاج لبعض الوقت فلا يمكن أن نكتب عن حدث لا يزال قائما”.

ويشبّه ذلك بتجربة الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، قائلا “لا أعتقد أن الحرب اللبنانية كتب عنها إلى حين بردت ووضعت في إطار صيرورة ما، وبات ممكنا توظيفها في الكتابة”.

ويتابع “طالما أن الحدث يتفاعل أمام أعيننا، صعب أن يأخذ مكانه ويتحوّل إلى مصدر وحي”. لكنه يؤكّد أن “الوباء سيدخل بعد حين، في الخيال الأدبي، ويتحوّل إلى مادة روائية ومنبع للكلام. سيصبح من يوميات الأدب”.

الروائي اللبناني يتهرّب من الكتابة عن الوباء في الوقت الراهن، معتقدا أنه لا يمكن الكتابة عن حدث لا يزال قائما

ويقول “بالتأكيد ستدخل هذه الجائحة في المشهد الروائي العام، في خيال البشرية، كما دخلت الحروب، مثلما دخل الطاعون ومختلف الجائحات التي ظهرت في العالم”.

ويضيف “تحدّث كبار الكتاب عن تلك الجائحات واستخدموها كرمز، مثل يوجين يونسكو في مسرحية “وحيد القرن” التي تروي قصة جائحة خيالية ينتقد الكاتب من خلالها الأنظمة السياسية، وألبير كامو في رواية “الطاعون” التي نشرت في عام 1947، وتدور أحداثها في مدينة وهران الجزائرية، وتشكل خلاصة فلسفة كامو حول العبث.

وفي المقابل، يرى الدويهي أن الوباء “سيترك ندوبا وآثارا في العقل والفكر والخيال بشكل خاص”.

ويروي الدويهي أنه لم يكن “متضايقا” (منزعجا) من الحجر الذي التزم به في إطار الإجراءات للوقاية من الفايروس التي فرضتها السلطات في لبنان، رغم أنه وجد صعوبة بداية في التأقلم والتركيز على القراءة والكتابة.

ويؤكد صاحب روايات “حي الأميركان” وحصل عنها جائزة سعيد عقل 2015، و“مطر حزيران” (وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية المعروفة بجائزة بوكر العربية عام 2008) و“شريد المنازل” وفاز عنها بجائزة الأدب العربي 2013، أنه لا ينتظر تغييرات جذرية على مستويات السياسة والاجتماع والاقتصاد، بعد تراجع الوباء في العالم.

وجبور الذي تم ترشيحه أربع مرات لجائزة “البوكر العربية” كان آخرها السنة الماضية عن روايته “ملك الهند”، إلاّ أنه لم يحظَ بالفوز بها خلال المرات الـثلاث الماضية، قال في تصريحات صحافية سابقة “أشعر بالإطراء، ولا أحمّل الجوائز الأدبية أكثر ممّا يمكن أن تتحمّله”.

“مطر حزيران” وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية عام 2008
“مطر حزيران” وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية عام 2008

عودة إلى الفردية

يشكّك الروائي اللبناني جبور الدويهي في حصول تغيير شامل على مستوى سلوك البشر بعد الأزمة، قائلا “يحكى دائما أن ما بعد هذه الأزمة ليس كما قبلها، لكنني لست أكيدا أن سلوك البشر سيتغيّر بشكل استراتيجي”.

ويؤكّد أن الأزمة “ستنتج تغييرات وتدخل أشياء جديدة إلى حياتنا، تماما كما الحروب، نتيجة لحاجتنا إليها”.

ويضيف “لديّ ميل إلى القول إن البشرية سوف تستوعب هذا الوباء، وتكمل في تخريبها (للبيئة) بمكان ما، ولو أنني أتوقّع حصول نزعة إيكولوجية، إذ أن الاهتمام بالمجال البيئي سيقوى بعد هذه الجائحة”. وبالنسبة إليه، تشكّل البيئة نقيضا لتفشي الفايروسات والأوبئة، تماما كما الطبيعة، وستبرز الحاجة إلى العودة للزراعة الصحيحة والبيولوجية.

ومن التعديلات في السلوك، يتحدّث الدويهي عن التحوّل اقتصاديا على مستوى الدول إلى “الاكتفاء الذاتي والعودة إلى الاقتصاد الوطني”. كما يمكن أن تتعزّز فكرة “التعليم عن بعد”.. وقد يتأثّر التواصل العالمي والعولمة.

لكن “ستبقى هناك نزعة استهلاكية مفرطة”، و”يمكن للفردية أن تقوى في إطار الدفاع عن السلامة الجسدية”.

أما عن تأثير بعض التدابير التي اتخذت للحدّ من الوباء في المرحلة المقبلة، فيشبه الدويهي إقفال حدود الدول بـ“عودة الناس إلى بيوتهم” ويضيف “نحن نعود إلى بيوتنا وكأنها هي المخبأ من الجائحة.. كذلك فعلت الدول وحاولت أن تقفل على نفسها”.

ويقول إن ذلك “ينبئ بانكفاء عن معايير حاول العالم إحياءها.. مثل حرية الحركة، الآن يوجد فرملة لهذا الاختلاط، لكن من المبكّر استخلاص كل الدروس من ذلك حول المستقبل”.

وعن العالم العربي، يشير جبور الدويهي إلى أن تفشي الوباء في العالم العربي لم يكن بالقوة نفسها كما في أوروبا والولايات المتحدة. لكن رغم هول الجائحة “لا نزال نواجه صراعاتنا العادية، وكأن شيئا لم يكن”.

اصدارات متنوعة
اصدارات متنوعة

وجبور الدويهي روائي لبناني من مواليد 1949. عمل أستاذا للأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانيّة. ترجمت رواياته إلى عدد من اللغات، من بينها الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الإيطالية، التركية، الإسبانية، المقدونية وغيرها.

ومن إصداراته مجموعة قصصية واحدة بعنوان “النوم بين الأهل نعاس”، وثماني روايات هي: “اعتدال الخريف” التي حازت على جائزة أفضل عمل مترجم من جامعة أركنساس في الولايات المتحدة، “ريا النهر”، “عين وردة”، “مطر حزيران” التي اختيرت ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية في دورتها الأولى عام 2008، و“شريد المنازل” التي اختيرت أيضا ضمن القائمة القصيرة للبوكر عام 2012، وحازت على جائزة “حنا واكيم للرواية اللبنانيّة” عام 2011، و“حي الأميركان” و“طبع في بيروت”.

كما صدرت له العام الماضي رواية “ملك الهند” التي تم ترشيحها أيضا لجائزة “البوكر العربية”. وعنها يقول “هي رواية تتوسّل الحبكة البوليسية ذريعة للسرد”.

وأضاف “تسرد الرواية الظروف الغامضة، التي يُعثر فيها على (زكريا مبارك) مقتولا عند حدود قريته، تل صفرا، بعد أيام على عودته من غربة طويلة بين أوروبا وأميركا وأفريقيا، حيث اختار العودة محتفظا بلوحة “عازف الكمان الأزرق” لمارك شاغال، التي أهدتها له صديقته الباريسية. وتدور الشبهات حول أبناء العمومة، الذين ربما قتلوه طمعا في كنز توارثت العائلة أن الجدة قد أخفته تحت المنزل الذي شيّدته لدى عودتها من أميركا”.

وبأسلوب مشوّق، تحكي الرواية قصة مقتل زكريا عند تقاطع خطر اختلطت فيه خرافات الذهب وحروب الأشقاء مع حب النساء الفرنسيات، ووعد الثروة الزائف وعداوات طائفية تظهر وتختفي منذ قرن ونصف القرن.

14