جثة أنطوان لحد وصناعة العمالة

الثلاثاء 2015/09/15

هجمت جثة أنطوان لحد، قائد جيش لبنان الجنوبي المتعاون مع الإسرائيليين، على المشهد اللبناني واخترقته، وأجبرته على إعادة إحياء لحظات ومحطات لم يعد لها مكان في الحاضر.

وجد اليسار في الجثة تاريخه، فحاول أن يحييه برفض دفن الجثة في لبنان، والتهديد بمنع عائلته من دفنها في قريته كفرقطرة. ثمل اليسار بعنوان العمالة معتبرا إياه عنوانا نهائيا لا يمكن أن تصيبه التغيرات، بل يبقى طازجا وحيا على الدوام. لذا كانت جثة أنطوان لحد حاملة للعمالة الحية على الدوام والتي لا تبطل موضتها أبدا.

من هنا ربما يكون لزاما علينا في هذه الفترة إعادة تعريف المصطلحات والمفاهيم وضبطها على إيقاع اللحظة، ولعل مصطلح العميل هو أكثر مصطلح يحتاج إلى ضبط. أنطوان لحد كان عميلاً للعدو الرسمي للبنان والعرب وهي إسرائيل الدولة الغازية المحتلة، لذا فإن تعاونه معها هو نوع من خيانة عظمى لا تغتفر، وصفة العميل هي الأكثر قدرة على وصف ما قام به.

من استطاع أن يخلخل هذا المفهوم كان بشار الأسد، فبعد عشرات المجازر التي أودت بحياة مئات آلاف السوريين، وجد السوريون أنفسهم مبتهجين ومهللين لضرب الطائرات الإسرائيلية لأحد مواقعه إثر تجاوزه لبعض الخطوط الإسرائيلية الحمراء. في هذه الحالة كان السوريون عملاء وفق التعريف الثابت الخاص بالعداء لإسرائيل، ويكون الأسد هو من دفع بهم إلى ركوب هذه الموجة. هنا يمكن أن نسوق استنتاجا يعيد تركيب معنى حرب الأسد على شعبه، في أنها لا تهدف إلى محاربة التكفير والإرهاب ولكنها تهدف إلى تحويل السوريين إلى عملاء.

نجح النظام في ذلك وبات السوريون مستعدين للترحيب بإسرائيل وبالشيطان إذا كان سيضرب الأسد ويرد عنهم بعضا من الموت الكثير الذي يصبه عليهم.

في عام 2006 وخلال الحرب الإسرائيلية على لبنان، التي جرت إثر خطف حزب الله لجنديين إسرائيليين كان هناك كلام ينتشر بين اللبنانيين بحذر. كان هذا الكلام يعبّر عن رعب مزدوج، هو من ناحية أولى رعب من قدرة إسرائيل الهائلة على تدمير البلاد وردها إلى القرون الوسطى، ورعب مماثل من تبعات انتصار حزب الله، وهو ما أظهر مسار الأمور أنه كان رعبا رائيا. كان هناك من يقول إنه إذا كان ثمن كل هذا الخراب هو القضاء على حزب الله فأهلا به، وهناك من كان يقول إن انتصار حزب الله هو أشد كلفة من نتائج العدوان الإسرائيلي. كان هناك أيضا من يؤيد الحزب بغض النظر عما يتسبب به.

كان المرعوبون الذين يشكلون القسم الأكبر من اللبنانيين عملاء إذن. هكذا يكون الحزب قد سبق الأسد في دفعه اللبنانيين للتحول إلى عملاء. بعد ذلك حرص الحزب بعد تفاهمه مع العماد عون على الدفاع عن أي عميل يرتبط بعون، واستغلال قوته وسيطرته على القضاء من أجل خلق تخريجات قضائية تجعل العمالة المثبتة لإسرائيل قضية بلا قيمة وغير مستوجبة للعقاب. كان قد سبق للحزب استخدام عملاء إسرائيل في المناطق المحررة بعد عام 2000 كجمهور انتخابي له ولحلفائه، كما أن بعضهم انضم إلى صفوفه وصار قادرا أن يوزع على الناس تهم العمالة أو أن يهب صكوك الغفران.

إيران كانت قد جاهرت منذ فترة أنها بصدد احتلال عواصم عربية. يكشف تاريخ العلاقة بينها وبين إسرائيل عن سياق حافل بالتعاون والترحيب من فضيحة إيران غيت الشهيرة، وصولا إلى ما نشر مؤخرا من قرب افتتاح سفارة لإسرائيل في طهران، وتهنئة روحاني لليهود بحلول رأس السنة العبرية، حيث كتب على حسابه في تويتر قائلا “قد تساهم جذورنا الإبراهيمية في تعميق الاحترام وتجلب السلام والتفاهم المتبادل”.

العلاقة بين إيران وإسرائيل ليست علاقة تخاصم بل هي علاقة انسجام. تاليا يكون حزب الله الذي أعلن أمينه العام أنه يرغب أن يكون جنديا في جيش الولي الفقيه الإيراني عميلا لإسرائيل التي تتعامل معها إيران.

من هنا نطالب اليسار الممانع بتوسيع دائرة نشاطاته الثورية لتشمل كل العملاء، وأن يبادر إلى القيام بنشاطات تهدف إلى منع حزب الله من دفن قتلاه في لبنان لأنهم عملاء.

جثة أنطوان لحد مجرد جثة لا تمتلك خطابا ولا تستطيع أن ترمز لشيء، خصوصا بعد قيام الأسد وإيران وحزب الله بتفتيت مفهوم العمالة. الكلام الذي يراد لها أن تقوله ليس من صناعتها ولا من تأليفها، ولكنه يعود إلى الذين لا يستطيعون التكلم إلا من خلال الجثث التي تختصر في نظرهم الشأن العام.

كاتب لبناني

9