جثة على الشاطئ.. الطفولة المهدورة

الخميس 2015/09/10

لا أحد يعكس الحالة التي يعيشها مجتمع ما بقدر ما تعكسه حالة الطفل، فهي تتقدم على كل مجالات الحياة الحيوية، المادية وغير المادية، فالأطفال هم مرآة المجتمع، وترمومتر حضارته، فإذا كان هذا ينطبق على الحياة، في مستوى الصحة والتعليم ورعاية الأطفال في بلد أو مجتمع ما.. فإنه ينطبق على موت الأطفال بنفس القدر: أسباب موتهم وأشكاله أيضا، ولعل ما حدث للطفل السوري آلان عبدالله يجسد هذه الحقيقة خير تجسيد، وذلك رغم الموت المجاني للأطفال السوريين في الداخل، تحت الأنقاض ومن شدة الجوع، داخل بيوتهم ومدارسهم، وخارج وطنهم أيضا.

لقد فضح هذا الطفل السوري، الذي لم تستطع مياه البحر وحيتانه أن تبتلعه، خشية أو شفقة، فحملته على سرير موجة إلى ساحل البحر الذي انطلق منه وأهله على مركب الموت بعد عشر دقائق فقط من انطلاقه؛ فضح دواخلنا وأنماط تفكيرنا، بدءا بحضور الأسطورة وقوة فاعليتها في حياتنا، بل في حياة من هم في مستويات حضارية متقدمة علينا كثيرا، والتي أسقطت كل المزاعم حول مغادرتنا تلك المراحل التي كانت فيها الأسطورة دين الناس وعلمهم، كما تسقط الأقنعة حين تشتدّ المحن.

ليس إيلان، أو آلان عبدالله ابن مدينة كوباني السورية، الطفل السوري الوحيد الذي غرق في مياه البحر، فقد حدث ذلك للكثير من أمثاله، ولكنه كان الوحيد العائد من الموت، بكامل أناقته، وبراءته وجماله، ليكون الشاهد على ما حدث، ليس رواية وحديثا، في ثرثرة على شاطئ البحر، أو على شاشات التلفزة وكواليس المعارضة في فنادقها الفخمة، بل جسدا، والجسد لغة أيضا، بل اللغة الأكثر صدقا من لغة الكلام في التعبير عن الإنسان، ولقد قرأ العالم كله ما عبر عنه جسد آلان المسجى على شاطئ البحر ببلاغة وشفافية، فعلا صوته بالرفض في حالة اندماج استثنائية.

وحضور الأسطورة في ما حدث لهذا الطفل يشبه ما حدث لأفيجينا ابنة القائد أجاممنون الذي قدمها قربانا للربة أرتميس كي يذهب غضبها عنه وتطلق أسار الريح بعد أن حبستها، بقصد إعاقة سفن إسبارطة عن الحركة والتوجه نحو طروادة لمحاربتها واستعادة هيلين التي خطفها باريس ابن ملك طروادة.

وشاءت الأقدار أن يكون آلان هو هذا القربان كي تتراجع الربة أوروبا عن تعنتها وتطلق، أو تفكر، في إطلاق الريح التي حبستها وترسل السفن لنقل اللاجئين السوريين إلى الشاطئ الآخر، ليس ليحاربوا ويدمروا طروادة أو أية مدينة أوروبية، وهم الجيش المدجج بالخوف والحلم والمآسي لا بالسلاح والحقد، بل هربا من مدنهم التي أمست طروادة العصر: تدميرا وقتلا وذبحا وهتك أعراض… والاحتماء بمدن أكثر أمانا، ليتسنى لهم العمل والدراسة… والحب والحلم بعيدا عن بطش فراعنة بلادهم.

ولقد كشف موت هذا الطفل، إضافة إلى حضور الأسطورة، رتابة المشهد السوري رغم دمويته، بالنسبة إلى العالم المتفرج، فجاءت هذه اللقطة بكل ما تحمله من طرافة وجدة وإبداع لتجدد عنصر التشويق في هذه التراجيدية الطويلة بعد طول تكرار.

هو التشويق إذا ما كان يحتاجه العالم الذي كشف عن موقفه كمتفرج سلبي للمشهد السوري؟

الآن، وبعد أن تم تقديم القربان، وبعد توثيق ذلك بالصور، بدأ الحديث عن توزيع سكان طروادة المعاصرة، على البلدان الأوروبية، وبدأت بعض الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي تنشر حصص كل دولة، بالأرقام، وسبق ذلك خروج الرئيس الفرنسي وحديثه عن مأساة هذا الطفل وعن الرهان الأوروبي في التعامل مع مأساة شعب آلان، وذلك لتأكيد مصداقية مبادئها الإنسانية والديمقراطية، ولقد كانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وبغض النظر عن أسباب حنانها، سباقة في استقبال اللاجئين قبل هذا الحدث المأساوي، فاستحقت أن تكون عنصرا فاعلا في الظاهرة المسرحية السورية، ولتتحول إلى رمز الحنان لدى السوريين، كما يتحول المتفرج المتفاعل في المسرحية إلى سيّد العرض.

هل كان العالم ينتظر من السوريين تقديم القربان، لتتحرك الريح وتسير السفن، أم أن جمالية الصورة فعلت فعلها، من جهة شكل الطفل ولباسه الأنيق وعمره وطريقة استلقاء جثته الصغيرة على الشاطئ وحيدا سوى من شرطي تركي، انتشله ثم راح يسجله رقما جديدا في جدول الموتى، وذلك في لقطة سينمائية هوليوودية مؤثرة، أو لوحة حية ستظل تبحث عن رسامها طويلا.

من يدري؟

وبالعودة إلى الماضي وأساطيره، هل يمكن أن ينشق البحر يوما للمهاجرين السوريين الفارين من جحيم الحرب وفرعون بلادهم؟ فيصلون إلى برّ الأمان وينطبق البحر على جلاديهم؟

من يدري؟

كاتب مسرحي من سوريا

14