جحيم الغوطة الشرقية متواصل: قصف على قدر رمزية المكان

منذ الأحد 18 فبراير 2018، تشهد الغوطة الشرقية قصفا صاروخيا ومدفعيا عنيفا تقول الحكومة السورية إنه ضروري لوقف هجمات بقذائف المورتر على دمشق. ويوما بعد يوم يتناقص عدد سكان الغوطة الشرقية الذي قدّر قبل انطلاق العملية العسكرية بحوالي 400 ألف ساكن، لقي أكثر من 426 مدنيا، بينهم 96 طفلا، حتفهم في غارات جوية وقصف صاروخي ومدفعي، فيما يتوقع أن يتصاعد الرقم على وقع تواصل القصف المزدوج والذي تستعمل فيه أحدث الأسلحة الروسية.
السبت 2018/02/24
أطفال الغوطة يستغيثون

موسكو - أسقطت مروحيات عسكرية سورية منشورات على منطقة الغوطة الشرقية، التي تتعرض لقصف عنيف منذ مطلع الأسبوع، تدعو فيها المسلحين إلى إلقاء أسلحتهم وتسليم أنفسهم وتحث المدنيين على الرحيل عبر مسارات محددة، مع التعهد بإيوائهم في مخيمات مؤقتة.

ويذكّر هذا السيناريو بما جرى في حلب في سنة 2016، وينبئ بأن مأساة ما بقي من الـ400 ألف ساكن في الغوطة الشرقية، ستتواصل في ظل حرب النظام المستعرة ضد آخر معاقل المعارضة المسلحة، ضمن تصعيد يأتي بعد حصار وتجويع بدآ منذ خمس سنوات ويستمران بالتزامن مع عمليات عسكرية تستخدم فيها جميع الأسلحة المباحة منها وغير المباحة من الكيميائي إلى أحدث الأسلحة الروسية.

واشتدت ضربات النظام السوري وحليفه الروسي على الغوطة الشرقية، خلال الأيام القليلة الماضية، دون أن يتمكن مجلس الأمن الدولي من الاتفاق على مشروع قرار يفرض وقفا لإطلاق النار.

وأعلنت روسيا أن فصائل المعارضة رفضت اتفاقا مماثلا لما حصل في حلب ينص على خروجها من هذه المنطقة، وهو أمر متوقع حيث تعتبر الغوطة الشرقية آخر المعاقل الرئيسية للمعارضة المسلحة في سوريا، وسقوطها قد يعني نهاية الحرب السورية -السورية، بين النظام، المدعوم من روسيا وإيران، والمعارضة، المدعومة من قوات مختلفة كل حسب توجهه.

حسم ناقص

سوريا تشكل منصة تجارب وعرض لأحدث ما تنتجه مصانع السلاح في روسيا
سوريا تشكل منصة تجارب وعرض لأحدث ما تنتجه مصانع السلاح في روسيا

يتفق محللون على أن النظام السوري يتجه نحو الحسم في هذه المنطقة التي تعد إحدى بوابات دمشق وكانت من أولى المدن الثائرة. لكن ذلك لا يعني نهاية الحرب في سوريا، كما لا يعني نهاية فوضى التحالفات المتغيرة من منطقة إلى أخرى، بل بداية فعلية لحرب أخرى أشد وطأة وهي حرب تصفية الحسابات بين القوى المتدخلة في الحرب الأهلية، والأهم من ذلك الحرب التي ستندلع بين الحلفاء، من ذلك خلافات محتلمة بين إيران وروسيا، الصراع ومساومات الأرض والنفط، وهو أمر تتجنبه القوى الدولية في الوقت الحاضر.

ومازال دخان الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية يعم المنطقة بما يهدد باشتعال نيرانه مرة أخرى، كما أن الفوضى التي تسببت بها تركيا من خلال تدخلها في عفرين ومأزق الأكراد المسلحين، ومأزق مرحلة إعادة الإعمار ومن سيشارك ونصيب كل فرد من الكعكة، وأي دور ستلعبه روسيا في تحديد ذلك، في علاقة بأزمتها مع الجوار الأوروبي وحلف الناتو والمقايضات المطروحة بشأن أوكرانيا، كل هذا يدخل في صفقة الحرب في سوريا ويربط بما يجري اليوم في منطقة من المفروض أنها ضمن اتفاق مناطق خفض التصعيد الذي وقت عليه روسيا وإيران وتركيا، وأيدته الدول الإقليمية والغربية.

وتنقل صحيفة “دايلي بيست” الأميركية عن المحللة السورية أروى خليفة قراءتها للوضع في الغوطة، التي عاشت فيها منذ سنوات، مشيرة إلى أن “الوضع كارثي على المستوى الإنساني. فمن خلال ضرب البنية التحتية والنقاط الحيوية بالغوطة، مثل المستشفيات والمراكز الطبية ومواقع الدفاع المدني، يُعطِّل النظام والروس الخدمات الأساسية والضرورية للمدنيين”.

وترجع خليفة أسباب التصعيد إلى ما اعتبرته مكاسب حققتها المعارضة السورية في الفترة الأخيرة، حيث تقول إن “المعركة الأخيرة ضيَّقت على قاعدة إدارة المركبات (قاعدة مركبات عسكرية استراتيجية تابعة للنظام) بمدينة حرستا على النظام وأفقدته أحد أهم مواقعه العسكرية القريبة من دمشق”.

وتضيف أن “هذه الخسارة كانت مؤشرا على ضعف عام في قوة الجيش العسكرية، وهددته بفقدان المزيد من المناطق الحيوية التي دفعته إلى التركيز على الغوطة ومحاولة الإحكام عليها عسكريا، وفرض اتفاق على فصائل المعارضة هناك”. وتشكل الغوطة الشرقية الخاصرة الرخوة للنظام، مع صمود الفصائل المعارضة فيها وقدرتها برغم الحصار على استهداف العاصمة بالقذائف.

سوق سلاح مزدهرة

روسيا تغير موازين القوى على الأرض
روسيا تغير موازين القوى على الأرض

غيرت موسكو منذ تدخلها العسكري في سوريا في العام 2015 من موازين القوى على الأرض لصالح قوات النظام، وساهمت في تحقيق انتصارات عديدة لصالحها كان أبرزها السيطرة على كامل مدينة حلب؛ كما كان للحرب جانب آخر لا يقل أهمية عن المكانة السياسية الدولية التي اكتسبتها روسيا. ويتعلق هذا الجانب بسوق السلاح الروسي الذي ازدهر بشكل كبير في السنوات الأخيرة، حيث شكلت الأرض السورية منصة تجارب وعرض لأحدث ما تنتجه مصانع السلاح في روسيا. واعترف بذلك الجنرال فلاديمير شامانوف، الذي يترأس لجنة نيابية مكلفة بالدفاع أمام مجلس النواب “الدوما”، الذي أكد أن بلاده اختبرت “أكثر من 200 نوع جديد من الأسلحة” في سوريا.

وصرح شامانوف، القائد السابق للمظليين والذي انتُخب نائبا، “لقد أظهر ذلك فعالية الأسلحة الروسية أمام العالم أجمع”، وذلك في كلمة بمناسبة “يوم المدافعين عن الأمة” الذي يصادف الـ23 من فبراير في روسيا، ونقلها موقع الحزب الحاكم “ادينايا روسيا”.

ولم يحدد شامانوف ماهية الأسلحة أو متى تم اختبارها في سوريا، لكن تطورات الحرب في سوريا والكثير من التقارير تكشف أنه من بين الأسلحة التي تم تجريبها في سوريا المقاتلات الروسية المخيفة الجديدة المتطورة من طراز سو- 57 لتجارب القتال في منطقة الحرب السورية.

وذكرت صحيفة ديلي ميل أنه تم رصد طائرتي سوخوي من الجيل الخامس في قاعدة حميميم الجوية الروسية جنوبي شرق مدينة اللاذقية، ويدعم ما ذكرته الصحيفة البريطانية إفادة نقلها مركز فريق استخبارات النزاعات الروسي للتحليل وصحيفة كومرسانت، أن مقاتلات جوية روسية من طراز سوخوي من الجيل الخامس نشرت الأربعاء في سوريا.

وتجري روسيا مفاوضات مع عدد من دول الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا حول إمكانية بيع هذه المنظومات، التي بدأت باستعمالها سوريا منذ سنة 2015 في قاعدة حميميم باللاذقية غربي سوريا، حيث تتمركز القوات الروسية. وسبق أن روجت لقاذفة الصواريخ الروسية توس- 1إيه ومدرعة بي تي أر- 82 إيه وجربتها في سوريا تحت ذريعة الحرب ضد المتشددين.

ويشير المحلل ديفيد ناي إلى أن روسيا تقوم بتطوير أسلحتها بشكل سريع، وهناك أسلحة جديدة يجري التحضير لها من ذلك جيل جديد من الغواصات وصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت وقاذفات استراتيجية قادرة على حمل وزن كبير وصواريخ الدفاع الجوي.

وفي الوقت الذي تتجه في الأنظار إلى منظومتي إس- 300 وإس- 400، تعكف روسيا على تطوير المنظومة الصاروخية إس- 500، ومن المتوقع أن تكون هذه المنظومة على استخدام من 5 إلى 10 صواريخ باليستية وستكون قادرة على ضرب حتى الأقمار ذات المدار المنخفض. ويؤكد ناي أنه “بالنسبة إلى برنامج الليزر الروسي، فإن المعلومات عنه مازالت سرية، ولكن إن كانت تصريحات الروس عنها صحيحة فإنها مصممة بنفس مستوى الأميركية، وبذلك ستكون قادرة على ضرب كل أنظمة الأسلحة التي تعتمد عليها أميركا”.

روسيا تُجري مفاوضات مع عدد من دول الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا حول إمكانية بيع المنظومات التي بدأت باستعمالها سوريا منذ سنة 2015 في قاعدة حميميم باللاذقية غربي سوريا

تأتي هذه التقارير عن الأسلحة الروسية في سوريا، كجزء من قائمة أسباب طويلة تدفع روسيا إلى دفع النظام السوري نحو التصعيد العسكري، ولذات السبب التنسيق مع تركيا بشأن معركتها العسكرية في عفرين، كما موقفها من الأزمة المتصاعدة بين إسرائيل وإيران، فآخر ما يحتاج إليه الرئيس فلاديمير بوتين، الذي يستعد لخوض الانتخابات في بلاده ويعيش مرحلة رخاء إقليمي ودولي نادر وفر أرضيته الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وأكمل بناءها خليفته دونالد ترامب، هو أن تنتهي الحرب في سوريا الآن.

ستنهي الحرب وسيتحقق السلام على الطريقة الروسية التي تعرف بمبدأ باكس روسيكا، أي الحل التفاوضي بعد أن تكون الآلة العسكرية قد أنهت مهمتها ودكت المدن السورية، حينها سيتجدد الحديث عن رحيل الأسد مقابل أن يحل محله رئيس “روسي/سوري” على شاكلة الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف.

سيأتي هذا السيناريو لكن عندما تتضح صورة التحالف مع إيران وترسم خطوط التماس لميليشياتها حتى لا تشكل أي خطر مستقبلي على مصالح روسيا في سوريا، وأيضا عندما يرسخ النظام العالمي الجديد أقدامه بشكل يبعد روسيا عن العزلة التي عرفتها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

6