جحيم بول سارتر في مشرحة المسرح التونسي

الجمعة 2015/02/13
"بورقة" مسرحية تونسية تحيي تراجيديا سارتر بملامح تونسية

تونس- تجرأ المخرج التونسي جمال ساسي وسط مشهد مسرحي سمته الأبرز الكوميديا و”الوان مان شو”، على نفض الغبار عن نص قديم لجون بول سارتر موغل في التراجيديا، وتقديمه على شكل عمل مسرحي عالج من خلاله جملة من القضايا الملحة، وفي ذلك مغامرة غير مضمونة العواقب ضمن السياق الثقافي التونسي الراهن.

في فضاء موحش مكوناته كراس ثلاثة وتمثال برونزي وباب موصد وأضواء خافتة وممثلون ثلاثة رابعهم سجان، تنتابهم جميعا موجات من الخشية والتوجس، تبدأ أحداث مسرحية “بورقة” (فوضى) لمخرجها الممثل التونسي جمال ساسي.

“بورقة” اقتباس تونسي من المسرحية الأصل “ويكلو” أو “الأبواب المغلقة” لصاحبها جون بول سارتر، وقد كتبت في العام 1943 إبان ظرف عالمي يتسم بالنزاعات والحروب، مما انعكس على طبيعة الكتابات آنذاك.

اختار جمال ساسي لتمثيل الشخصيات الأربع في مسرحيته كلا من جمال مداني، وليلى الشابي، وإيناس عبدالسلام، ولسعد الجلاصي، وتختلف كل الشخصيات عن بعضها البعض اختلافا جذريا، فالأول صحافي خرّب جسده برصاصات عشر أطلقت عليه، والثانية موظفة بالبريد، والثالثة شابة بورجوازية متمرّدة، والرابع سجان في شكل خادم بغيض.

استطاعت المسرحية جمع كل هذه المفارقات في فضاء واحد وهو الجحيم، فهذا مصيرهم جميعا بعد ترجلهم عن أعباء الحياة. ويتحتم عليهم البقاء في نفس المكان والزمــان معا إلى ما لا نهاية له، رغم اختلافهم.

المخرج جمال ساسي يحاول في “بورقة” أن يؤكد على ثنائية العلاقات الإنسانية، فقد تتسم بالانغلاق ورفض الآخر المختلف، أو أنها تنحو باتجاه الانفتاح على الغرباء

تبدأ المشاهد المتسارعة للمسرحية بلقاء جاف بين ثلاثة من سكان للجحيم، يقودهم خادم عبوس يكتفي فقط بالرد على أسئلة الوافدين الجدد باقتضاب، ثم ينسحب بهدوء وراء باب موصد بإحكام. يجد غسان الصحافي نفسه وجها لوجه مع إسمهان الشابة البورجوازية، وإيناس موظفة البريد، يجمعهم رابط وحيد هو الجحيم، أي الإطار المكاني.

وتبدأ قصة تعارف الشخصيات على بعضها البعض، فيميل كل طرف لتبرئة نفسه من التهم التي أدّت به إلى هذا المكان السحيق، محاولا الذود عن براءته، إلاّ أن طول الزمن والجو المشحون يؤدّيان بهم في نهاية المطاف إلى سرد اعترافاتهم دون إخفاء عناصرها المؤلمة.

أثناء العرض تتكون تحالفات وبعض التفاهم بين الشخصيات الثلاث، ويكون محور الصراع دائما موظفة البريد سليطة اللسان، التي تخطط باستمرار لإرباك أيّة محاولة للتقارب بينها وبين الطرفين الآخرين، أو بين الطرفين الآخرين بعيدا عنها، وفي هذا إشارات إلى عمق الصراعات وتداخل المصالح بين مختلف الفاعلين في المجتمع، والممثلون الثلاثة عينة مصغرة منه.

يحاول المخرج جمال ساسي في “بورقة” أن يؤكد على ثنائية العلاقات الإنسانية، فقد تتسم بالانغلاق ورفض الآخر المختلف، أو أنها تنحو باتجاه الانفتاح على الغرباء، والقبول بهم والتعايش معهم، أو التجلد أمام سيل انتقاداتهم ومواقف عدم رضاهم. تعالج المسرحية ثلاث قضايا على غاية من الأهمية، وتتلخص في العلاقة مع الآخرين والانغلاق على الذات والحرية.

النص الأصلي لمسرحية “بورقة” لكاتبه جون بول سارتر موغل في الوجودية، وينجز هذا النص لأول مرة في تاريخ المسرح التونسي، وبالرغم من ذلك حاول جمال ساسي إضفاء بعض المشاهد، التي نجحت في منحه بعضا من الإيحاءات على الواقع اليومي المعيش في تونس.

المسرحية استطاعت جمع كل هذه المفارقات في فضاء واحد وهو الجحيم، فهذا مصيرهم جميعا بعد ترجلهم عن أعباء الحياة

وينسحب جزء كبير من النص الأول لجون بول سارتر على واقع التونسيين، بكل ما يكتنفه من غموض وصراعات بين التيارات المجتمعية والسياسية على اختلاف مشاربها.

ولئن كانت أحداث العنف الجسدي أبرز سمات الأعمال المسرحية العالمية التي اقتبست نص سارتر، فإن المخرج جمال ساسي اختار العنف اللفظي مطية له، ليكشف المنسوب العالي من التجريح وعنف الكلمة، اللذين ميزا الحراك السياسي والاجتماعي في تونس بعد ثورة الرابع عشر من يناير، وطيلة المسار الانتقالي وفترة المخاض العسيرة التي عاشتها البلاد.

نجح ساسي في إيصال رسائل عديدة لجمهور تونسي يميل أكثر نحو العروض الكوميدية، أو إلى تلك الجدية الملتصقة كثيرا بالواقع السياسي والاجتماعي المحليين، حيث صفق الجمهور بحرارة خلال عدد من المشاهد التي أدّاها الممثلون الثلاثة بحرفية عالية.

رسائل جمال ساسي في المسرحية تلخصت في ضرورة إنهاء الاعتماد على نظرة الآخر لنا معيارا أساسيا لتقييم ذواتنا، ووجوب الانفتاح على الآخر مهما اختلف عنا، وتقبّل قناعاته على تنوّعها وتعدّدها.

17