جحيم قادم من "صندوق باندورا"

الأربعاء 2014/06/25

إن الأوقات العصيبة التي تمر بها الدول العربية خصوصا في دول «التنوع الديني» جعلت مواطني هذه الدول يقفون في مواجهة أحداث نالت من كل النظريات والأحلام والأمنيات لتصنع مشهدا للقتل والدمار، مشهدا تنقسم فيه الآراء على ذاتها، كما لو أن مصطلحي الخير والشر هما حقا حقيقة واقعة وليسا شيئا فر من الأساطير التي كنا نسمعها.

كشفت ريح الربيع خفة الرداء الذي تغطت به هذه الدول حول قدرتها على إدارة التنوع في مجتمعاتها، بعد أن ساهمت المتغيرات السياسية والاجتماعية- منذ قيام الربيع العربي- بصور مختلفة في خلق حالة من التباعد بين هذه المكونات، وحالة الاستقرار والانسجام والألفة الظاهرة بين مكونات المجتمع على اختلاف اتجاهاتها ومذاهبها وأعراقها جرى اجتثاثها وحرفها عن مسارها، كنتيجة لما ثبتته الأنظمة السياسية الحاكمة التي لم ترد الاستفادة من التنوع كحالة ثقافية تغني البلدان، ولم تسع إلى إيجاد أي منطلق ثقافي يجمع المذاهب والطوائف في هوية وطنية مشتركة، إنما عملت على توظيف هذا التنوع بصورة تسهم فقط في بقائها في السلطة مستخدمة أشكالا مختلفة من الاقصاء والتمييز والاصطفاف لفئة معينة دون أخرى مما انعكس سلبا على وحدة النسيج الاجتماعي وانسجامه.

بالإضافة إلى استخدام بعض هذه الدول لعبة الأوراق الدينية ورفعها في وجه المشاريع الغربية وخصوصا الأميركية منها ودعوتها إلى نشر الديمقراطية لترتد هذه الأوراق في وجه الحكومات والشعوب والبلدان. ونتيجة انعدام القيادة الصالحة من قبل الحركات العلمانية- أيا كان انتماؤها- المنادية بالتغيير، والتي أخلت الساحة من وجودها الفاعل، وبقيت مجرد أصوات ومنابر إعلامية فارغة لا تستطيع قيادة المجتمعات نحو تحقيق حلمها وحقها في الحرية والديمقراطية.

لهذا بدل أن يساهم التغير الذي طال البنية الشعبية في هذه الدول في رسم مشروع سياسي للانتقال إلى الديمقراطية وتعزيز الهوية الوطنية المشتركة، للوصول إلى واقع اجتماعي وسياسي ومعيشي أفضل، ساهم في فتح المجال واسعا لتبرز إلى الواجهة النزعات المذهبية والدينية والاستئصالية، التي تحتمي بإرث تاريخي لا يمكن مجاراته.

وتأججت بفعله حالات التعبئة المذهبية الدينية، وانتقل الصراع من صراع لأجل الديمقراطية وبناء المجتمع القادر على احتواء أبنائه على اختلاف انتماءاتهم، إلى صراع ديني مذهبي يعمل على تمزيق المجتمعات وإغراقها في الكثير من الويلات، خصوصا مع صعود القوى الجهادية التي ساهمت معطيات الواقع في الخمسين سنة الماضية في تعزيز نشأتها وانتشارها وتوسع مشاريعها.

هذه القوى الإسلامية الجهادية على اختلاف أسمائها ومذاهبها ومنابعها لم تأت من الخارج، فهي نتيجة لفشل متعدد الأطراف؛ فشل حكومات فرغت مجتمعاتها من أي حالة ثقافية علمانية فاعلة، وفشل تيارات علمانية لم تستطع لأسباب متعددة من الوجود كبديل فاعل في المجتمع، وقد يكون الأهم فيه فشل الفكر الديني المعاصر، الذي على الرغم من محاولاته التجديدية المتتالية لم يخرج عن نسق السلف الصالح، والوعي الديني الحداثي لم يستطع بناء مقاربات جديدة لحقيقة التعددية الدينية والمذهبية وحقيقة وجود الأديان والكتب السماوية كضوابط أخلاقية وإنسانية، ولم يقو على إيجاد السبيل ليكون بديلا عن حالة الانغلاق والتعصب التي أخذت في الإعداد لتكون البديل الديني والفكر النقيض لكل ما هو سياسي سائد في العالم.

لقد باتت الأمور أكثر تعقيدا وسط فكر ديني سياسي متعصب، يعتبر أن النهج الديني هو البديل السليم لكل الأفكار والأيديولوجيات والثقافات المعاصرة، وأنه لا خيار للنجاة وتحقيق العدل إلا بالعودة إلى قوقعة الماضي التليد، الذي يرى فيه الإنسان ملاذه الأخير كلما ضاقت به سبل التواصل الحضاري مع وسطه. فهي ما تزال حبيسة التاريخ وأحداثه وانتصاراته- “إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون”- داخل بنية ثقافية مغلقة مولدة لظاهرة العنف والإرهاب، والذي يُمارس كنوع من التطهير القدسي المصحوب بالسعادة نتيجة الإحساس بالقرب من إرادة الله، ووعوده بالخلافة القادمة، أو بالجنة والعالم الآخر وحلول الخلاص الإلهي.

إن هذه التنظيمات الساعية إلى الدمار، تشكل خطرا داهما على كافة شعوب المنطقة نتيجة فرضها جملة من القوانين المنافية لأبسط مبادئ الطبيعة الإنسانية، وسط انعدام رؤيتها أن للآخرين حظا في امتلاك الحق في الحياة.

فعلى الرغم من أن ما نراه ليس نتيجة لوجود التعدد والتنوع الديني بين البشر، وإنما نتيجة للخيارات السياسية المتبعة في وضع الحلول للتنظيمات الجهادية التكفيرية التي تمد جذورها من عمق التاريخ إلى عمق المجتمعات العربية المتنوعة، لتبث الرعب في نفوس المواطنين عبر أفعالها وتهز عرش المنطق لدى البسطاء، في المقولات التي تستقيها وتدرجها حول النهاية ويوم الحساب ودلائله، باحثة في رموز الكلام وإشاراته عن وميض أمل يثبت أقدام المنتمين إليها، ويزيد القتل قتلا، والدمار دمارا، فهو إشارات النهاية التي يبشرون بها في سبيل قيام الخلافة الراشدة التي ستعيد الأمة الاسلامية إلى أوج قوتها، وتقود العالم إلى نهاية الزمان حتى يبلغ الدين الإسلامي النجم كما ما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه الطبراني عن أبي أمامة قال: قال عليه السلام: (والذي نفسي بيده لا تذهب الأيام والليالي حتى يبلغ هذا الدين مبلغ هذا النجم).

مع هذا المشهد الشنيع لما يعيشه المواطنون من دمار وقتل فاق كل تصور، وأفكار النهاية وعلاماتها التي باتت ترافقه كظله هازمة حوار العقل والمنطق، لتثير الوهم الذي يحتل جزءا كبيرا من عقول البشر، فيبحثون به عما يهدئ روع الأحداث وشدتها، بتنا كأننا نراجع المقولات القديمة بأن هناك شرا مطلقا وخيرا مطلقا، رغم أننا نمتلك جواب جميع الفلاسفة عن هذا التساؤل وعن غيره بانعدام وجود المطلق. وكأننا نعيش جحيما أسطوريا في حرب كونية مزعومة للخير والشر، الدين والدنيا، بين الله والشيطان دون توقف حتى النهاية.

نعيش جحيما فر من صندوق الباندورا الذي فتحته المرأة الوحيدة على كوكب الأرض آنذاك، وانطلقت منه كل الآثام والشرور والشياطين، ليبقى الأمل فى الصندوق مقفولا عليه حتى هذه اللحظة. ومما لاشك فيه لن يكون الأمل بقيام الخلافة الراشدة والسلطان المطلق الحاكم بأمر الله، أملنا نحن الشعوب الواقعة بين نارين والذي إن دل على شيء فهو يعبر عن أزمة حقيقية في التطور السياسي وبناء المواطنة والدول.


كاتبة ورسامة سورية

9