جداريات الحج فن شعبي يقاوم الاندثار في قرى مصر

فنون التعبير الشعبي بدأت منذ القديم عندما انطلق الإنسان في تدوين رحلته في الحياة وذلك عبر الرسم على الجدران في الكهوف التي كان يسكنها، فرسم قصصا تحكي علاقته بالحيوانات والطبيعة ورحلات الصيد وأدواته، إلى أن تطور فن الرسم وأصبحت له مدارس ومناهج، لكن المصريين مازالوا يحتفظون بهذا النوع من الرسوم على الجدران، فصوروا رحلة الحج المقدسة في مصر لتصبح هذه الرسوم أداة تعبير عن الوداع والسفر والاستقبال للحجاج، بهذه الأشكال البصرية تتربع أهمية الحج في اللاوعي الجمعي للمجتمع المصري.
السبت 2016/09/10
قصص بصرية تروي رحلة الحج

القاهرة- بدأت الكثير من البيوت في قرى مصر تستعد لموسم الحج، برسم صور ورموز تؤكد أن في هذا المنزل أو ذاك رجلا أو سيدة، ذهبا لأداء فريضة الحج هذا العام.

وهي عادة منتشرة في قرى الصعيد في جنوب مصر، يحاول من خبرها الحفاظ عليها، ضمن تقاليد وعادات كثيرة بدأت تندثر.

يعبر الرسم على الجدران عن رحلة الحج إلى بيت الله الحرام، بما يوحي بالتعايش بين الطقس الديني والفن الشعبي.

وبألوان بسيطة يرسم أهالي الصعيد على جدران بيوتهم -التي بنيت في أغلبها بالطوب اللبن- الحاج بملابس الإحرام والكعبة والسفينة والطائرة، وحتى الجمل له نصيب، والدفوف التي تدق احتفالا بالمناسبة المقدسة.

البداية بنقش الرسومات باللون الفحمي

تميزت مصر بهذا الفن الفلكلوري، والباحث في أصوله يجد أنه يعود إلى الآلاف من السنين، عندما أرخ الإنسان المصري القديم لحياته اليومية على جدران المنازل والمعابد والمقابر.

لم يكتف فنانو جداريات الحج بالصورة كرمز، إنما زينوها بالآيات القرآنية المتعلقة بفريضة الحج مثل “ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا” أو “أذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا”، أو كتابة عبارات مثل “حج مبرور وذنب مغفور”.

وهناك جمل تدغدغ مشاعر السيدة التي تنوي القيام بالحج أو حجّت فعلا، مثل “رايحة فين يا حاجة يا أم شال قطيفة.. رايحة أزور النبي محمد والكعبة الشريفة”، وكلمة “رايحة” في العامية المصرية تعني إلى أين تذهبين؟

فنانو رسومات الحج -إن جاز التعبير- غالبيتهم من البسطاء، يعتمدون على موهبتهم الفطرية دون دراسة، فلم يكملوا مراحل تعليمهم، ومع ذلك تدب في لوحاتهم الحياة والبهجة اللتان تبثان في القلوب فرحة غامرة بالحج.

ولفت الأمر نظر الفنانة الأميركية آن باركر، والكاتب آفون نيل، فقاما بتأليف كتاب بعنوان “لوحات الحج” أصدره قسم النشر بالجامعة الأميركية في القاهرة، أمضى المؤلفان نحو عشرة أعوام في تأليفه، جابا خلالها القرى على طول نهر النيل في دلتاه، وبجوار البحر الأحمر، حتى سيناء في شمال شرق مصر، ليخرجا به إلى النور، متضمنا 15 صورة فوتوغرافية من لوحات فنانين رسموا رحلات الحج.

أحمد ياسين الملقب بـ”عيد السلواوي” فنان جداريات شعبية يعد واحدا من الرسامين الشعبيين الذين كتبت عنهم الأميركية آن باركر وآفون نيل، واعتبراه من أبرز فناني رسومات الحج، وتعود أصوله إلى محافظة أسوان (جنوب مصر)، وينحدر تحديدا من قرية سلوا بحري، ويعمل في هذا الفن منذ ستينات القرن الماضي، وورثه أبا عن جد وتأثر كثيرا بعمه خطاط شواهد القبور.

تتميز أعمال السلواوي (نسبة إلى قريته سلوا) ببساطتها وتركيزها على “الجمل” الذي يسمى سفينة الصحـراء كوسيـلة نقـل للحجاج من مصر إلى بيت الله الحرام، كانت متبعة منذ العشرات من السنين.

أما الطائرة والباخرة فلا يتوقف عندهما كثيرا الرسام الشعبي، وتمثل الكعبة مركزا رئيسيا في لوحاته على جدران البيوت، ومنها ينطلق إلى باقي رموز رحلة الحج.

موهبة فطرية تبعث البهجة في قلوب الحجاج

أكثر ما يميز رسومات هذا الفنان رسم رجلين يحتضنان بعضهما كتهنئة ومباركة على الحج، أحدهما بشرته سمراء داكنة مثل معظم سكان صعيد مصر، والآخر بشرته فاتحة يمثل شمال مصر.

قال السلواوي المولود في عام 1949 لـ”العرب” “عندما تكون السيدة هي التي تحج، أرسمها على أحد جدران بيتها من الداخل، وهي تحتضن سيدة أخرى تهنئها على الحج، حفاظًا على التقاليد التي لا تحبذ أن تكون صورة السيدة معروفة للجميع، أما الرجل فصورته على الجدار المجاور لمدخل باب البيت مباشرة، بحيث يراه المارة بوضوح.

أشار الفنان الشعبي إلى أن موهبته فطرية، وتعلم الرسم على الجدران من أبيه وجده ثم عمه، منذ أن كان طفلا يلعب في القرية، وعلمه هو بدوره لولديه اللذين يساعدانه الآن.

ولفت إلى أنه يبتكر من الأكاسيد (مواد كيميائية) ألوانا جديدة لا يعرف سرها غيره، ويستخدم سعف النخل كفرشاة يلون بها لوحاته على الجدران، بعد أن تصبح أطرافها ناعمة، فتتحول إلى ما يشبه شعرات الفرشاة.

تجسد رسومات الحج عند السلواوي البيئة من حوله، فتجده يستخدم الألوان الساطعة، التي يحب سكان أسوان أن يلونوا بها بيوتهم، سواء بدرجات اللون الأزرق أو السماوي أو الأخضر أو الأصفر أو البرتقالي أو الأحمر، وجميعها ألوان ساخنة تقاوم حرارة الشمس المرتفعة في صعيد مصر، خاصة في الصيف.

أكد السلواوي لـ“العرب” أنه يقوم برسم رموز الحج قبل موسمه بنحو أسبوعين، ويأتيه الحجاج أو أقاربهم وجيرانهم الذين يرغبون في إهداء الحاج أو الحاجة هذه الرسومات، ويتفقون معه على ما يريدونه من رسومات.

يبدأ السلواوي رسوماته بدهان الجدار بأكمله وتجهيزه بلون أساس، ويقوم بنقش الرسومات باللون الفحمي ويحددها، ثم يعمل على تلوينها كخطوة نهائية حتى تخرج اللوحة الجدارية في أبهى صورة.

الكعبة حاضرة على الجدران

وأشار إلى أنه يحرص على أن تتضمن رسوماته كلمات من أغاني الحج المتوارثة، ويرسم للحجاج ويبتهج معهم، ليس رغبة في الربح من رسوماته، بل لأنه يحب موهبته رغم كبر سنه، لذلك يتنازل أحيانا عن أجره إن كان الـحاج أو الحـاجة من بسطــاء الحال.

عن كتاب “رسومات الحج” الذي تضمن رسومات ونصوصا عن الحج، قال السلواوي “زارتني في بيتي المتواضع المصورة الأميركية آن باركر وصورت رسوماتي على جدران البيوت في القرية ووثقتها بعدستها”، ثم أهدته نسخة من الكتاب الذي تُرجم إلى عدة لغات، منها العربية، ويضيف معقبا على ذلك “كانت هذه التجربة بمثابة تكريم لفني”.

وقال علي المريخي (فنان تشكيلي) إنه تأثر بفن السلواوي، الأمر الذي جعله ينجز فيلما تسجيليا عن فنه عام 1999، فاز بجائزة مهرجان الإعلام العربي عام 2001، وقد جمع في الفيلم رسومات عمرها أكثر من 35 عاما من على جدران تآكل معظمها الآن.

وأكد لـ”العرب” أن السلواوي فنان شعبي محب لبيئته، ورغم فطرية رسوماته فإنه يدرك أهمية ما يقوم به، وتخطى رسومات الحج من مجرد كونها رموزا وصورا على الجدران إلى توثيق الرحلة المقدسة بشيء من القداسة الممزوجة بالفن.

وأضاف أنه عرفه منذ أكثر من 25 عاما، حيث كانا يعملان في مدرسة واحدة، ويرسمان على جدرانها وأسوارها معا، مؤكدا أنه تأثر بفنه كثيرا وكان منشدا إليه كثيرا.

عن هذا الفن الشعبي -وخاصة رسومات الحج- الذي اشتغل عليه المريخي نفسه في سنوات عمره المبكرة، أشار إلى أنه “فن أوشك على الاندثار في الكثير من القرى المصرية، بعد أن تهدمت البيوت المبنية من الطوب اللبن (المصنوع من الطمي والطين) وبُنيت محلها بيوت من الحديد والإسمنت، وانصرف الكثيرون ممن يسافرون للحج لأداء الفريضة عن هذا الفن، باعتباره عادة قديمة ورسومات شعبية لا موجب لها”.

20