"جدار الصوت".. رحلة البحث عن الأب خطيرة وقد لا تنتهي

فيلم "جدار الصوت" يحمل في طياته إشارات وتلميحات حول واقع يعيشه معظم الشباب في ظل الأزمة النفسية الخانقة التي يتعرض لها هؤلاء المحاصرون تحت نير الرصاص.
الاثنين 2021/01/25
فيلم إنساني وشاعري

ما زال الفيلم اللبناني "جدار الصوت" للمخرج أحمد غصين يحصد الجوائز في المهرجانات، وقد توج مؤخرا بجائزة ريشة كرامة لأفلام حقوق الإنسان كأفضل فيلم روائي طويل، لتضاف تلك الجائزة إلى العديد من الجوائز التي حصدها منذ بداية مشاركته وفوزه في مهرجان البندقية السينمائي الـ77 عام 2019، فما هو سر نجاح ذلك الفيلم؟ ولماذا يجدر بنا الوقوف عنده؟

بعض الأفلام السينمائية تتفوق دراميا على لغتها وأدواتها الفنية، فلا تكتفي بالحوار المكتوب (السيناريو) والموسيقى التصويرية المرافقة، ولا تنتهي بدور الممثل والمخرج، بل تعمل كمنظومة فنية كاملة، متكاملة ومتجانسة لتحقق للفيلم السينمائي ومنتجيه البعد الدرامي المطلوب منه.

من تلك الأفلام يأتي فيلم المخرج اللبناني أحمد غصين “جدار الصوت” الذي استغل مخرجه كل إمكانيات الكاميرا في التصوير لخدمة هدفه الدرامي، وهو الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج بعد عدة تجارب سينمائية ناجحة ومتوجة بجوائز في مجال الأفلام القصيرة والوثائقية، وهو من بطولة كل من بطرس روحانا، كرم غصين، عادل شاهين وعصام بوخالد، ومن إنتاج مشترك لبناني فرنسي قطري.

توظيف درامي

 لقد سبق للفيلم وأن شارك فور إنتاجه في العام 2019، بعدة مهرجانات سينمائية منها مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ومهرجان مراكش السينمائي الدولي ومهرجان البندقية، لكن انتشار فايروس كورونا وقف حائلا دون مشاركته في مهرجانات سينمائية هامة في العام 2020، فاكتفى بالمشاركات الافتراضية التي كان أحدثها مهرجان كرامة لأفلام حقوق الإنسان والذي توج فيها بريشة المهرجان.

فيلم

وكان الفيلم قد حصل على عدة جوائز في كل من مهرجان زيورخ السينمائي العربي، بالإضافة إلى ثلاث جوائز من مهرجان البندقية السينمائي الدولي، من أهمها جائزة الجمهور وجائزة النقاد، فكيف استطاع ذلك الفيلم على بساطته أن يحقق ذلك الإنجاز الفريد من نوعه، وأن تتفق حوله في ظاهرة استثنائية أذواق الجمهور مع أذواق النقاد السينمائيين؟

تدور أحداث الفيلم، في زمن الاعتداء الذي حصل على لبنان تحديدا في منطقة الجنوب عام 2006 والذي أطلق عليه إعلاميا حرب تموز، حيث اتخذ الفيلم من قصة مروان الشاب الذي أتى باحثا عن والده لإنقاذه وإخراجه من تلك المنطقة التي باتت محاصرة كليا، موضوعا أساسيا له.

 لكن ذلك الشاب الذي يكتشف الدمار الذي حل بمنزل أبيه، يضطر للتوجه إلى منزل صديق والده بحثا عنه، وفي لحظة الهدنة التي أراد استغلالها للمغادرة، يفقد سيارته التي كانت الوسيلة الوحيدة المتبقية له للهروب، ليبقى حبيس ذلك المنزل، جنبا إلى جنب مع أربعة أشخاص آخرين محاصرين، وليتعرف عبر تلك الساعات من التوتر والخوف على حقيقة والده ونشاطه السياسي، ولنكتشف نحن كمشاهدين الأزمة النفسية الخانقة التي يتعرض لها هؤلاء المحاصرون تحت نير الرصاص.

أول سؤال سيتبادر إلى ذهن المشاهد، لماذا بعد كل هذه الأعوام من حرب تموز 2006، ما زالت تلك القضية هامة بالنسبة إلى مخرج شاب؟ ولماذا أحدث الفيلم كل هذا التأثير النفسي والوجداني لدى الجماهير وخاصة في العروض السينمائية الجماهيرية التي لم تقتصر على بيروت بل امتدت إلى تونس ودبي أيضا.

هل فعلا لأن المخرج مؤلف العمل استطاع تسجيل لحظات إنسانية حقيقية لحدث ربما كان بعيدا عن مسامع الشباب العربي حينها، أم لأن المخرج ترك مسافة أمان طويلة بين الحدث الحقيقي والفيلم إلى درجة باتت فيه الرؤية واضحة وأكثر درامية وتفاعلية، أم لأن تداعيات ما حصل في العام 2006 ما زالت ممتدة إلى يومنا الحالي ولم تعد مقتصرة على لبنان بمفرده؟ كل الاحتمالات في النهاية واردة.

ولكن التجربة تؤكد على أن معظم الأفلام السينمائية وتحديدا الروائية منها التي حاولت إعادة تجسيد واقع الحروب و الإرهاب وتداعياتها على البشر والحجر بشكل متزامن ومتداخل معها، سقطت فعليا بسبب البروباغندا التي صيغت لأجلها، وفقدت معها قدرتها على التأثير في الوجدان المحلي وحتى العربي فما بالنا بالغربي.

وفيلم “جدار الصوت” يعتبر من أفلام سينما المؤلف على اعتبار مخرجه قد شارك في تأليفه، أو ربما هو صاحب فكرته الأساسية، الأمر الذي منحه رؤية إخراجية واضحة ومسبقة، فالفيلم لا يقتصر على القصة أو السيناريو الذي يبدو للوهلة الأولى بسيطا وربما تقليديا إلى حدّ ما، لكنه يمتلك أيضا رؤية ولغة سينمائيتين لهما بعد درامي، وليس هذا فحسب بل إنه يحمل في طياته إشارات وتلميحات حول واقع يعيشه معظم الشباب الذين ما زالوا تحت وطأة الوطن المحاصر ليس فقط عسكريا وسياسيا وإنما أيضا اقتصادي، ويتبلور ذلك في شخصية مروان الذي لم يستطع حتى نهاية الفيلم تحديد مصيره، فهل سيبقى في لبنان رغم كل الظروف، أم سيغادره كما فعل مئات الشباب الذين لفظتهم أوطانهم، وهو بذلك كأنه يحاكي مئات القصص المشابهة لواقعه لبنانيا وعربيا.

وكان الفيلم الذي صور غصين بعضا من مشاهده (تحديدا مشاهد الدمار)، على الحدود السورية اللبنانية قد لاقى انتقادا من البعض حتى قبل مشاهدته، على اعتباره قد استغل دراميا مأساة شعب كما حصل ويحصل في معظم الأفلام السورية سواء المنتجة في الداخل أو بتمويل من الخارج، لكن المشاهد للفيلم سيتيقن أن ذلك الاستخدام كان عابرا وسريعا ولهدف درامي بحت، إلى درجة أنه قد لا يميز مكانه الأصلي حقيقة.

فيلم شاعري

فيلم يروي قصة محاصرين في حرب مدمرة
فيلم يروي قصة محاصرين في حرب مدمرة

وضع مخرج الفيلم جميع شخصياته وسط ذلك المنزل المحاصر وزاد الأمر اضطرابا حين أدخل بعضا من عناصر الجيش الإسرائيلي إلى نفس المبنى، لدرجة بات فيها من المحال فعليا مغادرتهم أو حتى تفاعلهم في ما بينهم إنسانيا. عن صعوبة تلك التجربة يقول المخرج أحمد غصين “كان واحدا من التحديات التي واجهتنا أثناء تصوير الفيلم أن المكان ضيق جدا والسقف منخفض، بحيث لا يتيح مجالا كافيا لمدير التصوير كي يضع إضاءته من الأعلى”، فكان عليه أن يضعها دوما من الجانب، كل ذلك في ظل وجود خمسة أشخاص في مكان واحد.

 والكاميرا بالتالي كانت تسير وفق خطين، وحول ذلك يوضح المخرج قائلا، “الأول يرتبط بلغة الكاميرا ويتعلق بها متى تتحرك، فهي تخرج وتدخل وتتنفس وربما تختنق مع الممثلين أحيانا، كما أنها ترافق أدق حركاتهم، فقد تتوتر لتوترهم أو تكون عكس ذلك، أو تسير ببطء وبشكل شاعري يتناسب مع حالتهم، وقد تصبح في لحظة ما كاميرا محمولة، كما كان لدينا همّ آخرا يتعلق بزوايا التصوير التي يجب أن تظهر اللقطة وتجسد المطلوب منها بأفضل صورة”.

ويضيف “الأمر بطبيعة الحال لم يكن هينا، وفي لحظة ما، كان لدينا تحد وخوف من أننا ربما سنعيد ونكرر ما صورناه، لذلك وخوفا من هذه النقطة كنا نعتمد على طريقة التقسيم، فجربنا تصوير لقطات بطريقة: التركات الطويلة، وهذه اللقطات مع الوقت أصبحت تناسب الكاميرا في ملاحقتها للممثل، كما أنها كانت مناسبة إليّ كمخرج أردت لهذا البيت أن يضيق تدريجيا على الممثلين، واعتمدت على ذلك من خلال تقسيم المكان، ففي لحظة ما نرى غرفة الجلوس لفترة طويلة، ثم نتجه لاحقا إلى مكان آخر، بمعنى اعتمدت الكاميرا على نوع من الإيكوغرافي، الذي يسير جنبا إلى جنب مع الممثلين”.

أما أكثر ما ميز الفيلم فهو عدم ظهور الحرب فيه، فلا وجود لدم ولا قتال ولا حتى أسلحة فتاكة، كل ما هنالك مجرد أصوات لاشتباكات يسمعها المشاهد، تتداخل لاحقا مع دردشات لجنود العدو القابع في الطابق العلوي، لكنها استطاعت أن تنقل الخارج بكل تفاصيله من خلال الممثلين وردود أفعالهم، والمخرج إذ يكتفي بذلك، يعول في المقابل على قدرات الممثلين وردة فعلهم التي تأتي بما يتناسب والحدث الخارجي، فتكون في لحظات شاعرية وفي أخرى صاخبة.

الفيلم يحكي قصة شاب كان يبحث عن والده لإنقاذه وإخراجه من منطقة اشتباكات لكنه يصبح محاصرا عاجزا عن الهرب

عن تلك النقطة يقول غصين “الثيمة الخاصة بالفيلم كانت تعتمد على أن الحرب مجرد صوت يدور في الخارج، لكننا نراها من الداخل من خلال عيون الممثلين، لذلك كان يحتاج العمل إلى شقين، أحدهما تقني صعب جدا، استخدمنا فيه ‘هيدفون‘ مكبرات صوت لا سلكية وضعناها في آذان الممثلين، وكنا نقوم بإرسال إشارات عن طريق تمديد أشرطة سلكية في كل أرجاء المنزل تصل بدورها إلى مكبر الصوت، بحيث يصل الصوت إلى كل الممثلين في نفس اللحظة، لنلتقط تأثير ذلك عليهم”.

ولكن في أحيان أخرى، كما يلفت المخرج، “لم تكن تلك الطريقة ناجحة، فنعتمد على قدرة الممثلين على تخيلهم ذلك الحدث الخارجي، وقبولهم للفكرة واستيعابها لتنفيذ حركة الجسد وردة الفعل المناسبة سواء على صعيد التنفس أو على صعيد النظر(إلى أين ينظرون ومتى) كل ذلك من خلال تنسيق تام”.

مؤكدا، على أنهم أحيانا كانوا يشعرون بالضياع وخاصة أن ردة الفعل ترتبط بالخارج، بينما حركة الكاميرا تكون فقط في الداخل وضمن مكان ضيق، فكان عليهم الحفاظ على تلك الحالة لوقت طويل جدا.

وللتخلص من ذلك اتبع المخرج حلا مثاليا لتنفيذ الفيلم، ولكنه كان حلا متعبا أيضا بالنسبة إلى الممثلين وطاقم العمل، فلقد اعتمد على طريقة التصوير التتابعي داخل المنزل، بمعنى زمن الفيلم كان هو الزمن الحقيقي للتصوير، عن ذلك يقول غصين “عادة ما كنا نتابع التصوير من النقطة التي توقفنا عندها في اليوم السابق، وهذا يعتبر من أصعب أنواع التمثيل بالنسبة إلى الممثل (المتابعة)، ولكني أشكر الممثلين على قدرتهم على الخروج بتلك النتيجة المرضية”.

سيبقى فيلم جدار الصوت لسنوات واحدا من أهم الأفلام السينمائية وأكثرها إنسانية وشاعرية، وستبقى تساؤلات بطله موضوع شك ويقين بالنسبة إلى الكثيرين حتى ينتهي هذا الدمار وتستقر الأوطان.

14