"جدايل".. فيلم عن مقاومة داعش بالحيلة الناعمة

فيلم روائي طويل يغوص في فضاء سوريا الجريحة ويعبّر عن معاناة المرأة السورية.
السبت 2020/01/18
تضحية بسيطة لكنها موجعة

في الوقت الذي تستمر فيه المؤسسة العامة للسينما في دمشق بإنتاج أفلام روائية طويلة يستند مضمونها إلى قضية الإرهاب (داعش وجبهة النصرة) في مواجهة الشعب السوري، تهتم منظمات ومؤسسات خاصة عربية وأجنبية بإنتاج أفلام روائية قصيرة تغوص مضامينها في القضايا الاجتماعية التي خلفتها الحرب وكان تأثيرها كبيرا خاصة على المرأة.

دمشق – عبر السنوات التسع الماضية التي عاشتها سوريا في ظل ظروف الحرب والوضع الاقتصادي المتردي أنتجت المؤسسة العامة للسينما في دمشق العشرات من الأفلام الروائية الطويلة، لكنها أفلام تبنت في معظمها قضية الإرهاب في مواجهة الشعب السوري، بينما تجاهلت كليا القضايا الاجتماعية والإنسانية الأخرى التي يعيشها السوريون داخل وخارج سوريا، خاصة ما تعلق منها بالمرأة.

وفي سبيل تحقيق نوع من الانحياز والانتصار لقضايا المرأة السورية، قام الاتحاد الأوروبي بتمويل مشروع سينمائي متكامل لأجل إنتاج أفلام روائية قصيرة لمجموعة من المخرجين السوريين كجزء من برنامج تمكين المرأة السورية.

معالجة مختلفة

من بين هذه الأفلام يحضر فيلم “جدايل” للمخرج إسماعيل ديركي من بطولة روبين عيسى إلى جانب وسيم قزق وشهد قصاب باش، وهو عمل يلامس في مضمونه ما تقدّمه المؤسسة العامة للسينما حول معاناة المرأة السورية في ظل وجود التنظيمات الإرهابية، ولكن بمعالجة مختلفة وجديدة.

وتدور أحداث فيلم “جدايل” حول أرملة تعيش مع ابنتها اليافعة في إحدى المدن السورية التي تحكمها الجماعات الإرهابية، وتتعرّض للضغط من قبل بعض النساء المنتسبات لداعش لتزويجها وابنتها من مقاتلين، فتقرّر الهروب من ذلك الجحيم، ولتفعل ذلك كان عليها قصّ جدائل ابنتها لتحويلها إلى صبي كي تتمكن من الرحيل معه بصفته “مُحرما”، وهكذا تحصل على حريتها وتنتصر في النهاية.

وعن فكرة الفيلم قال المخرج إسماعيل ديركي لـ“العرب” “اخترت قصة الفيلم بعد قراءتي عبر المدونات ووسائل التواصل الاجتماعي للعديد من القصص عن النساء السوريات اللواتي تعرضن خلال الحرب لظلم شديد، وكانت بعض النساء يرصدن في مدوناتهنّ طريقة هروبهنّ من داعش والعناصر المسلحة”.

إسماعيل ديركي: الواقع يصبح أحيانا أقل قسوة مما يمكن تخيله في السينما
إسماعيل ديركي: الواقع يصبح أحيانا أقل قسوة مما يمكن تخيله في السينما

ويضيف “استوقفتني إحدى المدونات التي تحكي قصة امرأة اسمها أم فداء، لديها ابنة اضطرت إلى أن تقصّ لها شعرها كي تحوّلها إلى صبي حتى يكون محرما لها تستطيع معه أن تهرب عبر إحدى شاحنات تجار الغنم الذين كان بإمكانهم الدخول إلى مدينة الرقة والخروج منها بكل سهولة، وهي تمثل حالة فريدة لامرأة قوية في مقابل العديد من النساء اللواتي لم يستطعن الهرب وتعرّضن لحالات من التعذيب الشديد والقتل، كما أن صورة النساء الكرديات في الشمال السوري كانت تلاحقني، خاصة لحظة تمكنهنّ من الخروج والتحرّر من سيطرة داعش وتخلّيهن عن الملابس المكتسحة بالسواد التي كانت قد فرضت عليهنّ، وهنّ في حالة من الفرحة والبهجة، هذه الصور مجتمعة ربطت بعضها ببعض لأقصّ قصة هذا الفيلم”.

واضطرّت الممثلة شهد قصاب باش، فعليا، إلى قصّ شعرها أثناء تصوير الفيلم. وعن ضرورة ذلك المشهد وكيف تقبلت الممثلة الشابة الفكرة، يقول المخرج “بعد أن قرأت شهد السيناريو تحمست وتعاطفت مع الدور، وحين أخبرتها بوجود مشهد قاس سنقوم فيه بحلاقة شعرها ليبدو واقعيا بعد أن عجزت كل محاولات المختصين والمحترفين في إيجاد طريقة بديلة عن القصّ، وافقت، بل أكثر من ذلك قرّرت أن تتبرّع بشعرها لجمعية أمراض السرطان، لكنها يوم التصوير تأثرت كثيرا وشعرت بالألم وأبدت عدم رغبتها في المتابعة، وكان هذا الأمر مفاجئا لنا جميعا”.

واستمر أمر إقناعها بضرورة إكمال التصوير ساعات، حاول خلالها المخرج إقناعها بأن مسألة تأثرها بقصّ شعرها هو أمر طبيعي، ولأنها كانت تعي أن هذا الفيلم سيصوّر حالة من حالات اليأس والأسى التي تعيشها المرأة في سوريا، أكملت تصوير الفيلم حتى نهايته، وهي تذرف الدمع أثناء تصوير المشهد.

ومن ثمة، يواصل إسماعيل ديركي “رغبت الممثلة الشابة لاحقا في أن يتم تصوير شعرها المقصوص وهو يتطاير في الهواء لحظة تحرّرها تماما من سلطة داعش، وبالفعل قمت بتنفيذ رغبتها وشعرت أن تلك اللقطة صادقة وجزء أساسي من الفيلم، إلى درجة أنني أحسست معها بنوع من التوحد والتقارب بين الواقع وبين ما نقدّمه في السينما، بحيث يصبح أحيانا الواقع أقل قسوة ممّا يمكن للسينما والعاملين فيها نقله إلى المتلقي والتعبير عنه”.

تعاون مشترك

فيلم “جدايل” هو واحد من عشرات الأفلام التي قام الاتحاد الأوروبي بتمويلها ضمن مشروع سينمائي متكامل قامت بتنفيذه منظمة “البحث عن أرضية مشتركة” بالشراكة مع “مدني” السورية، وهما منظمتان مدنيتان تعنيان بقضايا حقوق الإنسان بشكل خاص، وكانت تدير المشروع لثلاث سنوات ملاك سويد التي قالت عن المشروع “دعونا مجموعة من الكتّاب والمخرجين السوريين وأجرينا لهم دورة تدريبية مع أكاديمية أوروبية حول ‘الدراما من أجل التغيير’، وبعد التدريب يُقَدَّم لنا ما يقارب الثلاثين فكرة، وبمساعدة كل من الكاتبين نصير نجيب وريم حنا قمنا باختيار 12 اقتراحا، لأجل إنتاجها كأفلام روائية قصيرة، أنجزنا جزءا منها بين العامين 2018 و2019، فيما ننتظر آخر الإنتاجات في العام 2020”.

"جدايل" يلامس في مضمونه برؤية اجتماعية أكثر منها سياسية معاناة المرأة السورية في ظل وجود داعش
"جدايل" يلامس في مضمونه برؤية اجتماعية أكثر منها سياسية معاناة المرأة السورية في ظل وجود داعش

وتضيف “الموضوع الأساسي لتلك الأفلام هو المرأة وما تعانيه اليوم بشكل خاص في ظل الحرب وتداعياتها، وكان شرطنا الوحيد الابتعاد عن الخط السياسي والمواضيع الجنسية بشكل عام”.

ورغم أن نتائج الأفلام المنتجة من قبل الاتحاد الأوروبي لم تكن كلها على نفس السوية الفنية، إلاّ أنها في النهاية أفلام أنتجت بدعم مالي جيد، واستطاعت أن تكون حاضرة في الكثير من المهرجانات السينمائية العربية والدولية، ليس هذا فحسب، بل وتوّج بعضها بجوائز عربية وعالمية، وأكثر ما ميزها أن نهاياتها تنتصر في كل مرة للمرأة وقضاياها.

كما أوجدت حلولا لبعض مشكلاتها، إنها أفلام تحارب الصورة النمطية والتقليدية للمرأة السورية وتستدعي بدلا منها صورة المرأة القوية القادرة على تجاوز مشكلاتها الاجتماعية إلى حد ما.

وفي العام 2018 اقتنص فيلم المخرج سيف الشيخ نجيب “الخيمة 56” جائزة أفضل فيلم روائي قصير في مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي لدول البحر المتوسط، وهو فيلم يدور حول العلاقة الحميمة بين الأزواج السوريين الذين شردتهم الحرب ورمتهم في مخيمات اللجوء.

أما بالنسبة إلى الأفلام المنتجة في العام 2019 فحظي فيلم “عزيزة” للمخرجة سؤدد كعدان بجائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان صندانس وجائزة “الهوغو الفضي” من مهرجان شيكاغو السينمائي الدولي، ورصد الفيلم جزءا من حياة المرأة السورية في بلد اللجوء.

وشارك فيلم واحة الراهب “قتل معلن” في مهرجان آرغوس السينمائي  بالدنمارك، وهو يدور حول قضية زواج القاصرات في أحد مخيمات اللجوء اللبنانية، واستطاع فيلم “سمكة حَرة” للمخرج الشاب مجد زغير المشاركة في أيام قرطاج السينمائية الدولية.

وهو فيلم تدور قصته حول السلطة الممارسة من الأب والمجتمع على المرأة الأرملة الحاضنة في حال قرّرت الزواج للمرة الثانية، كما شارك فيلم “اليقظة” للمخرج عمر علي بدوره في مهرجان مكناس الدولي لسينما الشباب وحصل على جائزة السيناريو، وأيضا في مهرجان مالمو للسينما العربية، وركز العمل على سلطة الزوج والأب واستغلالهما للمرأة الضعيفة.

13