جدران جديدة ترتفع في وجه المرأة

الأحد 2014/10/19
الثورات العربيّة أضافت تحدّياً جديداً إلى تحدّيات المرأة العربيّة الكثيرة

لا يمكن الجزم ما إن كان الحديث عن أدب نسويّ يأتي من باب الانتصار للمرأة أم فرض نوع من التأطير والتقييد عليها، وهل يكون في سياق فصل “عنصريّ” معاصر، تتشارك فيه المرأة نفسها ضدّ نفسها بطريقة أو أخرى، ولا سيّما أنّ الإحالة إلى الجانب الجندريّ في الأدب قد يقسّم البنية التي يفترض بها الوحدة والتماسك، ذلك أنّ الأدب نتاج إنسانيّ، والإلزام بالحضّ على استخدام مصطلحات بعينها يعطّل حركيّة الكتابة ومرونتها، وربّما يصيبها بالعطب ويسرّب إليها الخلل.

كما هو معلوم أنّ العالم العربيّ يتلقّف المقولات والمصطلحات من الغرب، ويعتمد النقل دون إعمال العقل كما يجب، فيكون تعريب الحالة قيداً لا انفتاحاً وتواصلاً، ومع رواج أدب نسويّ، والسعي إلى رفع الحيف عن المرأة، يحضر نوع من التواطؤ الأدبيّ، ويمكن تلمّس ذلك في الحالة العربيّة والمشرقيّة الراهنة.

يتبدّى جانب من الأمر في استمرار النظر إلى الكاتبة الجريئة بشيء من الاتّهاميّة والإدانة المسبقة، وربط ما تكتب عنه أو تستعرضه بالجانب الشخصيّ من حياتها وسلوكيّاتها، والتقوّل عليها، ومحاصرتها لفرض إعادتها إلى الحوزة الاجتماعيّة التي تبقيها في إطار المتداول تاريخيّاً والانخراط في سلسلة السلف والخلف دون أيّ اجتهاد أو تغيير.

الجانب الأخطر في المسألة حين تتخذ كتابة المرأة وإبداعها وسيلة للتلصّص على حياتها، ومحاكمتها غيابيّاً، واتّهامها بترويج الفاحشة حين تتجاوز القيود التي تراكمت بفعل عوامل عديدة، تاريخيّة، اجتماعيّة، دينيّة، سياسيّة، ولربّما يكون العامل الاجتماعيّ هو الأكثر تأثيراً وإيذاء، إذ يتمّ لفْظ الكاتبة وازدراؤها حين لا ترضخ للقيود، وتهمّش بطريقة المعاقب المنبوذ، حتّى تصبح عبرة لغيرها من اللائي قد يفكّرن بتخطّي الخطوط الحمر أو تجاوز خطوط النار المرسومة لهنّ.

أضافت الثورات العربيّة تحدّياً جديداً إلى تحدّيات المرأة العربيّة الكثيرة، وفي الوقت الذي كانت تنتظر أن تتخلّص من عقليّة الفحولة المهيمنة، بدأ بعض التيّارات، الأصوليّة والسلفيّة، بهجوم استباقيّ على الحريّات، حيث تكون المرأة هي الضحيّة الأولى المقدّمة على مذبح الثورات في حال التخبّط السائدة، وفي مرحلة الانتقال إلى المجتمع المدنيّ ودولة المواطنة والمساواة والقانون، بعيداً عن فروض الطاعة والولاء لأحد.

المتغيّرات المستجدّة منحت هامشاً أكثر اتّساعاً للمرأة

وإن كانت الوقائع والمتغيّرات المستجدّة منحت هامشاً أكثر اتّساعاً للمرأة، إلّا أنّ ذاك الهامش نفسه بدأ يتقلّص رويداً رويداً، ولا غرابة أن تجد الكاتبة نفسها لاحقاً أمام خيارات وتحدّيات تفوق تحدّيات المراحل السابقة مشقّة وصعوبة، وهذا ليس من منطلق تشاؤميّ، بل إنّ قراءة استشرافيّة للواقع تنبئ عن جدران ترتفع على مهَل لمحاصرة المرأة، ويمكن أن يحمل الهمّ العامّ هاجس الانتصار للمرأة إلى التقهقر أمام سطوة الآلام، لكن ما لا يمكن إغفاله أنّ أيّ تقدّم حقيقيّ نحو المستقبل، لا يتحقّق إلّا بالمرأة ومعها، وأيّ حديث عن تأجيل الحقوق، أو ترحيلها لأيّ أسباب، ينذر بمخاطر جمّة تتهدّد الحريّات المحدودة أصلاً في العالم العربيّ، والتي تظهر كأنّها منّة من المتحكّمين بالناس، أو مَن يتعاملون بطريقة وصائيّة وكأنّ الجميع لم يبلغ سنّ الرشد بعد.

لعلّ الواقع يفرض تعاطياً جديّاً مع الهواجس والمخاوف على منجزات المرأة وأدوارها المفترضة، ثمّ إنّ التعامل مع المرأة على أنّها “عورة ينبغي سترها” يعيد التذكير بسجال “البيضة سابقة على الدجاجة أم العكس″ أو اللغو عن “الملائكة ذكور أم إناث”. بمعنى أنّ العودة إلى مفرزات عقود من التهميش لن يفيد في دفع عجلة التقدّم الاجتماعيّ إلى الأمام، بل على العكس، يخلّف إرثاً من القهر لا يسهل تخطّيه، ويدفع إلى تفتيت البنى الاجتماعيّة، ويسيء إلى جوهر الدين نفسه.

يقع على عاتق الكاتبة والمثقّفة دوماً دور مركّب، فهي تنهض بمهمّة الأدب التي لا تفرّق بين ذكورة وأنوثة، وهي مهمومة بهمومها وتحدّياتها الحياتيّة في مواجهة سلطات قامعة، ربّما تبدأ من الدائرة الضيّقة المحيطة بها ولا تقف عند حدود بعينها، أي هي موكولة تلقاء بالمحاماة عن نفسها وبنات جنسها والمجتمع برمّته، وخطابها لا يختلف عن خطاب المعاصرة المفترض من الآخر، سواء كان ذلك نقداً أو إبداعاً أو مشاركة من أيّ نوع كانت.

وقد تبرز محاربة بعض النسويّات بالعري وسيلة للاحتجاج والمواجهة، صرخة أنّ العورة تظلّ في الدواخل والذهنيّات لا في الأجساد فقط، وأنّ تلغيم المجتمع بالكبت والقمع يهيّئ الأرضيّة للانفجار والفساد، ومن هنا يكون إعلان الحرب على مختلف السلطات وارداً في بحر المواجهة المفتوحة، ولكنّ ذلك يثير الاستفزاز المجّانيّ أكثر ممّا يدعو إلى الإنصاف أو ردّ المظالم ورفع الظلم، وقد يبعث على الاستعداء ويدعو إلى السخرية ويجيّر في معرض الإساءة للمرأة نفسها، والحرّيات التي تنادي بها وتدعو إليها.


كاتب من سوريا

11