جدران سوريا تتحول إلى ساحة حرب كلامية

الأربعاء 2014/11/26
تحولت الجدران في سوريا إلى ملاذ للتعبير عن اختلاجات سياسية

دمشق - فعل الكتابة على الجدار يحمل تناقضا في معناه، فهو إما إحياء لصوت يتحدّى السلطة القائمة، أو أسلوب قمعي لترسيخ مقولات السلطة وأفعالها سواء بصورة رسمية أو غير رسمية.

لا حدود للبروباغاندا التي يمارسها النظام السوري، فالجدران في المناطق التي ما زالت خاضعة لسيطرته، هي الأقرب إلى تلك التي نراها في الدول الفاشية، صور علم ما قبل الثورة منتشرة في كل مكان حتى واجهات المحلات، وصور الرئيس موجودة من حول الجميع تتأمل المارة.

والعبارات التي ترسخ صورة الديكتاتور لا تترك مجالا للتنفس، فعبارات كـ"جنود الأسد" أو "الأسد أو نحرق البلد" ما زالت موجودة، وما يثير الخوف أنها مكتوبة من قبل هواة، أي أن من كتبها يمتلك سلطة التشويه التي تنسحب على سلطة القتل.

هي سطوة للغياب تجعل الدكتاتور حاضرا دائما للعابرين والمتجوّلين في الشارع، وبما أن من يكتب هذه العبارة مجهول نظريا فالجميع مهدّد في أيّة لحظة بأن "يُدعس" من قبل قوات النظام والموالين له.

أمّا الشعار الذي يرسخ حضور الموت وسلطة القمع هو في المناطق التي مرت منها قوات النظام وهو "من هنا مرّ جنود الأسد"، وكأن مظاهر الخراب لا تكفي في المناطق التي يدّعي النظام أنه "طهّرها"، بل لا بدّ من وسم المنطقة بشعارات الدمار.

النقيض لما سبق نراه في جدران المناطق المحررة من نظام الأسد، فهي مساحات مفتوحة للجميع للتعبير عن آرائهم، فالشعارات التي ترسم انتصار الجيش الحر أو فرحة الأهالي بالحرية، تجعل الجدران أفصح وأبلغ من نشرات الأخبار كـ"حرية وبس".

وتتنوع المنجزات الجدارية في المناطق المحررة، فبعضها من قبل هواة أو أناس عاديين أرادوا إرسال أصواتهم وفرحتهم بالنصر، وصاغوا عبارات كـ"سوريا حرة" أو وسموا الجدران بأعلام الثورة.

الكتابة بأنواعها على الجدران هي الأكثر صراحة في تصوير الصراع بسوريا

في صورة مناقضة لتلك التي يمارسها النظام، نحن أمام خطابين معلنين يتصارعان علنا، فالكل يحاول ترسيخ رموزه، البعض الآخر يحمل صيغة فنيّة وبراعة في التصوير سواء عبر الرسومات أو الخطوط التي تشكّل العبارة، ولا يمكن ضبط عدد وتوجهات العبارات، بل تتنوع وتختلف كل منها حسب أذواق القائمين عليها.

لكنها تتميز بأنها ليست أسلوبا للتشفي أو الاحتجاج السرّي، بل هي علنية لا خوف من إظهارها، إذ لم تعد أسلوبا للصراع مع السلطة الدكتاتورية، بل وسيلة لحرية التعبير، وتوجيه الانتقاد حتى للجيش الحر نفسه أو الفصائل المختلفة، بل وحتى الدولة الإسلامية كـ”أين الكتائب والفصائل مما تفعلـــه داعش، أبينوا موقفكم أيها المخنثون”.

كذلك نرى الشعارات الشعبية الأقرب إلى الأحاديث اليومية تلخص تفاصيل تلك المناطق وما تشهده، بل من الممكن أن تكون تعبيرا عن وعي شعبي بما يحدث بصورة غير رسمية في ظل غياب التمثيل الملائم، وكأنها وسيلة لإعلاء الصوت في ظل الفوضى التي قد تشهدها بعض المناطق المحررة. أو تكون إعلانا عن الرغبة بالحلم والتمني في سبيل سوريا حرة ديمقراطية، كالشعار المرسوم على أحد جدران كفرنبل والذي يقول “العلّة فينا، في الأسد القابع فينا، في داخل كل منا”، بالرغم من ركاكة الشعار، إلاّ أنه ينمّ عن وعي بالتشوّهات الذي زرعها النظام في الشعب، حيث حوّل البعض إلى مشروع دكتاتور مستقبلي لا بدّ من اجتثاثه.

"الجدران تلاحق السوريين أينما ذهبوا، وكأنهم محكومون بأن يكونوا ضحايا بسبب ثورتهم المجيدة"

الدولة الإسلامية (داعش) هي الشمولية الموازية لشمولية النظام، فالشعارات التي تملأ المناطق التي تخضع لسيطرتها هي استعادة لسرديات بقيت محفوظة في كتب التاريخ، أو كانت تتسرب سرا في المجالس الأصولية.

هي إعادة إحياء للنص الديني والمآثر الدينية بصورة علنية، فمنها الواعظ ومنها المؤنّب ومنها المهدّد، شعارات تبعث الرعب أحيانا باعتمادها على النص الديني، وأحيانا تحاول التقرّب من أهالي المناطق الخاضعة للدولة الإسلامية.

وكأنك لا تستطيع الانعزال عمّا يحدث، والشعار الأشهر “باقية وتتمدد” هو الصيغة التي تلخص أهداف داعش ومخططها، وقد تجلى ذلك بصورة واضحة في شعار “ن”، الحرف الذي استخدمته الدولة الإسلامية لوسم بيوت النصارى في سبيل طردهم أو فرض الجزية عليهم.

دلالة لغوية عميقة تعيد المكانة للحرف بوصفه وسيلة للقمع، لا لتحرير المعنى وإطلاقه، بحيث يصبح الانتماء الديني الممهور بكلمة “نصراني” معبرا نحو الموت، أو التهجير بصورة علنية عبر رسمه على جدران وأبواب بيوت النصارى من قبل الدولة الإسلامية.

الجدران تلاحق السوريين أينما ذهبوا، وكأنهم محكومون بأن يكونوا ضحايا بسبب ثورتهم المجيدة، مؤخرا ظهرت في بيروت عاصمة لبنان الكثير من العبارات على جدران الأحياء المختلفة -الأشرفية مثلا- أكثرها انتشارا “احذر عدوّك، السوري عدوّك”، هذا الشعار مليء بالدلالات العنصرية، كما أنه لا يتمتع بخصائص الشعار الجذاب، بل هو أقرب إلى صيغة التنبيه، ويبرز العجز عن صياغة متماسكة، وكأن صاحبه كتب أول ما خطر بباله.

فمشاعر الكراهية تتضح ضمن تكوين الشعار بتكرار كلمة “عدوّك” مرتين، وهو تأكيد يؤصل للعنصرية التي لا يمكن لقارئها إذا كان سوريا إلاّ أن يشعر بالغضب، أو إذا كان لبنانيا متعصبا بأن تستيقظ لديه مشاعر العنصرية، هذا النوع من الممارسات لا يمكن تصنيفه، إلاّ ضمن خانات العنصرية والكراهية التي تتخذ أشكالا علنيّة على أيدي الجهلة.

16