جدلية الشك والإيمان لا تزال قائمة بعد مرور 50 عاما على "ضوء الشتاء"

يبدو جليا لمتابعي أفلام السينمائي السويدي إنغمار برغمان (1918/2007) أن السمة الأساسية لشخصياته الرئيسية، تتجلى في ذلك السأم الممزوج بحالة برود رقيقة ومستعصية، تظهر على التوالي عبر انفعالات وتناقضات سلوكية دفينة في فيلم “ضوء شتاء” (1962)، كالعديد من أفلام برغمان وشخوصه على شاكلة "الفراولة البرية" (1957) و”عاطفة آنا” (1969)، و”صرخات وهمسات” (1972)، فالشخصيات لا تبدو في إطار الفيلم مستاءة من واقعها المعيش بقدر انخراطها في أجوائها النفسية وبُعدها الخفي، وبالتالي لا تسعى إلى تغيير ذاتها وإنما تحاول الوصول إلى أنجع قرار يقود للخلاص المنشود.
الثلاثاء 2015/11/17
"ضوء الشتاء"فيلم سينمائي بسيناريو فلسفي

يتناول فيلم “ضوء شتاء” للمخرج السينمائي النمساوي إنغمار برغمان من خلال الكاهن توماس حالة سأم ممزوجة بحالة برود رقيقة ومستعصية، والكاهن توماس هو إحدى شخصيات الفيلم الرئيسية، يعيش حالة شك وشعور باللاجدوى تجاه ما يؤمن به وما يُخلص له، فبعد وفاة زوجته منذ أربع سنوات، استنفد طاقته عن مغزى رحيلها ربما من خلال عزائه بأنه سيلتقي بها في عالم مختلف يؤمّنه له إيمانه واعتقاده الهشّ.

ها هو يُخرج كل ما في سريرته في حديثه للرجل البائس يوناس الذي فقد بدوره ثقته بأيّ معنى للحياة وبأيّ قدرة ناجية تشفي إحساسه بالسأم والخيبة، فقرر الانتحار بعد أن عَلم أن الصين -البلد الذي سيسافر إليه- ستصنع قنبلة ذرية، وهذا يتنافى مع آماله تجاه البلد الذي سيرحل إليه.

مع انتحار يوناس تظهر الهوة العميقة بين الفعل الحقيقي من جهة والتنظير اللاهوتي من جهة أخرى، فبينما يتكلم الكاهن مع يوناس يبدو هذا الأخير غير مبال بما يسمع، ويسير نحو النهاية غير آبه باختلاجات الكاهن.

مشهد لقاء توماس ويوناس يدفع بالمونولوج إلى ذروته، فالكاهن يعترف الآن وبشكل غير مسبوق بأنه عاجز تماما عن التقدّم ويبدو أيضا أنه عاجز عن تقديم أدنى فائدة للبائسين، فهو من وجهة نظره عالة على الحياة الكنسية التي ينتمي إليها.

ورغم أنه لا يخشى الموت، وفي ذات الوقت غير متعلق بالحياة، إلاّ أنه ثابت مكانه لا يقوى على التحرك، بعد ذلك وفي قمة المونولوج يبدأ في انتقاد علاقته مع ربه وبأنه لا يصلح لأن يكون رجل دين، إلى أن يكتشف في النهاية أن بداخله إلها آخر غير الذي آمن به وجعله ينظر لذاته بأنه رجل دين صلف وفاسد.

توماس متهالك أكثر من أي وقت مضى يريد أن يكون شجاعا وحقيقيا ولو للحظة، يُخرج تساؤلاته حول الله والحياة والموت أمام العالم أجمع، لكن تساؤلات الكاهن وكوامنه لن تُفلح في تغيير قدره، إذ سيظل الكاهن توماس الذي يتلو الصلوات على الحاضرين كما يراه الآخرون بهيبة ووقار.

من الوهلة الأولى تبدو مارتا المرأة العانس، كإحدى النساء اللواتي حصل وأن عشقن رجلا حدّ العبادة، رجلا أسيرا لصرامة أفكاره ولسلوكه الكَنسي المنضبط، وهنا تكمن المفارقة فتوماس ليس الرجل الذي تعشقه النساء بأي حال وسط عاصفة الشك التي تجتاحه، بينما مارتا تنهشها الحاجة والرغبة الجارحة للعطف.

ليس من الغريب أن يكون الكثير من أعمال برغمان المهمة، أبطالها من النساء أو شركاء رئيسيين

مارتا متصالحة مع أفكارها ومع نوعية إلحادها مع أنها كانت مؤمنة ذات يوم، حيث قالت له مرة “توقف يا توماس لا وجود لله”، وعلى الرغم من ترددها على الكنيسة من أجل توماس، لكن شعورا بالمهانة والذل يسببه لها توماس ولا تستطيع أخذه على محمل الجد سوى أن تربط يديها بقطعة قماش ناعتة نفسها بالجبانة.

هي الأخرى تعاني من العجز، عجزها عن مجابهة توماس واحتقاره لأنوثتها بالرغم من إدراكها العميق لذاتيتها، إذ كلما سحق أنوثتها كلما تعلقت به أكثر وهي تبدو مثل توماس لا تستطيع وضع حدّ لعذاباتها، بالمحصلة مارتا تحب شيئا ما في الحياة ما يجعلها رغم إلحادها أكثر قربا للإيمان من الكاهن توماس.

مع تركيبة مارتا النفسية وخضوعها المستميت والغريب لتوماس تتبدى لنا مقدرة برغمان الفذّة في تسخير السيناريو وجعله يتماهى مع الإمكانيات الكبيرة لممثلين “جوّانيين” برعوا أيّما براعة في تجسيد الشخصيات الرئيسية، ومقدرته كذلك على الولوج إلى عالم النساء السري، وفي هذا الخصوص يظل فيلم “صرخات وهمسات” 1972 رائدا على هذا المستوى.

ليس من الغريب أن يكون الكثير من أعمال برغمان المهمة، أبطالها من النساء أو شركاء رئيسيين، “ربيع عذراء” (1960)،“بيرسونا” (1966)،“عاطفة آنّا” (1969)،“سوناتا الخريف” (1978)، فعمق التداعيات النفسية للمرأة كما تشير أفلام برغمان تبدو أشدّ هلعا مما لدى الرجل.

فعليا ومثل كل المخرجين الكلاسيكيين الكبار مثل فيسكونتي وفلليني وكوروساوا، لا يظهر في أفلام برغمان أن هناك ممثلين ثانويين، فطاقم العمل يذوب كله في إطار كلي لخدمة الفيلم.

ويمكننا هنا استحضار حركات تلقائية من عازف بيانو الكنيسة على الرغم من حضوره القليل، تنم عن تذمره من عمله اليومي كعازف للبيانو في الكنيسة وطريقة نصيحته لمارتا بأن الكاهن توماس لا ينفع لها.

وثمة مشهد أكثر عمقا وصراحة حول الحديث الذي دار بين لادنبيرغ أحد رواد الكنيسة وتوماس في ما يخص الرؤية الشكلية لآلام المسيح الجسدية حسب التصوّر الديني مقارنة بالمعنى الرمزي لمعاناته، وما جاء على لسان لادنبيرغ “في نظري المتواضع عانيت جسديا أكثر من السيد المسيح”.

ليكمل المشهد سلسلة من التساؤلات الفلسفية الكبرى التي رافقت بدايات الفيلم حتى نهايته، وليختمها بعد ذلك لادنبيرغ مختصرا رؤيته بأن عذاب الإنسان الأكبر يكمن في إدراكه أنه وحيد مع فكرته لا أحد يسانده، مستشهدا بعبارة المسيح عند صلبه “لماذا تخليت عني يا إلهي”، مفسرا حسب رأيه حالة الشك التي راودت المسيح عند صلبه وحيدا دون أن يتجرأ أحد على مساعدته، ليردد بعدها توماس عبارته المتقطعة طوال الفيلم “صمت الإله”.

16