جدل أميركي-أميركي حول خطة ترامب ضد الاتفاق النووي الإيراني

الجمعة 2017/10/13
هل يحسم ترامب الجدل؟

واشنطن – يتنامى السجال داخل الطبقة السياسية الأميركية كما على صفحات الجرائد والمجلات الأميركية حول ما قد يعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن موقف الولايات المتحدة الرسمي من الاتفاق النووي مع إيران. ولا يقتصر السجال في هذا الصدد على ما هو تقليدي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري فقط، بل داخل الحزب الجمهوري نفسه حول الحكمة مما يتم تداوله عن عزم ترامب على عدم التصديق على التزام إيران بالتعهدات التي يفرضها هذا الاتفاق على طهران.

وأجمعت كافة التقارير الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية المكلفة بمراقبة تقيد إيران التقني ببنود الاتفاق على أن طهران التزمت التزاما كاملا بالاتفاق النووي، فيما يرى شركاء الولايات المتحدة في التوقيع على هذا الاتفاق بأنه يعمل جيدا، وأن إيران ملتزمة به، وأنها (أي هذه الدول) لن تذهب مذهب الرئيس الأميركي في العمل على تقويضه.

ورغم أن العواصم الحليفة لواشنطن، باريس ولندن وبرلين، أعلنت تمسكها بالاتفاق، ورغم أن التقارير التقنية للوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت التزام إيران به، إلا أن حجج الرئيس ترامب تقوم على أن هذا الاتفاق لا يناسب المصالح الأميركية، وهو أمر يتناقض تماما مع الرؤية التي وضعها إستراتيجيو الأمن القومي الأميركي تحت إدارة أوباما السابقة.

وكان ترامب قال في شأن هذه الاتفاقية “أظن أنها من بين الاتفاقيات الأقل اكتمالا التي رأيتها في حياتي، لقد قدمنا 150 مليار دولار ولم نحصل على شيء بالمقابل بينما حصلوا هم على مسار يسمح لهم بالوصول إلى الأسلحة النووية بشكل سريع“.

تجمع أصوات في الحزب الجمهوري كما أصوات في الحزب الديمقراطي على اعتبار أي قرار لترامب للتنصل من الاتفاق النووي مع إيران هو خطأ دبلوماسي وأمني وإستراتيجي بالنسبة للولايات المتحدة. ورأى السيناتور الأميركي الديمقراطي كريس ميرفي أنه إذا أصدر ترامب قرارا بانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، فإن ذلك سوف يؤذي الولايات المتحدة ويفيد إيران. وقال إن “الرئيس على وشك أن يجرح نفسه وبلدنا بالانسحاب من هذا الاتفاق”، مضيفا أنه إذا انسحبت أميركا فإن إيران “سوف تعود إلى مسار تطوير السلاح النووي، وسوف تحصل على كل شيء تريده”.

وتابع ميرفي بالقول “إذا خرجت الولايات المتحدة من الاتفاق، ستواصل إيران الاستفادة من تخفيف العقوبات من قبل الدول الأخرى الأطراف في الاتفاق، وهذه الخطوة ستجعل طهران تبدو وكأنها ضحية”، متهما ترامب بإضعاف الجهود الدبلوماسية الأميركية، خاصة التي يبذلها وزير الخارجية ريكس تيلرسون.

وقال السيناتور الجمهوري بوب كوركر، الذي دخل في مناوشات سياسية ساخنة مع ترامب، إن الأخير يضع الولايات المتحدة على طريق “حرب عالمية ثالثة”، في تعليق على السياسة الخارجية التي ينتهجها البيت الأبيض. وقال كوركر، في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز إن ترامب “يثير قلقه”.

وتعتبر هذه الأصوات أن إدارة أوباما لجأت إلى مفاوضات طويلة مع الطرف الإيراني للتوصل إلى حل لوقف سعي إيران لاقتناء السلاح النووي، وأن بديل الاتفاق كان اللجوء إلى مواجهة عسكرية كبرى غير مضمونة النتائج، خصوصا وأن واشنطن، بكافة مؤسساتها العسكرية والأمنية، كانت تسعى للخروج من مستنقعات الحروب الأميركية في الخارج، لا سيما في أفغانستان والعراق. ويروج جدل في الولايات المتحدة حول أن تقويض الاتفاق النووي سيعيد إطلاق يد إيران في تنشيط برنامجها النووي باتجاه إنتاج قنبلة نووية، كما سيطلق يد إسرائيل في التصدي عسكريا لما تعتبره خطرا وجوديا ضدها، مما يفتح منطقة الشرق الأوسط على فوضى واسعة لن تأتي لصالح المصالح الأميركية التي يدافع ترامب عنها.

وتتساءل منابر أميركية حول موقع الولايات المتحدة المقبل في العالم إذا ما خرجت من الاتفاق مع إيران وحول مصداقية أي إدارة في واشنطن في التوقيع على اتفاق مع جهة ما إذا ما أتت إدارة أخرى وتنصلت منه. وتضيف هذه المنابر أن غموضا يسود مستقبل السجال الحالي مع كوريا الشمالية طالما أن الدبلوماسية الدولية تتساءل حول مدى إمكانية التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وبيونغ يانغ إذا ما كانت الولايات المتحدة غير مستعدة للالتزام باتفاقها السابق مع إيران.

وقد تفاجأت الأوساط الأميركية بمواقف أطلقها خبراء عسكريون إسرائيليون طالبوا فيها الولايات المتحدة بالمحافظة على اتفاق عام 2015 مع إيران، معتبرين أن سقوط هذا الاتفاق يفتح المنطقة، وربما العالم على سيناريوهات مجهولة.

وسبق لمواقف خليجية، كان أبرزها موقف الأمير تركي الفيصل مدير المخابرات السعودية الأسبق وسفير الرياض سابقا في لندن وواشنطن، الذي أعلن تأييده لهذا الاتفاق على أن يكون جزءا من جهد دولي لوقف السياسات التي تمارسها طهران لزعزعة أمن واستقرار دول المنطقة، لا سيما دول الخليج.

وقال الفيصل “لا أعتقد أنه يجب عليه (ترامب) أن يلغيه. لقد جرى العمل عليه (الاتفاق النووي) لسنوات عديدة والإجماع العام في العالم وليس في الولايات المتحدة فقط هو أنه حقق هدفا وهو فجوة لمدة 15 عاما في البرنامج الذي شرعت فيه إيران لتطوير أسلحة نووية“.

ترامب ممعن في التخلي عن خيارات أوباما، وأن إسقاط الاتفاق النووي في واشنطن سيتشابه مع مسألة إسقاط النظام الصحي المسمى "أوباما كير"

وقال الأمير تركي إنه كان يود أن يصبح الاتفاق “نقطة انطلاق” نحو برنامج أكثر استدامة “لمنع الانتشار النووي من خلال إقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط”.

وجاء التحفظ أيضا من داخل الإدارة الأميركية حين أكد وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، أنه يؤمن بضرورة المحافظة على الاتفاقية النووية مع إيران. جاء ذلك أثناء جلسة استماع أمام لجنة الخدمات المسلحة التابعة للكونغرس الأميركي، وذلك بالرغم من عدم تأييد الرئيس الأميركي دونالد ترامب للصفقة وإشاراته المتكررة إلى إمكانيه إلغائها.

بالمقابل، قالت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي، إن الاتفاق النووي الإيراني لا يمكن تجميله ليبدو أفضل مما هو عليه فعليا”. وأضافت “يجب إدراك أنه لا يمكن وضع أحمر شفاه على خنزير. لذلك، مهما فعلنا، لا يمكننا أن نجعل هذه الصفقة تبدو بمظهر أفضل مما هي عليه فعليا. علينا أن ننظر إلى واقع أن هذه الصفقة معيبة”.

غير أن مواقف أميركية أخرى تؤكد أن عدم مصادقة الرئيس ترامب على التزام طهران بالاتفاق النووي لا يعني انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق. وتقول مصادر مراقبة إن مناورة ترامب تلقي الكرة في ملعب الكونغرس الأميركي لمدة 60 يوما، بحيث يتيح الأمر فرض عقوبات جديدة ضد إيران أو اعتماد خيارات أخرى.

ويعلق بعض الخبراء أن موقف ترامب سيكون متّسقا مع وعوده الانتخابية دون أن يعني ذلك انسحابا من الاتفاق طالما أن الأمر سيصبح تشريعيا يقرره الكونغرس. ويلفت خبراء إلى أن الاتفاق النووي ليس اتفاقا ثنائيا أميركيا إيرانيا، بل هو اتفاق متعدد الأطراف، وأن موقف واشنطن من هذا الاتفاق لا ينسحب على بقية الشركاء، وبالتالي لا يلغي قانونيا هذا الاتفاق.

لكن هؤلاء يضيفون أن غياب الولايات المتحدة عن الاتفاق يعد ضربة كبرى لاتفاق لم يتم توقيعه إلا بناء على مداولات أميركية إيرانية جرى البعض منها في مسقط عاصمة سلطنة عمان. غير أن دبلوماسيين أوروبيين يعتبرون أن قرار ترامب له دلالات داخلية لها علاقة بالسياسة البيتية في واشنطن.

ويضيف هؤلاء أن ترامب ممعن في التخلي عن خيارات أوباما، وأن إسقاط الاتفاق النووي في واشنطن سيتشابه مع مسألة إسقاط النظام الصحي المسمى “أوباما كير” والذي لم تستطع الإدارة الحالية إيجاد بديل عنه. ويلفت الدبلوماسيون الأوروبيون إلى أن موقف واشنطن الجديد من الاتفاق النووي سيوفّر للمجتمع الدولي مروحة من الضغوط لوقف برنامج إيران للصواريخ الباليستية.

ويرى هؤلاء أن طهران أوقفت برنامجها النووي العسكري على أمل أن يسهم ذلك في العبور إلى الدائرة الاقتصادية والمالية الدولية، وأن موقف واشنطن الجديد سواء ذلك المتعلق بالبرنامج النووي أو بالتجارب الصاروخية يشكل سدا حقيقيا أمام أي تطبيع مع العلم حتى لو تمسك شركاء واشنطن باتفاق فيينا النووي مع إيران.

6