جدل أميركي محتدم حول التوفيق بين مكافحة الإرهاب وصون الحريات

عاد الجدل إلى الساحة السياسية الأميركية، مؤخرا، تزامنا مع طرح قانون الإصلاح الذي يتمحور أساسا حول المسائل القانونية والتشريعية المتعلقة بحماية الحريات الفردية، خاصة للأقليات وعلى رأسها العرب والمسلمون الأميركيون، من أي تجاوزات أو انتهاكات يُمكن أن تقوم بها وكالة الأمن القومي في حقهم تحت يافطة مجابهة الإرهاب.
الجمعة 2015/06/19
وكالة الأمن القومي مصرة على المضي في تطبيق برنامج المراقبة الذي تتبعه

أصبح قانون الإصلاح والمعروف كذلك بقانون “الحريات” المنبثق عن قانون مكافحة الإرهاب “باتريوت آكت”، الذي طالب به الرئيس الأميركي باراك أوباما، يشغل الشارع الأميركي هذه الأيام، بما يحتويه من تنوع عرقي وأقليات مختلفة، خاصة العرب والمسلمين.

وقد انقسم الشعب الأميركي بين مُؤيّد ومُعارض وكذلك تباينت آراء السياسيّين والأحزاب إلى أن وصل الانقسام إلى الجمهوريّين أنفسهم وأعضاء الكونغرس؛ فهُناك من يؤيّدُ اتّباع الإجراءات الصارمة لمكافحة الإرهاب، وفي المقابل هناك شقّ آخر يعارض ذلك تأييدا لحماية خصوصية الأفراد، خاصّة بعد التسريبات التي كشف من خلالها إدوارد سنودن، المتعامل السابق مع وكالة الأمن القومي الأميركية، عن النطاق الهائل لعمليات جمع المعلومات والحجم الكبير لعمليات المراقبة التي تقوم بها الوكالة.

وقد انضمّ معهد كاتو للدراسات الاقتصادية الأميركية إلى حملة انتقاد نفوذ الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأميركية، بالتزامن مع بدء الجدل حول تجديد العمل بـ”قانون باتريوت” لتقييد حرية المواطن.

وأوضح المعهد لأعضاء الكونغرس أنّه ينبغي عليهم الإقلاع عن وهم استصدار تشريع صلب “يوفر للمحققين ضمانة صلبة حاسمة للحيلولة دون حدوث تجاوزات”، مناشدا تعزيز النصوص القانونية بـ”شروط توفر الشفافية”، وهو تعبير يلقى إجماعا (وإن نظريّا) داخل أوساط المجتمع الأميركي المختلفة.

تجاذب انتخابي

صادق الرئيس الأميركي باراك أوباما، الأسبوع الماضي، على قانون الإصلاح الخاص بالحريات، والذي سينتج عنه الحدّ من سلطات وكالة الأمن القومي في ما يتعلق بجمع البيانات الهاتفية المثيرة للجدل. وكان مجلس النواب قد صادق على مشروع القانون فيما صوّت عليه مجلس الشيوخ لاحقا.

وجاء ذلك بعد أن تمّ وضع صيغة توافقية قانونية لتجديد العمل بقانون “باتريوت”، وتوفير الغطاء القانوني لوكالة الأمن القومي والسماح لها بالاستمرار في جمع بيانات الاتصالات الهاتفية الخاصّة بالأميركيين والأجانب على حد سواء، وتعديل بعض النصوص الأخرى.

هناك من يؤيد اتباع الإجراءات الصارمة لمكافحة الإرهاب وهناك شق آخر يعارض ذلك تأييدا لحماية خصوصية الأفراد

وكان أوباما من المتحمسين لهذا القانون حتى أنه علق على توتير، قبل أن يوقّع عليه، بالقول “أنا مسرور لأنّ مجلس الشيوخ أقر أخيرا قانون الحريات كي يحمي الحريات المدنية وأمننا القومي”.

وعلى الرغم من الأهمية التي يحظى بها محتوى هذا القانون، إلا أن عددا من المحلّلين والمراقبين يرون أنّ إثارة هذه القضية في هذا الوقت بالذّات، تُعدّ نوعا من الأسلحة التي ستُستخدم في المعركة الانتخابية المقبلة.

وسواء تم قبول القانون أو رفضه، لا بد له أن يصب في مصلحة الطرفين، الجمهوريون الذين يدافعون عن بقاء القانون على ما هو عليه نظرا لأهمية مسألة الأمن القومي ومكافحة الإرهاب في ظلّ التهديدات التي تحيط بالبلاد، والديمقراطيون الذين تصب إثارة هذه القضية في صالحهم، حيث أنّهم يرحبون بقانون الإصلاح والحريات معتبرين أنّ التنصّت فيه تقييد غير مبرّر للحريات بسبب مراقبته للناس على هواتفهم الشخصية.

هذا التجاذب القائم يؤشّر على أنّ هذا الملف سيكون حاضرا بقوة في الحملات الانتخابية المقبلة وسيتمّ استغلاله لتحريك الشارع والتأثير على قرار الناخبين لتخييرهم بين خيارين؛ الحريات في مقابل الأمن ومكافحة الإرهاب.

وهو ما يؤكّده عبدالوهاب علونه، الناشط في مجال حقوق الإنسان في مدينة ديترويت في ولاية ميشغان الأميركية، الذي يرى أنّ كل ما يحدث ليس سوى نوع من الترويج للانتخابات القادمة، ولا يهتمّ بأي تغيير ولا يتعلٌّق بالديمقراطية وليست له علاقة بالحريات.

باراك أوباما: أنا مسرور لأن مجلس الشيوخ أقر قانون الحريات كي يحمي الحريات المدنية

وكان قانون مكافحة الإرهاب “باتريوت آكت” الذي شرّع في عهد جورج بوش بعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001، يعطي الهيئات التنفيذية المتمثلة في أجهزة الشرطة ومكتب التحقيقات الفيدرالي صلاحيات واسعة في مجال المراقبة وتفتيش المشتبه بهم دون أن يكون لديهم أدلة ملموسة تدينهم بشكل مباشر، ودون فرض رقابة كافية على تلك الصلاحيات، وهو ما يُسهّل عليهم إجراءات التحقيقات والوسائل اللازمة لمكافحة الإرهاب والكشف عن المؤامرات الإرهابية.

وينبثق برنامج المراقبة كذلك عن قانون مكافحة الإرهاب، وقد وقع سنّه للعمل على التصدي إلى أي خطر محدق بالبلاد من خلال محاولة سد الثغرات التي تهدّد الأمن الأميركي ومحاولة تلافيها قبل حدوثها في المستقبل.

بين الرفض والترحيب

يسعى قانون الإصلاح أو الحريات، مؤقت الصلاحية لمدة لا تتجاوز الـ6 أشهر، إلى تقويض عمل وصلاحيات وكالة الأمن القومي من خلال سحب صلاحية مراقبة الاتصالات الهاتفية وجمع بيانات المتصلين ومواعيد اتصالاتهم ومكان حدوثها. كما يحظر على أجهزة الأمن بجميع أشكالها الإطلاع على البيانات دون الحصول على حكم قضائي بذلك.

من جهتها أعلنت الوكالة رفضها الخضوع لهذا المطلب، بل وأعلنت في المقابل عن نيّتها الاستمرار في نهجها المُّتّبع في برنامج المراقبة من أجل وضع الجميع في الداخل تحت سمعها وبصرها. كما أبدت رغبتها في منع شركات الإنترنت من تسويق هواتف مشفرة لا يمكن اختراقها، معتبرة أن مثل تلك الهواتف من الممكن أن استخدامها لأهداف إجرامية وإرهابية.

وعلى الرّغم من ضرورة تعديل القانون أو إلغائه، وفق وجهة نظر عدد من المحللين، لاختراقة حياة الناس الشخصية الخاصة، إلا أنّه من خلال التدقيق في النص الجديد المعتمد سنجدُ أنّ القانون الجديد لا يحدّ كثيرا أو يقوّض من قدرة وكالة الأمن القومي وصلاحيتها في الاستمرار في اتّباع آليات التجسس والمراقبة، خاصّة أنّه لا يذكر لا من قريب ولا من بعيد برنامج التجسس الشامل المعروف باسم “بريزم” الذي أفاض سنودن في كشف أبعاده وأخطاره.

بل إنّ القانون الجديد يضع حدّا لجمع البيانات دون تمييز ويحيل تخزينها للشركات والمؤسسات التي توفر الخدمات الهاتفية والإنترنت. لكنّ كلّ ذلك لا ينفي أنّ وكالة الأمن القومي الأميركية قد خسرت جزءا، ولو بسيطا، من صلاحيتها وأدواتها في عمليات المراقبة ولاسيما في ما يتعلّق بجمع البيانات.

القانون الجديد يضع حدّا لجمع البيانات دون تمييز ويحيل تخزينها للشركات والمؤسسات التي توفر الخدمات الهاتفية والإنترنت

من جهتهم، يعتبر العرب الأميركيون والمسلمون أساسا، من أكثر الأقليات المستهدفة من قبل تلك القوانين والإجراءات المشدّدة أمنيا، حيثُ تمّت في السابق اعتقالات كثيرة في حقّ أشخاص ليست لهم أيّ صلة بالإرهاب، لكن فقط للاشتباه بهم إبّان هجمات الحادي عشر من سبتمبر، بعد أن تمّت مراقبتهم وتسجيل بياناتهم.

ويؤكّد علونه أن تعديل القانون يصب في مصلحة العرب والمسلمين الأميركيين الذين أصبحوا بموجب قانون مكافحة الإرهاب الذي تمّ سنّهُ في عهد الرئيس بوش الابن، جميعهم تحت المجهر والمراقبة، حيث أنّهم من أكثر الأقليات المستفيدة في حال تم إصلاح القانون. خاصّة أنّهم أكثر من تضرّر من قانون مكافحة الإرهاب والتنصّت على هواتفهم والتّجسّس على قضاياهم حتى أصبح لدى الكثير منهم حالة “برنويا” أي تخوّف وتشكك في كل شيء ومن كل شيء وخاصة في ظل التمييز العنصري الذي طالهم وازداد بعد تطور الأحداث في العالم العربي وظهور تنظيم داعش على الخريطة السياسية، فأصبح لديهم شعور قوي بأنهم مستهدفين في أي لحظة.

واعتبر عبدالوهاب علونه “أنّ بقاء مثل ذلك القانون يتعارض مع الدستور الأميركي الذي يُبنى علي الديمقراطية والحرية للفرد واحترامها وحماية الخصوصية الفردية”، وأضاف قائلا “لذلك كان من الواجب مراجعة كل القوانين التي تتعلق بمسائل حقوق الإنسان وتتعارض مع النص الروحي للدستور الأميركي، وهو ما يفع للمطالبة بالتعديل في القانون والمطالبة بقانون الإصلاح”، وفق تعبيره.

وقد رحّبت شركات الهواتف بهذا القانون الجديد، كشركة المعلوماتية والإنترنت الأمريكية، كما أعربت المؤسسات والمنظمات الحقوقية عن ارتياحها لهذه الخطوة وأبدت تأييدها ودعمها للقانون شأن بعض المنظمات غير الحكومية التي تدافع عن حقوق الإنسان والحياة الخاصة وتناهض المراقبة الإلكترونية وتعتبرها انتهاكا لخصوصية الإنسان.

كما أصدرت شركة “ياهو” العملاقة بيانا أبدت فيه دعمها ومساندتها للقرار معتبرة إيّاه “انتصارا لمستخدمي الإنترنت في كل مكان”، وقالت إنّه “يُساعد على حماية مستخدمينا من خلال إصلاح مهمّ للغاية لبرامج المراقبة وممارسات الحكومة الأميركية”.

أما جميل جافير، مساعد مدير الشؤون القانونية في المنظمة الأميركية للدفاع عن الحقوق المدنية، “إيه سي آل يو”، فقد اعتبر أن الإصلاح يمثل خطوة كبيرة واصفا إيّاه بأنه أهم قانون في مجال المراقبة منذ 1978. في حين ندد زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، بهذا الإصلاح، معتبرا إيّاه خطوة إلى الوراء.

6