جدل: الأصولية والفهم الخاطئ للدين

الأربعاء 2013/10/30
التنظيمات الأصولية.. فهم ضيق للدين

● هاشم صالح

معضلة الأصولية الإسلامية

الأصولية في أحد معانيها تعني التمسك الحرفي بالنصوص الدينية والفهم الخاطئ لها، والانغلاق في إسار الماضي الغابر، واحتقار الحاضر والمستقبل معاً. ذلك لأن نظرة الأصولي مستديرة دائما إلى الوراء لا إلى الأمام. إنها مثبتة على لحظة معينة من لحظات الماضي، لحظة تتعالى على كل اللحظات.

وظاهرة الأصولية ليست حكرا على الدين الإسلامي وحده، بل إن جميع الأديان الكبرى بلا استثناء أفرزت «أصوليتها» في لحظة من لحظات تاريخها، أي التزمت الديني أو التطرف والغلو في المعتقد. وهو تطرف قد يدفع بصاحبه إلى حد قتل الآخر لأنه لا ينتمي إلى دينه أو يدين بمذهبه. ولذلك فإنه توجد أصولية إسلامية كما أصولية يهودية وأخرى مسيحية، بل وتوجد حتى أصولية سنية أو شيعية، كاثوليكية أو بروتستانتية، وحتى أصولية هندوسية.

● غازي الصوراني

الصراع مع قوى التخلف والرجعية والإسلام السياسي

منذ القرن الرابع عشر «دخل الفكر الإسلامي- كما يقول نصر حامد أبو زيد- في مرحلة الركود بحكم الظروف الداخلية والخارجية التي أدت إلى الجمود الاجتماعي والسياسي» وتقلصت المساحة النقدية منذ ذلك القرن، عندما راح الإعلان الرسمي للمذاهب يفرض بالتدريج ممارسة أرثوذكسية للفكر الديني بعيداً عن العلوم الدنيوية، واستمر هذا الحال حتى نهاية القرن التاسع عشر، وظهور ما عرف بحركة الإصلاح الديني الحديث، التي أطلقها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ولم تفلح- كما يقول الجابري- في «بلورة مشروع نهضوي تتجاوز به الإشكالية التي تطرحها في التجربة الحضارية العربية منذ اندلاع النزاع بين علي ومعاوية أو العلاقة بين الدين والسياسة» كما لم تفلح الاتجاهات العلمانية والعقلانية التي ظهرت في تلك المرحلة، في بلورة مشروعها النهضوي عبر اتجاهاتها الفكرية المتعددة، المادية والتنويرية التي عبر عنها أبرز مثقفي هذا التيار شبلي شميل، وفرح أنطون وعلي عبد الرازق وطه حسين ولطفي السيد.

● عبده مباشر

استدعاء عصر السلف الصالح

في نفس الوقت الذي كانت فيه الامبراطورية الإسلامية تتوسع شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وفي ظل ازدهار الاجتهاد وبروز أعداد كبيرة من العلماء في مجالات مختلفة كان الصراع يحتدم بين القوى المتصارعة سياسيا أو مذهبيا. ومن الظلم أن ينسب هذا إلى الإسلام كدين، حتى ولو كان الصراع بسبب تعدد الفرق الإسلامية واختلاف الاجتهادات، فالإسلام يظل دينا ساميا يقود البشر جميعا إلى الهداية والصواب، أما الصراع أيا كانت أسبابه فيظل نشاطا بشريا. وإذا ما أعادت القوى السياسية الإسلامية قراءة التاريخ الإسلامي، فربما تخفف من حدة الإصرار على استدعاء عصور السلف الصالح، والمطالبة بإفساح الطريق أمامهم لبناء المجتمع وصياغة سياساته وفقا لنهج هذا السلف، والذي لا شك فيه أن هؤلاء الناس كانوا قمة في التقوى والورع أما فيما يتعلق بالدنيا فقد كانوا بشرا من البشر، وهذا ما يستحق أن نتوقف أمامه بالفهم لا بالتعصب والتوقف أمام صورة مبهرة رسمها الخيال ونقص المعلومات أو عدم الرغبة في التعرف على الصورة ككل.


● نصر حامد أبو زيد

حول الاستخدام النفعي للإسلام

من أهم التحديات التي تواجهها مجتمعاتنا العربية، ذلك الاستخدام الإيديولوجي النفعي للإسلام لتحقيق مصالح وغايات ذات طبيعة فئوية محلية عاجلة. وسواء تم هذا الاستخدام من جانب جماعات سياسية بعينها، أو من جانب أنظمة وسلطات سياسية فاقدة للمشروعية الاجتماعية والسياسية والقانونية، فالنتيجة واحدة؛ هي تحويل الإسلام إلى أداة واختزاله في وظائف وغايات ذات طبيعة دنيوية متدنية. ولننظر مثلا في مقولة أن «الإسلام دين شمولي من أهم أهدافه ووظائفه تنظيم شؤون الحياة الإنسانية الاجتماعية والفردية في كل صغيرة وكبيرة، بدءا من النظام السياسي نزولا إلى كيفية ممارسة الفرد لنظافته الذاتية في الحمام». هذه المقولة تفترض أن دخول الفرد في الإسلام بالميلاد والوراثة أو بالاختيار الواعي يعني تخلي الإنسان طواعية أو قسرا عن طبيعته الإنسانية الفردية التي تسمح له باتخاذ القرار بشأن كثير من التفاصيل الحياتية التي من شأنها أن تتضمن اختيارات عديدة، وهذا يتناقض كليا مع حديث نبي هذا الدين- الذي لم يجد غضاضة حين لم ينجح اقتراحه في تأبير النخل أن يعلن موقفه الصريح قائلا أنتم أدرى بشؤون دنياكم. وهو حديث يتوافق مع مفاهيم وشعارات التطور والتقدم بما فيها شعار «فصل الدين عن الدولة وليس عن المجتمع.


● جورج طرابيشي

من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث.. النشأة المستأنفة

في حين ركز إسلام الصدر الأول كل مجهوده «الإبستمولوجي» على تثبيت الخطاب القرآني في نص مؤسس أول، فإن الإسلام القرون التالية قد صرف كل جهده بالمقابل إلى تثبيت السنة، أي الحديث المنسوب إلى الرسول، في نص مؤسس ثان من خلال المقولة الشهيرة التي ما فتئ يرددها بصوت واحد الإمام الأوزاعي في القرن الثاني والإمام الشاطبي في القرن الثامن من أن السنة جاءت قاضية على الكتاب ولم يجئ الكتاب قاضيا على السنة.

والخطورة في هذه النقلة في المرجعية في الإسلام من القرآن إلى الحديث تتمثل أولاً في ما تمخضت عنه من انقلاب خطير من المنظور التشريعي: ففي القرآن لم يكن هناك من مشرع سوى الله وحده ولم يكن من نصاب للرسول سوى أنه مشرع له. ولكن مع الحديث لم يحول الرسول إلى مشرع فحسب، بل إن أولئك الذين أباحوا لأنفسهم أن يضعوا الحديث على لسانه قد نصبوا أنفسهم في الواقع مشرعين له كما لله. ثم إن عدد الأحكام الملزمة للمكلّف في القرآن محدود للغاية، أما المدوّنة الحديثية التي حكمها قانون التضخم المتسارع، فتتضمن آلافا من الأحكام.

13