جدل الأمن وحقوق الإنسان في سبل مواجهة الإرهاب في تونس

الثلاثاء 2015/03/24
مكافحة الإرهاب والمراوحة بين الأمن وحماية الحريات

تونس- بين المطالبة بتسريع المصادقة على مشروع قانون مكافحة الإرهاب في تونس، وبين المخاوف من أن يستخدم كذريعة لانتهاك الحقوق والحريات، تعيش تونس هذه الأيام على وقع جدل قديم متجدد، طرحته العملية الإرهابية التي استهدفت متحف باردو المجاور لمبنى البرلمان التونسي، والتي قتل وأصيب فيها العشرات من السياح الأجانب.

قانون الإرهاب الذي تمت مناقشته الصيف الماضي كان يُفترض أن يحل محل القانون القديم الذي وضعه بن علي سنة 2003، والذي فتح الباب لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وقمع المعارضة بحجة محاربة الإرهاب، ولكن بسبب كثرة غياب النواب وانشغالهم بالدعاية السياسية وقتها، فإن هذا الموضوع لم يحظ بالاهتمام.

ويعتقد معظم الحقوقيين، وبعض من السياسيين، وعدد من منظمات المجتمع المدني، أن المشكلة ليست في قانون الإرهاب بقدر ما هي في إمكانية توظيفه لتضييق الخناق على الحريات بدعوى أن الضرورات تبيح المحظورات، تماما كما فعل بن علي.لكن شقّا آخر يرى أنه لا مجال للحديث عن الحريات وحقوق الإنسان، حين يتعلق الأمر بمواجهة الإرهاب.

التهامي العبدولي: وزير مكلف بالشؤون العربية والأفريقية، وهو كاتب وسياسي وأكاديمي متخصص في الحضارة والإنتروبولوجيا الثقافية

حين نتحدث عن الإرهاب يجب أن يتوقف منطق حقوق الإنسان

قال التوهامي العبدولي الوزير المكلف بالشؤون العربية والأفريقية بوزارة الخارجية التونسية، في تصريحات لوسائل إعلام محلية وأجنبية معلقا على عملية متحف باردو الإرهابية “إنه لا مجال للحديث عن حقوق الإنسان حين يتعلق الأمر بمواجهة الإرهاب”.

وأضاف أن هناك منطق الدولة وهناك منطق حقوق الإنسان، و”حين نتحدث عن الإرهاب يجب أن يتوقف منطق حقوق الإنسان”، مضيفا أن هناك من يدعون للحفاظ على حقوق الإنسان ويتلطفون بالإرهاب.

وقال “يجب ألا يتحدث أحد عن حقوق الإنسان، في وقت الإرهاب الذي يضرب الدولة”.

وأشار إلى أن الأمر معقد ويتطلب نوعا من التعامل.

والمعالجة بحسب العبدولي تتطلب تحييد حقوق الإنسان لفترة محددة، مضيفا أن الإرهاب في تونس فرض هذا المنطق لأنه أصبح تشكيلات مترابطة وجدت حقوقيين وسياسيين وأيديولوجيين يدافعون عنها بمنطق “الدفاع عن حقوق الإنسان”، وبذريعة المخاوف على الحريّات. ويؤكد العبدولي الذي سبق أن عيّن وزير دولة مكلف بالشؤون الأوروبية من سنة 2011 إلى 2013، أن الدولة مطالبة بالقيام بدورها وبتطبيق القانون، وهذا لا يعدّ انتهاكا لحقوق الإنسان وللحريّات، موضحا أن المخاطر الإرهابية تفرض على الدولة الحدّ من هذه الحريات بصفة جزئية وعلى أشخاص بعينهم محل اشتباه ويمثلون تهديدا لأمنها.

ولا يعدّ موقف العبدولي استثناء، حيث يرى عدد من السياسيين أيضا أن الظرف الذي تمر به تونس يستدعي -على الأقل في هذه الفترة– إجراءات أمنية مشدّدة، والحدّ من الحريات حين يتعلق الأمر بمواجهة الإرهاب.

ويقول هؤلاء، إن مواجهة الأنشطة الإرهابية وضبط الحدود لإرساء الأمن والاستقرار وتحقيق النمو في تونس، يستدعي إجماعا حول القضايا الأساسية.

وأكدوا أن الحريات مكفولة قانونيا، وأن المخاوف من أن تؤدي مكافحة الإرهاب إلى انتهاك الحريّات تتبدد طالما أن هناك ضمانات دستورية.

وتبدو معادلة التوفيق بين ضمان عدم انتهاك الحريات العامة والحفاظ على المكاسب الديمقراطية من جهة، ومواجهة الإرهاب من جهة أخرى، معادلة معقدة، يتداخل فيها الحقوقي بالقانوني.

الإرهاب في تونس تشكيلات مترابطة وجدت حقوقيين وسياسيين يدافعون عنها بمنطق حقوق الإنسان وبذريعة الخوف على الحريات

ويلتقي العبدولي في موقفه أيضا مع الأمنيين الذين يطالبون بإصلاحات وبتفعيل قانون مكافحة الإرهاب، مؤكدين أنه لن يكون هناك خلط بين مواجهة الإرهاب وحقوق الإنسان، معتبرين أن “فوبيا” المساس بالحريات، مبالغ فيها، غير أن تأكيداتهم لا تهدئ هواجس المتخوفين من أن تفسح مكافحة الإرهاب المجال أمام عودة الدولة الأمنية بحلّة جديدة.

ويؤكد المطالبون بإجراءات مشدّدة تتعلق بمراقبة الإنترنت والاتصالات في تونس أيضا، أن الدعوة لتحييد حقوق الإنسان حين يتعلق الأمر بالأمن القومي، لا تعني تهديدا أو مسّا بالمكاسب الديمقراطية التي حققها التونسيون في أعقاب ثورة يناير 2011 التي أطاحت بنظام بن علي. وأوضحوا أن المخاطر الإرهابية التي تهدد أمن تونس، تستدعي اليقظة ومراقبة مشدّدة لمواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، ومراقبة الاتصالات الهاتفية كعمل رصد استباقي، لمنع أي اعتداءات إرهابية محتملة، وأن الأمر يتعلق بأشخاص معينين تدور حولهم شبهات الإرهاب أو الميل والانتماء إلى التنظيمات المتطرفة.

وقالوا إن الدول الغربية الكبرى تطبق هذه الإجراءات، لحماية أمنها القومي وأمن مواطنيها، وهي حتمية فرضتها التهديدات الإرهابية، موضحين أن تونس لم تعد في منأى عن هذه المخاطر، وأن الوضع يستدعي فرض إجراءات قد يراها الحقوقيون انتهاكا للحريّات.

ويؤكد هؤلاء أيضا أن الإرهاب يستهدف ضرب الاستقرار السياسي بعد أن نجحت تونس في الانتقال الديمقراطي، وأن تأمين هذا الاستقرار يتطلب أكثر من قانون مكافحة الإرهاب، وشدّدوا على أن منطق الدولة يختلف عن منطق الإرهاب.

منصف المرزوقي: الرئيس التونسي السابق خلفا لفؤاد المبزع، وهو حقوقي وسياسي تونسي من مؤسسي حزب المؤتمر من أجل الجمهورية

لا يجب أن تكون مقاومة الإرهاب فرصة لضرب حقوق الإنسان والحريات

انتصارنا على الإرهاب يجب أن يكون أمنيا وعسكريا ويجب أن يكون سياسيا وثقافيا وأخلاقيا، بمعنى أن محاربة الإرهاب لا يجب بأي حال من الأحوال أن تكون فرصة لضرب حقوق الإنسان والإعتداء على الحريات الفردية والجماعية.

لم يخف الرئيس التونسي السابق محمد منصف المرزوقي مخاوفه من أن محاربة الإرهاب قد تتحول إلى ذريعة لضرب حقوق الإنسان، وانتهاك للحريات العامة الفردية والجماعية.

ودعا المرزوقي في تصريحات لعدد من وكالات الأنباء الأجنبية ولوسائل إعلام محلية، إلى ضرورة أن توازن الحكومة التونسية بين عمل أجهزتها الأمنية في مواجهة الإرهاب ومتطلبات الحفاظ على المكاسب الديمقراطية والحريات العامة وضمان عدم المساس بها بدعوى مكافحة الإرهاب.

لكن البعض من السياسيين استغربوا من تصريحات المرزوقي الذي كان في السلطة ولم يتحرك لوقف انتهاك حقوق الإنسان، خاصة حين واجهت قوات الأمن مسيرات سلمية في العاصمة وفي عدد من المحافظات، بعنف شديد.

وقال “انتصارنا على الإرهاب يجب أن يكون أمنيا وعسكريا ويجب أن يكون سياسيا وثقافيا وأخلاقيا، بمعنى أن محاربة الإرهاب لا يجب بأي حال من الأحوال أن تكون فرصة لضرب حقوق الإنسان والإعتداء على الحريات الفردية والجماعية”.

واعتبر أن تحقيق ذلك يعني انتصارا لتونس، وتثبيتا للمكاسب الديمقراطية التي تحققت بعد ثورة يناير.

ويختزل موقف المرزوقي، مخاوف الحقوقيين ومنظمات المجتمع المدني من فوبيا قانون مكافحـة الإرهاب 2003، الذي أقرّه نظـام بن علي، وفتح بـاب انتهـاك حقـوق الإنسان والتضييق على الحريّات العامة وقمع معارضيه بذريعة محاربة الإرهاب.

وتتقاسم منظمات المجتمع المدني، المخاوف ذاتها بناء على شواهد سابقة حيث تعرض بعض الصحفيين لاعتداءات بالتزامن مع عملية باردو الإرهابية، ولا تخفي نقابة الصحفيين التونسيين مخاوفها من أن يتم توظيف إجراءات مكافحة الإرهاب لتضييق الخناق على الحريّات. وفي سياق المخاوف ذاتها، حذّر سامي الطاهري الناطق باسم الاتحاد العام التونسي للشغل وهي أكبر منظمة نقابية في تونس، من محاولة جهات لم يسمها القفز على الأحداث الأخيرة في متحف باردو من أجل استغلال الحرب على الإرهاب لضرب الحقوق الاقتصادية والاجتمـاعية للتونسيين.

وأضاف أن “هناك من يريد استغلال الظرف الأمني الذي تمر به البلاد من أجل الالتفاف على الحقوق والحريات بدعوى محاربة الإرهاب”.

واعتبر أن محاربة الإرهاب يجب ألا تتعارض مع ضمان الحقوق والحريات الدستورية المتعلقة بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية.

وأعلنت الحكومة التونسية نيتها تنفيذ إجراءات جديدة لمكافحة الإرهاب، ودعا رئيس الحكومة الحبيب الصيد الشعب التونسي إلى تفهم تلك الإجراءات.

محاربة الإرهاب قد تتحول إلى ذريعة لضرب حقوق الإنسان وانتهاك للحريات، وانتصارنا على الإرهاب يجب أن يكون أمنيا وعسكريا وسياسيا وأخلاقيا

ويقول الرئيس التونسي السابق، إنه أطلق حين كان في السلطة الإستراتيجية الوطنية لمحاربة الإرهاب عبر العمل العسكري والأمني وعبر التفكير في الخيارات الثقافية واقتصادية، داعيا الحكومة التونسية إلى تفعيلها لأن دور كل الحكومات هو أن تبني على ما هو موجود سابقا. لكنه حذّر في الوقت ذاته من أن محاربة الإرهاب، يجب ألا تتعارض مع ضرورة احترام حقوق الإنسان وحماية الحريات العامة.

وغير بعيد عن هذا السياق دعت المحامية راضية النصراوي رئيسة المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، إلى ضرورة أن يقف الجميع يدا واحدة لمنع انتهاك حقوق الإنسان بدعوى مكافحة الإرهاب.

ويرى معظم الحقوقيين التونسيين أن مشروع قانون مكافحة الإرهاب الذي كان يفترض أن يصادق عليه البرلمان السابق، يبدو أمرا ملحا في ظل التهديدات الإرهابية، لكنه أيضا أبقى على تعريف فضفاض وغامض لكل ما يعتبر نشاطا إرهابيا، وهو ما قد يسمح للحكومة بقمع العديد من الحريات المكفولة دستوريا ودوليا.

وأشاروا إلى أنه يحتوي أيضا على تعريف غامض للتحريض على ارتكاب أعمال إرهابية، ما قد يتيح إمكانية مقاضاة الأشخاص بسبب استخدام مصطلح أو رمز بغض النظر عما إذا كان سينتج عنه أي عمل إرهابي فعلي أم لا.

وتخشى المنظمات الحقوقية من أن يمنح قانون مكافحة الإرهاب، القضاة سلطة تقديرية واسعة تسمح لهم بعقد جلسات مغلقة لا تحترم فيها حقوق المشتبه بضلوعهم في الإرهاب.

الرئيس التونسي أمام امتحان مكافحة الإرهاب والحفاظ على الديمقراطية

تونس - بعد أقل من ثلاثة أشهر على تسلمه الحكم، وجد الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، نفسه أمام امتحان مكافحة الإرهاب دون المساس بالمكاسب الديمقراطية، ومن ضمنها الحريّات، على إثر العملية الإرهابية التي استهدفت متحف باردو في العاصمة التونسية والتي قتل وأصيب فيها العشرات من السياح الأجانب.

ويقول متابعون للشأن التونسي، إن عملية متحف باردو الإرهابية، استدعت استنفارا أمنيا وسياسيا، كما استدعت أيضا مخاوف قديمة تتجدد مع كل حدث إرهابي، وهي الخشية من التضييق على الحريات بذريعة مكافحة الإرهاب.

بعد الهجوم الدامي الأربعاء الماضي على متحف باردو الشهير، واجه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الامتحان الأول الأساسي في ولايته، فقدم نفسه على أنه “أب الأمّة” الحريص على مواجهة الإرهاب دون أن يفرط بالمكاسب الديمقراطية الحديثة.

الباجي قائد السبسي: هذه الأقليات الوحشية لا تخيفنا وسنقاومها إلى آخر رمق
وقال متوعدا في أول تعليق له إثر الهجوم الإرهابي على متحف باردو “إننا في حرب مع الإرهاب، إن هذه الأقليات الوحشية لا تخيفنا وسنقاومها إلى آخر رمق بلا شفقة وبلا رحمة … هؤلاء الخونة سيقع القضاء عليهم”.

ويشير قائد السبسي في كلامه إلى مجموعات إسلامية متطرفة برزت في تونس بشكل لافت إثر الإطاحة مطلع 2011، بنظام الرئيس زين العابدين بن علي.

ومنذ 2011، قتلت هذه المجموعات في هجمات وكمائن عشرات من عناصر الجيش والشرطة. كما اغتالت في 2013، إثنين من أبرز قادة المعارضة العلمانية ما فجر أزمة سياسية حادة في تونس انتهت باستقالة الائتلاف الثلاثي الحاكم الذي تقوده حركة النهضة الإسلامية التي حكمت البلاد من نهاية 2011 حتى مطلع 2014.

ويجد الرئيس الباجي قائد السبسي نفسه، أمام معضلة الإرهاب، وهي نفس المعضلة التي واجهتها حكومة النهضة، غير أن الحركة الإسلامية اتهمت بالتراخي أو بتسهيل الإرهاب في تونس.

والخميس الماضي، أعلنت وزارة الداخلية عن أولى الاعتقالات في صفوف مشتبه بهم في هجوم باردو. وحاول الرئيس التونسي طمأنة السياح الأجانب حين قال في تصريح لتلفزيون فرنسي إن “بإمكانهم المجيء إلى تونس في كنف الأمن”.

ويرى المحلل التونسي سليم الخراط أن تأثير خطابات السبسي التي تلت الهجوم الإرهابي على متحف باردو بالعاصمة التونسية “متفاوت” لأنها “كانت في أحيان جامعة ومطمئنة، وفي أحيان أخرى غير موفقة، وحتى شعبوية”. وخلال حملة الانتخابات الرئاسية واجه قائد السبسي الذي عمل مع نظامي بورقيبة وبن علي، انتقادات واتهامات بأنه منتوج النظام الاستبدادي وأنه قد يعيد إنتاج هذا النظام.

وحذرت منظمات أهلية بأنها ستتصدى لأي محاولة من السلطات الجديدة لإعادة الممارسات التي كانت سائدة قبل الثورة، خصوصا التضييق على الحريات العامة وفي مقدمتها حرية التعبير.

لكن قائد السبسي تعهد مجددا بأنه “لا رجوع إلى الوراء”، مشيرا إلى الدور الرقابي والصلاحيات الواسعة التي منحها الدستور للبرلمان. غير أنه دعا إلى “التقليل من الانتقادات” قائلا “نحن مع حرية التعبير لكن في بعض الحالات لا يجب أن نشكك كثيرا في بعضنا البعض”.

ويرى الخراط أن الباجي قائد السبسي “بصدد إعطاء لون لطبيعة النظام الجديد” في تونس.

وقال “هذا يتماشى مع شخصيته، إذ ليس له تجربة تقاسم السلطات، لكني لا أعتقد بوجود خطر لتغوّل الرئاسة لأن الدستور منح الرئيس صلاحيات محدودة مقارنة برئيس الحكومة والبرلمان.

12