جدل الترتيبات الأمنية يتصاعد في السودان قبل انطلاق مفاوضات السلام

دمج جميع القوات السودانية التي تحمل السلاح داخل القوات المسلحة النظامية قد يزيد من احتمال إدخال الحركات المسلحة ضمن الترتيبات الموسعة لاتفاق السلام.
الاثنين 2019/10/07
الهاجس الأمني يقلق السودانيين

تعقد فصائل الجبهة الثورية السودانية ورشة عمل لدعم السلام الشامل في أديس أبابا، بدأت الجمعة ومقرر أن تستمر 6 أيام، بمشاركة جميع الحركات المنضوية داخلها، لبحث ترتيبات التفاوض مع السلطة الانتقالية في الخرطوم لتحقيق السلام في دارفور ومنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، والخروج برؤية موحدة حول مساراته المختلفة، وعلى رأسها الترتيبات الأمنية.

القاهرة- تسعى قيادات الجبهة الثورية السودانية إلى تحقيق أكبر قدر من التوافق حول الرؤى التي اتفقت عليها في اجتماعات منتجع العين السخنة (شرق القاهرة)، قبل أيام من انطلاق مفاوضات السلام المباشرة مع الحكومة السودانية في الرابع عشر من أكتوبر الجاري، ما دفع قادة الحركات المسلحة الذين يتواجد أغلبهم في أديس أبابا وجوبا إلى توسيع دوائر النقاشات بين الأطراف الإقليمية التي ستكون راعية لهذه المفاوضات.

وأوضح أسامة السعيد المتحدث باسم الجبهة الثورية، لـ”العرب”، أن “القضايا الأمنية تسبب هاجسا بالنسبة لقيادات الجبهة الثورية باعتبارها الطريق الأصعب بين المسارات السياسية والاقتصادية المفترض طرحها أمام مفاوضات السلام، وبالتالي فإن الحديث عن الترتيبات الأمنية ودمج عناصر الحركات المسلحة في الجيش السوداني، سيأخذان حيزا واسعا من الحوار، بما لا يسمح بتعطيل التوصل إلى السلام الذي ينعكس على سير المرحلة الانتقالية”.

رؤية الحل الأمني

تأتي النقاشات بالتوازي مع وجود تحركات إقليمية لبحث عقد مؤتمر لدول جوار السودان من الممكن أن يساعد في تقريب وجهات النظر بين السلطة الانتقالية في الخرطوم وقادة الحركات المسلحة.

غير أن العديد من المراقبين يرون أن التوصل إلى حلول سياسية واقتصادية لأزمات المركز والهامش في البلاد يمكن تحقيقه من خلال دوائر النقاش المغلقة، لكن الأمر يبدو مختلفا بالنسبة للحلول الأمنية التي لا تصلح للتطبيق على الأرض، ما يدعم البحث المسبق عن آليات التنفيذ.

أسامة السعيد: دمج الحركات المسلحة في الجيش سيأخذ حيزا واسعا من الحوار
أسامة السعيد: دمج الحركات المسلحة في الجيش سيأخذ حيزا واسعا من الحوار

وشهدت اجتماعات العين السخنة، التي استمرت لمدة أسبوع بين قادة الحركات المسلحة وأعقبتها اجتماعات أخرى مع قوى تحالف نداء السودان، حوارات بشأن التوافق حول آلية واضحة تطرحها الجبهة الثورية لتكون رؤيتها حول الحل الأمني.

كانت وجهة النظر السائدة ترتبط بإعادة دمج قوات الحركات داخل جيش نظامي واحد وأن يضم داخل أعضائه جميع المكونات السودانية، وتوزع المناصب بين الجميع دون تفرقة.

ورأى آخرون ضرورة أن يكون الاندماج مبنيا على أسس تبدأ منذ تغيير إجراءات القبول بالكليات العسكرية، ومرورا بتطبيق سياسة التمييز الإيجابي لقوات هذه الحركات بما يساهم في تسريع دمجها، على أن يكون ذلك في ظل وجود باقي المجموعات المسلحة مثل الدعم السريع والدفاع الشعبي وحتى بعض جيوش القبائل التي تمتلك السلاح.

وحضرت اجتماعات العين السخنة، الحركة الشعبية لتحرير السودان- قطاع الشمال برئاسة مالك عقار، وحركة جيش تحرير السودان برئاسة مني أركو مناوي، وحركة جيش تحرير السودان- المجلس الانتقالي برئاسة الهادي إدريس، وحركة العدل والمساواة برئاسة جبريل إبراهيم، وتجمع قوى تحرير السودان برئاسة الطاهر حجر، والحركة الشعبية- قطاع الشمال، برئاسة عبدالعزيز الحلو.

وقال الهادي أدريس يحيى رئيس الجبهة الثورية في حوار أجرته معه “العرب” في وقت سابق، “إن البند الخاص بإعادة الترتيبات الأمنية أخذ حيزا واسعا من النقاشات، ويرجع ذلك إلى نظرة أبناء الهامش للمؤسسات العسكرية باعتبارها حامية للمركز فقط، وأن رؤية الجبهة تضمنت إدخال تعديلات على شروط قبولهم بالكليات العسكرية، بجانب السماح لهم بالوصول إلى مناصب عسكرية عليا دون تفرقة، على أن يوازي ذلك توقف عمليات قمع أبناء الهامش التي يتعرضون لها من حين إلى آخر”. على الجانب الآخر، هناك رؤية مخالفة لما قدمته الجبهة الثورية، وتأخذ أيضا نقاشا سياسيا واسعا بين العديد من الدوائر السودانية، ترى أهمية تسريح غالبية هذه الجيوش غير المدربة والمستعدة للمشاركة في المؤسسات النظامية، مع ضم من هم أصحاب كفاءة داخل الجيش السوداني، لأن التوصل إلى سلام يغني الحاجة إلى وجود السلاح بيدهم من الأساس، كما أن دمجهم يؤدي بشكل تدريجي إلى التخلي عن السلاح.

إعادة تشكيل الجيش

يرى عسكريون سودانيون أن إعادة تشكيل الجيش السوداني تحت أي دعاوى (جيش موحّد، جيش قومي)، لا تتسق مع المنطق السليم، كذلك فإن الحديث عن دمج قوات الحركات فيه بنسب تتساوى وعدد الجيش الحالي في كل مستوياته ورتبه، من المفترض أن يجري وفقا لنظم وترتيبات أمنية وعسكرية متعارف عليها، كي لا يمثل ذلك خطرا عليها.

وأكد محمد إسماعيل شقيلة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بحري في الخرطوم، أن مسألة إعادة الترتيبات الأمنية تعد الأكثر صعوبة وحساسية في مفاوضات السلام المقبلة، وتلك الصعوبات تكمن في كيفية استيعاب القوات العسكرية التابعة لهذه الحركات من قبل الأجهزة الأمنية السودانية، وفي مقدمتها القوات المسلحة.

محمد إسماعيل شقيلة: الترتيبات الأمنية تعد الأكثر صعوبة في مفاوضات السلام
محمد إسماعيل شقيلة: الترتيبات الأمنية تعد الأكثر صعوبة في مفاوضات السلام

وتساءل في تصريحات لـ”العرب”، “هل ستتم عملية دمج سريعة للحركات المسلحة داخل أجهزة الدولة الأمنية، كما هو معتاد في هذه الحالات، أم أنه ستتم إعادة هيكلة شاملة للأجهزة الأمنية وتكوينها من جديد متضمنة القوات العسكرية لهذه الحركات، باعتبار أن ذلك يشكل واحدا من أبرز مطالب الحركات المسلحة في التفاوض”.

ويتفق العديد من المراقبين مع رؤية الحركات المسلحة لأن الجزء الأكبر من هيكل الجيش السوداني يسيطر عليه تنظيم الإخوان بعد أن عمل البشير على مدار 30 عاما على تمكينهم بشكل أضحى ظاهرا للجميع، بجانب أن تركيبة الأجهزة الأمنية بذاتها يسيطر فيها الضباط والقيادات من قبائل سودانية معينة وتعد حكرا عليها، فيما ضباط الصف والجنود يتكونون من قبائل أخرى مغايرة، بالتالي فالوضع بحاجة إلى إعادة هيكلة على خلفية وطنية.

وأشار شقيلة إلى أن مطالب الجبهة الثورية التي طرحتها في اجتماعات العين السخنة من الصعب الموافقة عليها من قبل المؤسسة العسكرية، لأنها قد تؤدي إلى هزات عنيفة بالقوات النظامية، في وقت يتعرض فيه السودان لمشكلات عديدة متأثرة بحالة السيولة التي أفرزتها الثورة، كما أن تطبيق بنود السلام السياسية سيأخذ وقتا طويلا حتى تكون لها مردودات في مناطق الأطراف.

ويذهب البعض إلى التأكيد أن وجود رغبة في دمج جميع القوات التي تحمل السلاح داخل القوات المسلحة النظامية، بما فيها قوات الدعم السريع والدفاع الشعبي، قد يزيد من احتمال إدخال الحركات المسلحة ضمن الترتيبات الموسعة التي قد تكون لاحقة لاتفاق السلام.

وكشفت مصادر لـ”العرب” أن الحركات المسلحة التي لا تمتلك قوات عسكرية كبيرة يمكن دمجها بأي طريقة تتاح، والبعض منها لا تمانع في مسألة تسريح هذه الجيوش على أن يكون ذلك بالتوازي مع عملية إعادة هيكلة الأجهزة العسكرية الرسمية بالتدريج من خلال تنفيذ البنود غير العسكرية في اتفاق السلام.

وشملت النقاشات التي جرت خلال الأيام الماضية بشأن الترتيبات التأكيد على أهمية وجود ربط بين جوانب السلام غير الأمنية والمرتبطة بالدمج في مؤسسات الدولة السياسية بجانب تمكين أبناء الهامش من الثروات الاقتصادية في مقابل إحداث تقدم بالتوازي من حيث تقليص أعداد القوات العسكرية ودمجها خطوة تلو الأخرى داخل المؤسسة العسكرية الوطنية، ويدعم ذلك فصيل عبدالعزيز الحلو الذي يمتلك أكبر قوة مسلحة.

6