جدل التنسيق الأمني

الاثنين 2016/01/25

كان من المفترض، حسب قرار صادر عن المجلس المركزي الفلسطيني (آذار 2015)، الانتهاء من قصة التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وإعادة تعريف العلاقة بين الطرفين، نتيجة انسداد عملية التسوية، لكن تصريحات اللواء ماجد فرج مدير المخابرات العامة قال شيئا آخر.

هذه التصريحات أتت عكس القرارات الصادرة عن المجلس المركزي، وأنها استهترت بها، ما يؤكد عدم احترام القيادة الفلسطينية للهيئات الشرعية، وعدم خضوعها للمراقبة والمحاسبة. لم يكتف فرج بالتأكيد على الاستمرار في التنسيق الأمني مع إسرائيل وإنما أكد على ذلك عمليا باعترافه بإحباط حوالي 200 عملية واعتقال حوالي 100 فلسطيني، وفضلا عن مخالفة تلك التصريحات للقرارات المذكورة، فالأهم أنها بلا جدوى وهي مضرة بالشعب الفلسطيني وبحركته الوطنية أو ما تبقى منها.

لا شيء يمكن أن ينزع عن شعب يعاني من الاحتلال حقه المشروع والطبيعي في المقاومة، لأن الشعب الفلسطيني هنا هو الضحية، ومقاومته هي الأمر الوحيد الطبيعي والبديهي، والفلسطينيون عندما يقومون بفعل المقاومة، في ظروفهم الصعبة، إنما يعبرون عن تمسكهم بحقوقهم، وعن رفضهم للاحتلال والضيم، وعن إصرارهم على الصمود في وطنهم، مهما كان شكل هذه المقاومة، اتفقنا معها أو اختلفنا، أي بصرف النظر عن أي تنظيرات أو اعتبارات أخرى.

واضح أن مهمة القيادة الوطنية تغذية روح المقاومة والتحدي والأمل عند شعبها، فهذا هو دورها الطبيعي والتاريخي، وليس إحباط شعبها أو تكبيله أو دعوته للاستكانة، ولا السعي لكسب ثقة الاستعماريين العنصريين، أو تحمل مسؤولية حمايتهم.

ما ينبغي الانتباه إليه أن هذه التصريحات غير منطقية ولا مسؤولة، إذ يجدر بالمعنيين بها إدراك أنها تدين وبمفعول رجعي، كل عمليات المقاومة منذ انطلاقها، وفي المقابل فهي تبرر بشكل رجعي أيضا، كل ممارسات الأنظمة التي وقفت ضد الكفاح المسلح الفلسطيني، منذ بداياته، وكلها أمور تقتضي من القيادات الوطنية المسؤولة، أن تحاسب المعني عليها وأقله مطالبته بالاعتذار والاستقالة.

عموما ثمة من يبرر هذه التصريحات بأن العمليات المتفرقة والفردية لا تجدي وأنها تخدم إسرائيل في سعيها إلى التضييق على الفلسطينيين، لكن لماذا يقوم رجل في الخدمة الأمنية بالإدلاء بتصريحات هي من مهمة المستوى السياسي، أي القيادة الفلسطينية. أيضا، من المفروض في هذه الحالة أن تقوم القيادة الفلسطينية بالتوضيح لشعبها، حدود وماهية الظروف والإمكانيات والتداعيات. كما أن القيادة الفلسطينية هي التي تتحمل المسؤولية، في هذه الحالة، عن مثل هذه العمليات، كونها أخفقت في صوغ استراتيجية نضالية واضحة للفلسطينيين.

المشكلة تكمن في أن الفصائل الفلسطينية، ورغم تجربة نصف قرن، لم تنتج نظريتها أو استراتيجيها الخاصة بالمقاومة المسلحة، وأن مقاومتها ظلت تشتغل بالطريقة العفوية والموسمية والوظيفية، لا سيما أنها لا تعتمد على إمكانيات شعبها وإنما على الموارد الخارجية، كما أنها ظلت تحصر المقاومة في العمل المسلح لا بالمقاومة المجتمعية التي هي الأساس.

المشكلة أيضا، أن الفصائل تقوم بالتغطية على عجزها، وخبو روحها النضالية، بحماسها وتشجيعها لأعمال المقاومة الفردية والعفوية، التي هي في واقع الأمر، نتاج إحباط وغضب، أكثر منها نتاج عمل منظم ودائم، ما يجعل إمكان الاستثمار فيها ضعيفا وكلفتها كبيرة. كما أنها تستفيد في ذلك من روح المقاومة عند الفلسطينيين، ومن القداسة التي يسبغونها على التضحية والاستشهاد، في ظل واقع سياسي لم ينبن على التمثيل أو النقد والمساءلة والمحاسبة.

الحديث يدور هنا عن المقاومة بالسكاكين أو بالدهس وما شابه، ومع التقدير لروح الشجاعة والتضحية عند القائمين بهذه العمليات، إلا أن ذلك لا يمنع من توجيه نقد لها، بالنظر لضعف جدواها، وللثمن الكبير الذي يدفعه الفسطينيون في مقابلها. وفي هذا الموقف تبدو المقاومة الفردية بمثابة تعبير عفوي عن روح شعب من جهة، وتعبير عن عجز الفصائل وأفولها من جهة أخرى.

كاتب سياسي فلسطيني

9