جدل الحج: إيران ليست الفاتيكان

الاثنين 2016/05/30

الإيرانيون لن يحجوا هـذا العام. ليس قطع العلاقات السعودية ـ الإيرانية هو السبب في ذلك. فالجانب السعودي قد توصل إلى آلية مناسبة لمنح التأشيرات للإيرانيين الراغبين في أداء فريضة الحج، بل لأن الجانب الإيراني يصر على أن الحج هو تظاهرة سياسية وهو ما لم تقبل به السعودية، كونها البلد المسؤول عن سلامة الحجيج وضمـان أداء الشعائر الدينية بأمان.

إيران وهي البلد الوحيد في العالم الذي يُحكم من قبل نظام ديني، تفكر في السياسة أكثر من الدين. وهو أمر ينسجم مع تطلعاتها إلى تصدير ما تسميه بالثورة الإسلامية وهي كناية عن رغبتها في وضع أطماعها السياسية في قالب ديني. وهو ما تعتقد أنه يكسبها في الأوساط الشيعية العربية (العالمية أيضا) مكانة الفاتيكان في الأوساط المسيحية.

الفرق بين إيران والفاتيكان أن الأخيرة دولة رمزية، فيما الأولى هي دولة سعت (ولا تزال) إلى أن تكون قوة نووية. بابا الفاتيكان يتحدث في السياسة من موقعه كرجل دين، أما الولي الفقيه فإنه يتحدث في الدين من موقعه زعيما سياسيا.

ليست لدى الفاتيكان ثورة لتصدرها. أما إيران فهي متورطة في الفوضى التي يشهدهـا العالـم العربي. أمـا كـان في إمكـانها أن تستثني الحج، وهـو طقس عبادي، من تلك الفوضى التي لم تجلب إلا الفتنة؟

لن يفكر الإيرانيون في الدين بمعزل عن السياسة. وتلك مشكلة واجهها السعوديون بحزم. ولو لم يفعلوا ذلك لكان من اليسير على الإيرانيين أن يحولوا موسم الحج إلى سيرك سياسي. وهو ما يضرب جذور العقيدة الإسلامية التي لا أعتقد أن الإيرانيين يضمرون لها الكثير من التقدير في شكلها المتوارث. هل هناك عقيدة إسلامية أخرى يقترحها الإيرانيون؟

أعتقد أن الوقت بالنسبة إلى الإيرانيين لا يزال مبكرا للحديث عن ذلك.

غير أن كل شيء في السلوك الإيراني يشي بعدم الإيمان بأصول العقيدة كما هي وأيضا بطرق التعبير عن الالتزام بتلك الأصول. فإيران السياسة هي التي توجه إيران الدين لتضعها دائما في موقع الاختلاف الملغوم بالفتنة، والذي يضرب في الصميم الإيمان الديني وما يفرضه من التزامات.

حج البيت الحرام هو ركن من أركان الإسلام، مثله في ذلك مثل الشهادتين والصلاة والصوم والزكاة. لا يحتاج الولي الفقيه، وهـو الحاكم الفعلـي في إيران، إلى أن يذكره أحد بذلك. فلم يطالب النظام الإيـراني بأن يُعفى مـواطنوه من تلك القاعدة؟

لم لا يرغب النظام الإيراني في أن يخلص الإيرانيون في عبادتهم ليحجوا مثلما يصلون ويصومون ويدفعون الزكاة لوجه الله تعالى وحده؟

لا يمكن لإيران وقد اعتبرت نفسها فاتيكانا للشيعة أن ترضى لمواطنيها أن يقوموا بدور أقل من أن يكونوا مثيري شغب، حاملي لواء الفتنة.

الموقف السعودي الرافض للسلوك الإيراني لا يعبر عن وجهة نظر سياسية. فالسعـودية تعرف كيف تفرق بين ما هو ديني وبين ما هو سياسي. وهي إذ تقوم بواجبها في رعاية شعيرة الحج فإنها تؤدي واجبا دينيا خالصا، لا غبار سياسيا عليه. وهي محقة في اعتبار صرامتها في ذلك النهج نوعا من الحفاظ على مهابة الدين بعيدا عن غوايات السياسة وأهواء السياسيين.

أما أن تكون إيران غير معنية بالفصل بين السياسة والدين فتلك مشكلتها التي يجب أن لا تكون مشكلة للمسلمين وهم يؤدون فريضة دينية. فالسعودية لم تضع شروطا للحج تقع خارج ما هو ممكن.

إيران هي التي تريد أن تفرض شروطا طارئة تنحرف بالحج عن مساره الطبيعي، حين تعتبر تلك الفريضة الدينية مناسبة للتظاهر السياسي. وهو تظاهر لا ينطوي على ذرة واحدة من الصدق، لما يخالطه من نفاق كثير.

لا أحد في إمكانه أن يستبعد الإيرانيين من الحج إذا ما كان قدومهم إلى الأراضي المقدسة خالصا لله.

كاتب عراقي

8