جدل: الدين والدولة

الأربعاء 2013/09/18
يتعين أجراء الفصل في الذهن أولا لنجاحه في الواقع

● ياسين الحاج صالح

في نقد العلمانية والديمقراطية أو مشكلتا الدين والدولة

مفهوم الفصل بين الدين والدولة لا يقف في وجه تديين الدولة المحتم بل كذلك في وجه تدويل الدين أو تسييسه. وغياب ثقافة الفصل، يسهل للدولة استتباع الدين، ويسهل لنخب دينية أن تجاهد للسيطرة على الدولة، وجعلها دولة دينية. عقلنة الدين هي فرزه عن غيره وتمييز نصابه الذاتي. هذه عملية فكرية يقوم بها مثقفون، وهي وجه أول لتكون ثقافة الفصل، أما الوجه الآخر فيعكس الانفصال الواقعي و»يروي قصته» ثباته ويجعله غير عكوس.

يلزم تأسيس الدين كمفهوم مستقل، أي تحديد مجاله ونوعية الخبرات والأفكار والعلاقات التي تخصه وتنضوي تحته، كشرط للانفصال بين الدين والدولة. وهو ما عنيناه بالقول إنه يتعين إجراء الفصل في الذهن أولا، من أجل إجرائه في الواقع تاليا.

والتتابع هذا منطقي وزمني في آن. وحتى لو افترضنا أن الفصل الواقعي بين المفهومين والمجالين تحقق بطريقة ما، فإن تحققه في الثقافة هو وحده ما يصونه ويجعله غير عكوس.


● راتب شعبو

لماذا الصحوة إسلامية؟

السمة الأبرز في الصحوة الإسلامية هي النزعة الجهادية العالية، فقد بات حضور الفريضة الغائبة (الجهاد)، كما تسميها بعض الفصائل الإسلامية (كالجهاد الإسلامي)، كثيفاً وطاغياً. إن الرصيد الذي لا ينضب من الانتحاريين (الاستشهاديين) وتحول العمليات الانتحارية من قبل أنصار هذه الجماعات إلى ممارسة يومية إلى حد أنها باتت في قسم كبير منها ممارسة مجانية وعبثية بل، في أحيان كثيرة، إجرامية تستهدف مدنيين أبرياء من أبناء البلد نفسه في الأسواق الشعبية أو دور العبادة.

يكشف أمرين: الأول هو سيطرة الجانب العقيدي وتحديداً ما يعتقد الانتحاري أنه شراء الآخرة بالدنيا، والثاني، وهو مشتق مباشرة من الأول، هو الطاقة التعبوية الهائلة التي تحوزها الجماعات الجهادية. ولعل هذه الطاقة، الجاهزة والقليلة الكلفة، تفسر جزئياً على الأقل سرعة نشوء وثبات هذه الجماعات ونجاحاتها في صراعات غير متكافئة ضد آخر مغاير دينيا.


فادي العبدالله

هل يمكن للأحكام الدينية الإسلامية أن تستحيل قاعدة قانونية؟


من الطبيعي أن تستمد المجتمعات أحكامها من إرثها وما ألفته زمناً طويلاً أو مما تعتنقه، لكن إدخال هذا الإرث المألوف، أو المستعاد أو حتى المتخيل، إلى إطار القانون يستوجب إخضاعه لمعالجة جذرية تجعله يقبل بشروط هذا الإطار الجديد ومنطقه. يتطلب هذا من القائلين بأن العودة إلى «الإسلام هو الحل» أن يتقدموا، ليس فقط بمشاريع قوانين واضحة ومحددة ومقنعة تشير إلى تفاصيل هذا الحل المقترح، لا إلى مصدره السماوي، وأن تسفر عن نشاطهم هذا مراجعة تقودهم إلى القبول بإمكانية التراجع عما يقترحون، حتى بعد إقراره، إذا ما ارتأى المجتمع ذلك، والانتباه أخيراً إلى أن الدولة هي مصدر التشريع، وهي ليست دولة منعزلة على كوكب آخر، بل هي ذات التزامات دولية ينبغي احترامها والتوفيق بينها وبين المشاريع المقترحة على قاعدة مبادئ المنطق العقلي الثابتة، لا الحكمة الإلهية التي لا تُطال ولا تنال، ولا نملك شيئاً حيال مكرها.


● سلامة كيلة

الأصولية ومسألة التقدم


لقد تأسلمت قطاعات من القوميين والماركسيين. وعملت بعض الفئات القومية على أسلمة الفكر القومي، فعادت به من علمانيته الصريحة أو الملتبسة، إلى أحضان الأيديولوجيا التقليدية. كما عملت بعض الفئات الماركسية، وبحجة «فهم وعي الشعب»، على أن تخلط الماركسية بهذه الأيديولوجيا.

وعملا معاً على كسب ود التيار الأصولي، أو بعض قطاعاته، بدلاً عن أن يدافعا عن الفكر الحديث (الذي هو هما بالذات)، ويعملا على تعميقه وتطويره.

وهذه الخطوة «الارتدادية» جعلت التيار الأصولي يتقدم في الهجوم، الهجوم الهادف إلى «تكميم الأفواه»، ليفتح معركة الفكر والأدب والتكنولوجيا الحديثة، فتبدأ مرحلة المصادرات والحكم بالردة، وبالتالي فرض القيم بالقوة، وأقصد فرض الأيديولوجيا التقليدية ذاتها.

جرأة التيار الأصولي، ارتبطت بتراجع الفكر القومي واليساري عموماً، وتهافت بعض دعاته، وبالتالي شعور التيار الأصولي بأن عليه أن يضع «حجر الشاهد» على قبر الفكر الحديث.

هذه المعركة آخذة في التوسع لتطال كل ما هو حديث.


● عمر كوش

علاقة الخوف بالسياسي بالديني

تسعى أنظمة الحكم ومعها بعض الأحزاب السياسية إلى الاستفادة، قدر الإمكان، من رجل الدين، بما يحقق مصالحها ويزيد من نفوذها في المجتمع. بل وتسعى إلى إيجاد شخصيات دينية موالية لها لتكون المشرِّع لها عند الحاجة ومَن يضفي على أعمالها الشرعية الدينية أمام المجتمع.

وتجد الأنظمة من بين رجال الدين مَن ينصب نفسه ممثلا عن الدين الإسلامي وناطقا باسم الإرادة الإلهية، لذلك فإن الخدمة الأهم التي تقدمها المؤسسة الدينية للأنظمة السياسية هي إضفاء الشرعية الدينية على أعمال الأخيرة.

وهناك أمثلة عديدة على ذلك: ففي الستينيات من القرن العشرين المنصرم، أفتى محمد شلتوت، الإمام الأكبر للجامع الأزهر، بحرمة الصلح مع إسرائيل، ثم تغَيَّرت الفتوى بقدرة قادر في السبعينيات من القرن ذاته، لتحلِّل الصلح مع إسرائيل، على لسان محمد متولي الشعراوي، وزير الأوقاف، وعبد الحليم محمود، شيخ الأزهر، وذلك بعد اتفاقيات كامب ديفيد.

وهذا يعكس نوعاً من التناغم بين السياسي والديني في بلداننا العربية، بما يخدم مصالح الطرفين.

13