جدل: السلطة والإصلاح في فكر الماوردي

الأربعاء 2014/01/15
الإمام أبو الحسن الماوردي عرف بتشديده على مبدإ العدل مع الرعية

نبيل فازيو


السلطة والإصلاح في فكر الماوردي


التفكير في السلطة عند الماوردي تفكير في أنموذج للعلاقة المشروعة بين الحاكم والمحكوم، وقد استخلص ملامحها في خضم معاينةٍ مريرةٍ لمشاهد تَحَلُلِ الخلافة وتفتتها إلى دولٍ قامت على أساس الغلبة والقهر والعصبية. لذلك كان رهانه على إصلاح الدولة يقتضي البدء بإصلاح علاقة الملك بالرعية من خلال إخضاعها إلى منطق الحق والواجب، أي بتحويلها من مجال “حراسة الدين” إلى “سياسة الدنيا” دون التخلي عن مقدماتها الشرعية التي تمكنها من احتكار الهالة الرمزية التي تحتاجها مؤسسة الخلافة. يمكن للمرء أن يعترض على هذا التأويل بالقول إن تشديد الماوردي على العدل مع الرعية جاء تعبيراً عن لحظة فقد فيها الخليفة نفوذه الفعلي، لذلك لم يتبقَّ له غير الانفتاح على الرعية لأنها آخر ما يمكن اللجوء إليه. بيد أن مثل هذا الاعتراض لا يأخذ في الحسبان أن الفقيه لا يخصُ الخليفةَ بحديثه عن تأسيس الملك أو إصلاحه، بل لا يكاد يذكره في مقام توجيه نصائحه إلى الملك والوزير.


عبد الجليل أميم



الدين والمجتمع أية علاقة؟


نستهل هذا المحور برأي لإريش فروم يقول فيه: “المعتنقون لقناعة معينة يرغبون في النظر إليها في بعدها الديني مجالا مختلفا عما هو دنيوي، أو يعتقدون أنهم لا يعتنقون أي دين، وانقيادهم لأهداف مثل السلطة والمال والنجاح، لا يمكن تفسيره إلا بكونه من الضروريات العملية في الحياة..”. “الأصل في الدين هو تشجيع سلوك الإنسان أو لنقل الدفع بالإنسان للإتيان بسلوكات معينة، وليس مجرد أوامر ونواهي وقناعات. وهو متجذر في طبيعة الفرد، وإن كان معتنقا من طرف جماعة ما فهو أيضا متجذر فيها. لذلك فالأصل أن ننظر إلى موقفنا الديني على أنه عنصر من عناصر بنيتنا النفسية، فنحن ما نعبد وكذلك نحن ما نتبناه خلفية لما نعبد. إننا لسنا إلا ما نعتقد، وهذا ما يحفز سلوكنا، وغالبا لا يكون الفرد واعيا لمعبوده الحقيقي، ويختلط عليه الأمر بين معبوده الرسمي ومعبوده الحقيقي الذي قد يكون خفيا، فلو أن إنسانا ما يبجل السلطة ولكنه يدعي انتماءه إلى ديانة تبجل الحب، فإن معبوده الحقيقي والخفي هو السلطة، أما دينه الرسمي، أي المسيحية، فليست بالنسبة إليه إلا أيديولوجيا. الحاجة الدينية متجذرة في الشرط الوجودي الإنساني، لهذا فهو نوع خاص بين الموجودات”.


شريف محي الدين


الإسلاميون وآليات التغيير في الدولة


تم تأطير الخطاب الإسلامي في المرحلة الانتقالية التي لم تنته في مصر إلى حد الآن، على أن الصراع السياسي الدائر، ما هو إلا صراع على الهوية وليس صراعا مع النظام القديم لإسقاطه وبناء نظام آخر جديد. من المنصف القول إن ذلك التأطير قد بدأ يتبلور من خلال خطابات عديدة من المنتمين إلى التيارات الإسلامية، بدءا من محمد حسين يعقوب ومقطعه الشهير “وقالت الصناديق للدين نعم” إشارة إلى استفتاء مارس 2011 على التعديلات الدستورية، ومرورا بأحداث الحرق والهجوم على الكنائس في أطفيح وإمبابة، حيث تورط أحد المشائخ في خطاب تحريضي لأعلى درجة في أحداث كنيسة إمبابة، وما تلفظ به الداعية وجدي غنيم من ألفاظ مسيئة، إذ انهمر من لسانه السباب على أقباط المهجر والمتعاونين معهم في الداخل المصري.


محمد العربي


الإسلاميون والهوية والدولة


مع إقدام أتاتورك على إلغاء الخلافة وشروعه في تنفيذ برنامج لإقامة دولة علمانية على النمط الغربي (1924) ساد شعور لدى الأوساط المحافظة بأن المسألة ليست مسألة دين يجري النيل منه أو أن مؤسسة سياسية دينية تحطمت، بل هو الشعور بالخوف على هويات المجتمعات والدول. جاء الرد على هذا الخوف بتكوين جمعيات جعلت هدفها المحافظة على هوية المجتمعات وتعزيزها، وأبرزها الإخوان المسلمون التي أسسها حسن البنا تلميذ رشيد رضا عام 1928 مدشنا بذلك بداية الإسلام السياسي وتقوم على افتراضات نظرية:

أدلجة الدين: يرى رضا أنه يمكن فهم الإسلاموية بوضوح باعتبارها حركة اجتماعية سياسية تقوم على الإسلام بوصفه أيديولوجيا سياسياة بمقدار ما هو دين.

شمولية الدين: في الحالة الإسلاموية استعدت الأدلجة للتأكيد على أن الإسلام يحتوي كافة الأجابات على كافة الأسئلة المطروحة. وبالتالي طرحه باعتباره بديلا عن كافة النماذج المستوردة، وطرح الحداثة الغربية باعتبارها الأنموذج المهيمن، ومن هنا ارتفع الشعار الأشهر المنسوب لعبد الرزاق السنهوري ‘الإسلام دين ودولة”.


رياض الميلادي



الشريعة بين الأصوليين والإسلام السياسي


من المعلوم لدى دارسي فكر حركات الإسلام السياسي أنها تدرج الاهتمام بمسألة الشريعة في إطار سؤال مركزي في فكر الإخوان المسلمين، ونقصد به سؤال لمن الحكم؟ وإذا كانت الإجابة عندهم بديهية تقول بأنه لا حكم إلا لله بالاستناد إلى الأدلة النصية من القرآن الكريم، فإن هذا الحكم الإلهي لا يمكن أن يعتمد على غير كلام الله؛ أي قرآنه وفي هذا المستوى يمكن استحضار مصطلح الشريعة. يقول عبد القادر عودة منظر الإخوان المسلمين: “والشريعة التي أنزلها الله على رسوله وألزمنا بإتباعها والعمل بها ليست إلا كتاب الله الذي يقرأه المسلمون ويستمعون إليه صباح ومساء”. فالشريعة إذن تتماهي في هذا التصور مع القرآن وبذلك يقع الربط بين قضية الحكم في البلاد الإسلامية وقضية الشريعة الإسلامية التي تنظم هذا الحكم “لأن ابتاع ما أنزل الله يقتضي أن يكون الحكم مما أنزل الله”. وهكذا تكون قضية الحكم وهي قضية يلتبس فيها الديني بالسياسي، الحاضن الرئيس لدى منظري الإسلام السياسي للخوض في مسألة الشريعة، باعتبارها كفيلة بتنظيم حياة المسلمين داخل الدولة الإسلامية المنشودة.

13