جدل العنصرية في لبنان

الجمعة 2015/01/09

شكل الرد بالاعتقال والقتل والدمار والحصار والتجويع من قبل النظام السوري منذ بدأت الثورة عام 2011 دافعاً حتمياً للجوء السوريين إلى كل أصقاع الأرض؛ حيث تحملت الدول المحيطة بسوريا الوزر الأكبر، لبنان والأردن وتركيا ونسبياً كردستان العراق؛ ولا تزال. أما الدول الأبعد فلم تسمح أبداً بالهجرة الكيفية، بل فقط بالاختيارية ولأفراد أثرياء أو لحالات صحية مستعصية وبأعداد نادرة، وهناك دول عربية أغلقت الباب كليا بوجه السوريين. المشكلة أن السوريين يعيشون أزمة فاقت كل أزمات العالم بعد الحرب العالمية الثانية بما يخص دمار مدنهم وعدد اللاجئين الذي زاد داخلياً وخارجياً عن العشرة ملايين.

ظهرت في كافة دول الجوار ممارسات عنصرية ضد السوريين، وهي حالة طبيعية نظراً لارتفاع عدد اللاجئين وارتفاع عدد البطالة في تلك الدول واختلاف العادات مع القادمين ونقص الوعي بسبب الأزمات، وظهرت أشكال من الاستغلال للاجئين، وكان أفظعها زواج القاصرات السوريات بسبب العوز وتخلي النظام والمعارضة والأمم المتحدة ودول العالم عن تقديم المساعدات.

لبنان تحمّل الوزر الأكبر من اللجوء السوري إليه. إلا أن لبنان معروف بالطائفية السياسية فيه، والتي من خصائصها العنصرية ضد الآخر. إذن هي ليست جديدة ولا متعقلة بالوافد السوري فقط، حيث ظهرت أشكال من العنصرية امتزجت فيها العنصرية بالطائفية، ولا نريد إعطاء أمثلة عن عمال سوريين قتلوا أو أطفال سوريين عذبوا وقتلوا أو سواه، وهي ممارسات تتطلب ردعاً من الدولة اللبنانية، لا تأييداً تتضمنه تصريحات الوزراء اللبنانيين بشكل مستمر والتي فحواها أن السوريين مشكلة المشاكل ولا بد من إيقاف تدفقهم أو ترحيلهم إلى بلاد أخرى، عدا عن التغاضي عن الممارسات العنصرية والتي توجه للسوريين لمجرد أنهم سوريون.

منذ عدة أيام ظهرت تعليمات جديدة صادرة عن الأمن العام اللبناني، وتخص تنظيم وضع السوريين في لبنان، وجاءت مجحفة وتقريباً عنصرية بحق الفقراء السوريين المهجرين اضطراراً، وهي كارثة بحق كل السوريين. فسوريا تعيش حرباً حقيقية والدولة تتخلى فيها عن أية واجبات تجاه المواطنين، بل وتسحقهم، وهذا هو السبب الوحيد لهجرتهم المتسعة. التعليمات تحدد مدداً زمنية وتحصر الدخول إلى لبنان بأسبابٍ كـ”التعليم، والوضع الصحي، والسفر إلى دولة أخرى وهكذا، وكأن الوضع السوري بحالة استقرار ولابد من تنظيم الأمر، وتضيف أن من يدخل الأراضي اللبنانية عليه دفع مبلغ 1000 دولار.

هكذا قرار يتجاهل وضع السوريين، ويأتي في شتاء قارس للغاية، ويشجع كل الميول العنصرية لدى الطائفيين في لبنان، وقد ظهرت بوادر ذلك بتحقيق رديء في صحيفة النهار، ورد عليه كتاب لبنانيون بارزون كالروائي إلياس خوري والباحث زياد ماجد والكاتب باسل صالح وآخرون، وتتفاعل قضية القرار “العنصري” الصادر من جهة تمثل الحكومة اللبنانية، وليس من حزب الله وحلفه كما يشاع.

لاشك أنه من حق الدولة اللبنانية تنظيم شؤون اللاجئين السوريين، وأن تبحث عن طرق لمواجهة تدفقهم الكبير، وطبيعي أن يثير الموضوع تخوف اللبنانيين؛ فلبنان نظامه طائفي، وكل زيادة لعدد السكان والمنتمين لهوية دينية معينة تثير الحساسيات. لن نناقش الأمر من زاوية أن أغلبية اللاجئين السوريين في لبنان كانوا من منطقة القلمون وكانوا بسبب تدخل حزب الله في الحرب ضد الشعب السوري، وأن خروجه من سوريا مسؤولية لبنانية كذلك، ويمكن أن يتشكل وضع يسمح بعودة مئات الألاف من السوريين.

ما نناقشه هو أن قرار الأمن العام قرار عنصري يسيء للعلاقات السورية اللبنانية في المستقبل ويتجاهل الحرب المشتعلة في سوريا. والأنكى أن يصدر عن حكومة يشارك فيها حزب الله الموغل في دماء السوريين ووجوده في سوريا خارج عن أية اتفاقيات بين الدولتين. إذن هذا القرار تتحمل مسؤوليته كل القوى الطائفية المشاركة في نظام الحكم اللبناني، وفي هذا نقول إن وزير الداخلية محسوب على تيار المستقبل أي “مؤيد” للثورة وللاجئين، والأمن العام تابع لهذا الوزير فكيف يمكن تفسير الأمر؟ القرار إذن قرار يمثل النظام اللبناني.

منذ صدور القرار ظهرت أشكال احتجاجية لبنانية وسورية ضده، وتوسع الجدل ليسلط الضوء على العنصرية في سوريا كذلك، والسؤال عن مسؤولية السوريين تجاه بعضهم، وماذا فعلوا ليتفادوا المشكلات التي تعترض الفقراء والمحاصرين والمعتقلين. الحقيقة تقول أن العنصرية مارسها النظام بشكل فظيع ضد الآخر لأنه ليس مع النظام، وليس بالضرورة أن يكون معارضا له، ومارسه السوريون حينما أشاحوا بنظرهم عن الأوضاع الكارثية التي يعيشها أبناء جلدتهم، ومارسها اللبنانيون من قبل ضد بعضهم ولا يزالون، والآن يمارسونها ضد السوريين. طبعاً هناك ممارسات يمكن تصنيفها عنصرية، كالحط من المجموعات الدينية والعرقية الأخرى وضد النساء أو بسبب لون الجلد. وقد وصف كاتب التحقيق “الحمرا ما عادت لبنانية.. التوسع السوري غيّر هويتها” في صحيفة النهار السوريين في لبنان بالسمر، وردّ سوريون ولبنانيون بتهكم ساخر على ذلك على صفحات الفيسبوك. النهار نشرت توضيحاً أن التحقيق لا يساير الخط التحريري للجريدة، بينما كل النص يشي بالعنصرية، أي أن الجريدة تريد “لملمة” الموضوع، ولكن التوضيح جاء ليؤكد أن التحقيق يعكس رؤية الجريدة فلم تقدم اعتذاراً عنه.

تنظيم موضوع اللاجئين السوريين يتطلب طي هذا القرار فوراً، كما كل القرارات التي صدرت من الدول المحيطة بسوريا، والسماح للاجئين بعبور الحدود دون “سمات” أي فيزا، ودون مبلغ مالي؛ وهو قرار يشكل ضرراً بالغاً على كل العلاقات السورية اللبنانية، وإذ كانت آثاره لم تظهر فوراً، وحينما سيعيق حركة التجارة والأعمال ويحصر لبنان بين إسرائيل والبحر، سيكون الخطر أكبر من أن يتحمله لبنان.

طبعاً اللاجئون السوريون، يموتون اليوم بسبب العاصفة الثلجية الشديدة، والتي بدأت منذ يوم الأربعاء، ويموتون في البحار لأنهم يقصدون أوروبا بقوارب متهالكة وبأعداد كبيرة، ويموتون اليوم ومن قبل بسبب الحصار الذي يفرضه النظام على مدن وبلدات منذ أكثر من عام. تعددت أشكال موت السوريين، وصارت تتفنن فيها كل حكومات العالم، وليس النظام السوري فريد عصره.


كاتب سوري

8