جدل العولمة: مفهوم الأدب الغربي ومفهوم الأدب العالمي

الأحد 2015/01/18
نغويي: الأدب الشفاهي ينفتح بالثقافة على عوالم شتى ورؤى ومغامرات وعلى المخيلة الجماعية

يحاول الوعي الثقافي لمفكرين وأدباء من العالم الثالث التأسيس لواقع ثقافي عالمي يقوم على الشراكة بدلا من الهيمنة التي تمارسها الثقافة الغربية على ثقافات شعوب العالم الثالث، من خلال التمركز حولها وعدم الاعتراف بجدارة الثقافات الأخرى بالتساوي معها، من حيث القيمة والإبداع.

ومن بين هؤلاء الكيني نغويي واثيونغو صاحب كتاب "جدل العولمة: نظرية المعرفة وسياساتها وقد نقله إلى العربية الدكتور سعد البازعي.

ويتألف كتاب "جدل العولمة" من مقدمة وأربعة فصول وهي في الأساس محاضرات ألقاها نغويي، والفصول الأربعة هي "السيد الإنكليزي والعبد المستعمَر"، "تعليم العبد المستعمَر"، "المخيلة الجدل - عولمية: في العالم المابعد استعماري"، "المحلي والشفاهي والسيد الكتابي: الأدب المحكي، المشافهة، المشافهة الافتراضية".


الأدب الشفاهي


تقوم رؤية نغويي للأدب الشفاهي على أن هذا الأدب الذي عرفته جميع المجتمعات القديمة تتمركز حكايته حول مجموعة من الأسئلة مثل لماذا وكيف ومتى وأين التي تتعلق بظواهر الطبيعة. هذه الحكايات الرمزية والأساطير تمثل جميعا مخيلة قصصية، تشكل الرواية التي لا تختلف عن الأسطورة والحكاية الرمزية امتدادا لها، فهي تقدم أيضا رؤية للمجتمع قائمة على التفكر في الحياة الاجتماعية. ويخلص الناقد إلى أن الرؤية الروائية تشابه الرؤية العلمية من حيث المنهج، لأن كليهما يلتقط المعلومات من الحياة والملاحظة الحسية، وكلاهما يضع خبرته في أنساق ويقيم علاقات فيما بينها بصورة تساعدهما في إقامة روابط تجمع فيما بينها. إن الكتابة كما خبرها هي محاولة لفهم الذات وفهم التاريخ ولاستيعاب ما يبدو من قوى لاعقلانية وراء الاستعمار وما وراء الاستعمار. ولتأكيد هذه الرؤية يتحدث عن تجربته مع القصة القصيرة التي شكلت عاملا مساعدا له في استيعاب المواجهة مع الفوضى، إضافة إلى فهمه عن الرواية باعتبارها ممارسة تحليل واختزال تستند إلى رؤية تمتد إلى ما وراء المكان والزمان اللذين تتخلق فيهما، دون أن يغفل عن شرح علاقته بالماركسية وتأثيرها فيه، كما تجلى ذلك في تحرره من النظرة الأحادية للواقع.


حركة الزنوجة


لقد لعبت حركة الزنوجة التي قادها ليزير وليوبولد سنغور وداماس دورا مهما في إتمام أطروحات ماركس من خلال ما شكلته من انعكاس لوحدة ثقافية أفريقية، أو نزعة سوداء عالمية. وعلى الرغم من اعتبارها شكلا من الوعي المتحقق فعليا إلا أنها نظريا ظلت بعيدة عن تفسير العاصفة الاستعمارية في لحظتها الراهنة وكينونتها الفعلية. لقد استمدت الزنوجة قيمتها من خلال الممارسة الأدبية والنظرية العرقية التي توظف العرق والطبقة في أحيان بشكل متبادل.

تقوم رؤية نغويي للأدب الشفاهي على أن هذا الأدب الذي عرفته جميع المجتمعات القديمة تتمركز حكايته حول مجموعة من الأسئلة مثل لماذا وكيف ومتى وأين التي تتعلق بظواهر الطبيعة

في هذا السياق يقدم نغويي عرضا لأهم الانتقادات التي وجهت لهذه الحركة دون أن يغفل الدور الهام الذي لعبته في توجيه الاهتمام نحو أدب الزنوج. وتشغل ثنائية العبد والسيد جانبا مهما من مناقشات الناقد، التي تركز على صورة هذه العلاقة كما تجلت في أعمال العديد من الكتاب الغربيين الذين ركزوا على دور السيد في منح المعرفة للعبد. لذلك يحاول إعادة تصحيح هذه العلاقة في ضوء حاجة السيد للعبد وليس العكس، إضافة إلى أن ما تنتجه هذه العلاقة من رؤية للفلسفة والدين والتعليم والطبيعة الإنسانية وتنظيم المعرفة يتعارض مع الجانب المعادي للعلاقة. إن خطورة هذه الرؤية تتمثل في أنها تتسرب عبر المجتمع لتصبح جزءا أساسيا من الوعي، باعتبارها رؤية للآخر وللعالم الذي يعيش فيه.


الأدب والمكان


إن الترتيب المكاني والزماني للمعرفة يمكن أن يتخذ شكلا عن علاقات القوة بصورة مقصودة أو غير مقصودة. فالمعرفة التي نشأت في أوروبا سيتولى حشدٌ من المتعلمين تصدير كبار مثقفي أوروبا وما توصلوا إليه من أفكار مؤسسة على المعرفة إلى الدول المستَعمَرة، وهو ما يجعل استعمار العملية الإدراكية للتجربة اليومية التي سوف تتكرر في قاعات الدراسة الاستعمارية، يؤدي بالكثير من العبارات والأفكار إلى أن تتحول إلى جزء من الحيــاة الفكريـة اليومية في أفريقيا.

وكرد على هذا الوضع يتخذ من دعوة الأديب الألماني غوته لوجود أدب عالمي مدخلا للتأكيد على عالمية الأدب، التي يجب أن تشمل كل ما سبق أن تشكل في العالم إلى جانب ما يشكله العالم اليوم.

من هنا يرى أن مفهوم المابعد استعماري هو الأقرب الـيوم إلى مفهوم غوته وماركس للأدب العالمي، لأنه نتاج تيارات ومؤثرات قادمة من بقاع العالم المختلفة ومن مصادر متنوعة. إن جدل العولمة المشتقة من الشكل الكروي للعالم هو بمثابة احتواء للهنا والهناك في الزمان والمكان المتداخلين أيضا، حيث تصبح القراءة من هذا المنظور طريقة لمقاربة أي نص في أي نقطة زمنية أو مكانية بهدف جعل محتواه وموضوعاته تدخل في حوار مع النصوص الأخرى في زمان القارئ ومكانه.

تفسير العاصفة الاستعمارية في لحظتها الراهنة وكينونتها الفعلية

أهمية هذه القراءة كما يراها نغويي تتجلى في جعل أقصى ما يحتويه النص متاحا للقارئ، ما سيخلق تأثيرا وإدراكا متبادلا بين المحلي والعالمي، وهو ما يمكن أن يشمل من زاوية الجدل العولمي الآداب الكلاسيكية أيضا.

مفهوم السيد والعبد يتجاوز عنده العلاقة بين الأدب الغربي وآداب العالم الثالث، إلى العلاقة بين الأدب الشفاهي والأدب الكتابي، رغم ما ينظر للشفاهي على أنه أكثر أصالة أو أقرب إلى الطبيعي، الأمر الذي يؤدي إلى اعتبار الشفاهي أقل أهمية حيث ينجم عنه طرد بعض الثقافات من التاريخ والأفكار المركبة، وذلك بعد أن هيمنت الكتابة على الشفاهي مع مجيء المطبعة، وإن كانت تعود بجذورها إلى تاريخ الاستعمار.

رغم هذا يرى أن قدرات الأدب الشفاهي سوف يتم توظيفها لإثراء الإبداع في عصر الإنترنت والفضاء الرقمي، لأن المشكلة لا تكمن في حقيقة الشفــاهي والمكتوب، بل في وضعهما والعلاقة التراتبية فيما بينهما.


الشفاهي والسحري


كان يمكن للأدب الشفاهي في إطار هذا المنظور أن يسهم في افتتاح عهد أدبي جديد، يجعله يدخل في تيار التاريخ الذي ينتمي إليه لكي تتضح قيمته ومنهجيته. ومن جهة ثانية يصبح بإمكانه أن يكون أقدر على تقبل الأفكار الأخرى وامتصاصها، دون أن يفقد جوهره. ويحدد الجماليات الشفاهية التي ما زالت تثير دهشة الدارسين بالطبيعة المتداخلة للأشكال الفنية والأشكال اللفظية، والتي لا يمكن فصلها عن الرقص والموسيقى.

ثمة صلة يراها قائمة بين اللفظي والأنغام اللحنية وفي الأغاني المـوزونة، كما أن النص الشعري لا ينفصل عن النغمة، في حين لا يمــكن الفصــل بين النــثر والشعر.

وتتجلى الأدوار الاجتماعية للجماليات الشفاهية في العلاقة الحميمة التي تقيمها مع المجتمع ومن خلال اندماجها معه، ما يجعل هذه الجماليات تؤدي إلى نظرة متعددة الاختصاصات، تصل إلى التاريخ وعلم النفس والدين والفلسفة.

ويتوقف نغويي عند العديد من الدراسات التي تناولت الأدب الشفاهي وما ينطوي عليه من واقعية سحرية في النص الشعبي، كما يقول كاماو براثويت، إضافة إلى التداخل الديناميكي بين الأشكال الفنية لهذا الأدب وما يحمله من رؤية إلى العالم، تفترض الطبيعية في علاقة الاتصال بين الطبيعة والتربية وما وراء الطبيعي وما وراء التربوي.

ويذهب في هذا السياق إلى القول بما أن الطبيعة أدت إلى التربية، فإن التربية أدت إلى الفضاء الافتراضي الذي هو بالنسبة إلى التربية بمثابة التربية في علاقتها بالطبيعة، لأنه يحاكي التربية بالطريقة نفسها التي تحاكي بها التربية الطبيعة. ويختم بأن الأدب الشفاهي ليس ميتافيزيقا أو أفعى مؤلّهة، تحيا فقط عندما تسكن جسد المكتوب وأشكال التسجيل الأخرى، بل هو حضور نابض بالحياة في كل الثقافات.

13