جدل: الفرق الكلامية وحضورها في الفكر الإسلامي الحديث

الأربعاء 2013/12/11
آثار الفرق الكلامية في المشهد الإسلامي اليوم

● بسام الجمل


مقالة في الفرق الإسلامية


إذا لم يبق للفرق الكلامية اليوم حضور، فإنّنا نتبين آثارا لمناهجها في الفكر الإسلامي الحديث، من ذلك تأثر الحركة السلفية بالاتجاه الحنبلي. فقد تأثر مؤسس الحركة محمد بن عبد الوهاب (ت1792) بتعاليم ابن تيميّة (1327)، وعّول على العمل العسكري لتثبيت مبادئ الحركة في الحجاز ونجد.

أما الأشعرية، فإن مبادئها الكلامية قد اندرجت في الفكر السني بالمشرق العربي، وتجلت خاصة في سلفية عدد من رجال الإصلاح زمن النهضة العربية الحديثة أمثال الأفغاني (ت1897) ورشيد رضا (ت1935) وبالنسبة إلى الفكر الشيعي الإمامي، فإن قسما مهما من مكوّناته، مثل مرتكزات وأسسا مرجعية استند إليها النظام السياسي الإسلامي القائم اليوم في إيران، سواء من جهة تصور العلاقة بين الدين والسياسة، أو من جهة النظام التراتبي الذي تقوم عليه ممارسة السلطة السياسية ذاتها.


● موسى برهومة


الإسلام السياسي والمشاركة في الحكم


لم يفرز ارتباط الديني بالسياسي وتداخلهما الكثيف، تيارات وحركات ذات طابع دعوي ترنو تحت غطاء الإسلام السياسي إلى المشاركة في الحكم بأدوات مدنية، بل تضخّم ذلك الاشتباك وقاد إلى بروز ظاهرة التزمّت في العالم الإسلامي، وكذلك ظاهرة الأصولية التي يتفتق عنها ما يسمى «الإسلام الجهادي» الذي يوسم أحياناً بـ»الإرهاب»، لأنه يتوسل أدوات «عنيفة» تصدر عن تصورات تحث على تطبيق الإسلام بحد السيف. وفضلاً عن ذلك، راح التصور الأصولي يقسم العالم، باعتباره فسطاطين: دار حرب، ودار سلام، على ما تنطوي عليه القسمة، من تهديد لمصالح ملايين المسلمين ممن يعيشون في بلاد الغرب، أو «دار الحرب»، حسب الخطاب التكفيري الأصولي الذي يؤوِّل بعضَ الآيات القرآنية تأويلاً أيديولوجياً يخدم أغراضه السياسية. ويكاد يكون الاشتجار حول المعنى، وادعاء أحقية حيازته القاسمَ المشترك الأكثر جوهرية في عملية الصراع الطويل بين الدين والسياسة، وهو صراع لا يبدو أن ثمة نهاية مرتقبة له.


● مصطفى القرة داغي


الإسلام السياسي وأحلام السلطة


لقد أثبَت الإسلام السياسي بشَقيه السُني والشيعي بأنه وإن كان يتبَنى نظرياً مَفاهيم الإسلام ويَتلحّف بها، إلا أنه عَمَلياً لا علاقة له بالإسلام كدين سَلام وإصلاح لا مِن قريب ولا مِن بَعيد، وبأنه أيضاً غَير كفْء وغير مُؤهل للحُكم، وبأن نُخبَه مَكانُها الجَوامِع والحُسَينيات وليسَ كراسي الرئاسة والوزارة ومَقاعِد البَرلمانات.

كما أثبَت الإسلام السياسي الشيعي تحديداً بأنه لا يُمَثل التشيّع العلوي الذي يَسعى لإحقاق العَدل ومُحاربة الظلم، بَل يُمَثل التشيّع الصَفوي الذي يَسعى للتوَسّع والجاه والجَبَروت.

وبرأيي سَيَمُر وقت طويل قبل أن تكتشِف الشُعوب العربية والإسلامية بأن هذه الأحزاب تتاجر بالدين وتستغله لدَغدِغة مَشاعِرها البسيطة والساذجة للوصول إلى السُلطة وإمتيازاتِها التي تمثل قمّة المُنى وغاية المُراد.


● عمار بنحمودة


التعصب والتسامح في الفكر الإسلامي


كيف السبيل إلى درس التعصّب والتسامح في تراثنا العربي الإسلامي بحياد تاريخي، وقد طالعتنا فلسفة الأنوار بمبادئها العقلية وتشريعها للتسامح؟ إنها ما تنفك تثقل وعينا المعرفي بمبادئها ومقولاتها، فنرى التراث عبر قنواتها ناقدين ساخطين. هل تَصحّ محاكمة التراث بقوانين التسامح تلك؟ أليس من مبادئ العدالة القانونيّة ألّا يكون تطبيق القانون رجعيّاً؟ ثمّ كيف نتخلّص من وطأة واقعنا الذي بدأ فيه تاريخنا يقفز من المتخيّل الإسلامي إلى ساحات الصراع السياسي؟ هل كانت الفتنة مجرّد حدث تاريخي تحمله الذاكرة الإسلاميّة؟ أم هي عيّنة تاريخية يمكن بتشريحها إدراك عللها؟ لماذا نختار هذه العيّنة بالذات؟ هل نتصيّد للتراث أخطاءه سعيًا لتجاوزه؟ أم نحن نسائله وعياً بمشكلاته؟ ألا نتّفق اليوم في أنّ حاضرنا يحتاج إلى إصلاح ودواء؟ ألا يوجد إجماع إنسانيّ بأنّ التسامح وحده يضمن إنسانيّة الإنسان وأنّ التعصّب منذر والهلاك؟


● سمية بن حسانة


"الديني" و"المدنيّ": ثغرات لا تسد


لعلّنا في غير حاجة إلى أن نستخلص أنّ ترافق تفاقم ظاهرة الإسلام السياسي مع تدهور الأوضاع جميعها ينذر بمخاطر وشيكة، فقد تستفحل الأمور وتعجز الدّول عن البقاء. وعندئذ لن تستحيل التنمية والتقدّم باعتبارهما المطمح الأبعد، بل إنّ ما سيكون متحقّقاً فعلاً لحظتها، هو مزيد من التأخّر. ولهذا السّبب رجّحنا أن تكون الدّعوة إلى إصلاح دينيّ أكثر إلحاحاً من أيّ وقت مضى. إلاّ أنّنا لا نرى سبيلا إلى تحقيق التّنمية والتقدّم إن ظللنا قابعين داخل دائرة المنظومة الدّينيّة، التي أشرنا إليها في العنوان بلفظة «دينيّ» وهذا لاعتقادنا بأنّها لا تتواءم مع منظومة أخرى اخترنا تسميتها بـ«المدني»، ونزعم أنّها هي الحاضنة لفكرة التّقدّم. وقد عبّرنا عن انتفاء التّلاقي بينهما بالثّغرات التي لا تسدّ.


● محمد الخراط


الرؤيا الإسلامية والرؤيا العلمانية للعالم


في خصوص العلاقة بين الدين والدولة، فإن الرؤية الدينية للعالم ترتكز على معطى الاستقطاب بين الديني والدنيوي، بين الأخروي والزمني، بين الدين والدولة. وفي جوهر الأديان إن الدنيا وما يتعلق بها، إن هي إلا عوارض زائلة فلا أهمية لها إلا بما هي مسافة نقطعها نحو دار البقاء وفضاء الخلود. فإذا كانت شؤون الحكم والسياسة من توابع الدنيا، فهي في الاعتبار الديني لا قيمة له، وإذا كانت- كما يعتقد عدد غير قليل من المسلمين- من أصول الشريعة، فإن الطاعة والبيعة والشورى والخلافة وما يقترن بها من المعجم السياسي الإسلامي الكلاسيكي يصبح مجالا لتأكيد الإيمان وترسيخ العقيدة.

أما مسألة فصل الدين عن الدولة، فهي ليست من خصائص الدين المسيحي، كما أن الجمع بين الدين والدولة ليست من خصائص الدين الإسلامي. لقد وجدت المسيحية في طريقها دولة قوية، فتعاملت مع الوضع التاريخي الموجود واهتم عيال الله بشؤون الله وأعطي قيصر ما لقيصر. أما الإسلام فلم يجد في طريقه دولة وتعامل مع واقعه، حتى إنشاء الإرهاصات الأولى للدولة الإسلامية.

13