جدل اللجنة الدستورية.. تسوية للأزمة أم استمرار لصراع المصالح في سوريا

تعديل العملية السياسية أصبح حتمية لتسوية الملف السوري، حيث أن عدم انتقال الوعود إلى أفعال يعيق حلحلة الأزمة.
الثلاثاء 2018/11/13
هل يقلب بيدرسن المعادلة

ما زال صراع المصالح والأجندات في سوريا يلقي بظلاله بالارتكاز على جدل اللجنة الدستورية، فبعد أن عرقلت في وقت سابق من هذا العام كل من دمشق وطهران محاولة المبعوث الأممي السابق ستيفان دي ميستورا للتقدم في مسار جنيف التفاوضي، يتواصل الغموض حول هذه اللجنة الدستورية حتى بعدما دعت القمة الرباعية التي عقدت مؤخرا في إسطنبول، والتي ضمت رؤساء دول كل من تركيا، وفرنسا، وروسيا، بالإضافة إلى ألمانيا، إلى تحريك العملية السياسية في سوريا. حيث توصل القادة، بحسب البيان الختامي للقمة، إلى اتفاق على الدعوة إلى تشكيل لجنة دستورية تعقد اجتماعها الأول في جنيف قبل نهاية العام، إذا سمحت الظروف بذلك.

 دمشق – ظهرت عقب إقالة المبعوث الأممي السابق لسوريا ستيفان دي ميستورا محاولات جديدة لتحريك العملية السياسية في سوريا، بعدما دعت القمة الرباعية التي عقدت مؤخرا في إسطنبول، التي ضمت رؤساء دول كل من تركيا، وفرنسا، وروسيا، بالإضافة إلى ألمانيا إلى اتفاق على الدعوة إلى تشكيل لجنة دستورية تعقد اجتماعها الأول في جنيف قبل نهاية العام، إذا سمحت الظروف بذلك.

وفي سياق التطورات الجديدة يعتبر العديد من المراقبين أنه يجب على المبعوث الأممي الجديد لسوريا النرويجي جير أوبيدرسن تحويل مقاربة الأمم المتحدة في الصراع بشكل أساسي بدل الإبقاء على العملية السياسية غير قادرة على تقديم إصلاح حقيقي، وأن يعمد إلى قتل العملية السياسية لإنقاذ مستقبل أي مفاوضات سياسية تقودها الأمم المتحدة مثلما يذهب إلى ذلك جوليان بارنس-داسي، المحلل في مجلة فورين بوليسي.

ويشير قيام الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بإنهاء مهمة مبعوثه العتيد للقضية السورية، دي ميستورا، إلى نهاية مرحلة، وبداية أخرى على صعيد العملية السياسية في سوريا.

وعلى مدار أربع سنوات خصص دي ميستورا لمحاولة التوصل إلى حل سياسي للأزمة. حيث ركز العام الماضي أساسا على دفع عملية الإصلاح الدستوري التي من المفترض أن تقود إلى انتخابات مدعومة من قبل الأمم المتحدة. لكن هذا المسار إلى الآن في طريق مسدود.

ويحذر العديد من الخبراء الدوليين من أن يتكرر نفس السيناريو مع المبعوث الأممي الجديد عبر استمرار دعم الأمم المتحدة والدعم الدولي لهذا النهج الذي سيؤدي إلى أسوأ نتيجة ممكنة. ولا يرجع العديد من المتابعين الفشل إلى دي ميستورا وحده، بل أيضا إلى اللاعبين الدوليين -بما في ذلك روسيا وإيران وتركيا- الذين لم يفعلوا إلا القليل للضغط على السوريين للمشاركة بفعالية.

ويؤكدون استفادة النظام السوري واللاعبين الدوليين باستمرار من التغطية السياسية التي توفرها مبادرات دي ميستورا لتعزيز طموحاتهم المتناقضة على أرض الواقع.

غموض تشكيل اللجنة الدستورية

 تعديل العملية السياسية حتمية لتسوية الملف السوري
خبراء يدعون المبعوث الأممي الجديد إلى أن يصنع نفوذه الخاص من خلال فضح الوعود الفارغة لسوريا

يدعو العديد من الخبراء المبعوث الأممي الجديد إلى أن يصنع نفوذه الخاص من خلال فضح الوعود الفارغة لسوريا وحلفائها واللاعبين الخارجيين. وبدلا من إبقاء العملية السياسية فكرة أو حلا فضفاضا، يجب عليه تجميد رعاية الأمم المتحدة، بتوضيح أنه لن يدير عملية زائفة ويلتزم بإعادة التفاعل بمجرد أن تظهر الجهات الفاعلة ذات الصلة التزامًا حقيقيًا بتحريكها إلى الأمام.

وقد يصطدم خليفة دي ميستورا برفض روسيا التي قد تعارض هذا النهج، وقد يكون أمله في إعادة تأكيد أهمية الأمم المتحدة وحقن بعض الزخم في العملية السياسية، في نهاية المطاف، بتقديم تقاريره إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وسيكون دعمه حاسماً لاستدامة هذا النهج.

وتسعي روسيا منذ فترة طويلة للحصول على الموافقة الدولية لمشروعها السوري. ويتجلى ذلك من خلال تواصلها المكثف مع أوروبا من أجل دعم إعادة إعمار سوريا، الذي يستند أولاً وقبل كل شيء إلى الرغبة في تأمين دعم سياسي أوروبي لسياسة موسكو في سوريا بدلاً من الرغبة في إعادة بناء سوريا.

ما زال الغموض يرافق مسألة تشكيل اللجنة الدستورية. وتوجد نقاط خلاف بين الدول المعنية أكثر من نقاط اتفاق، إلى جانب الشروط الأربعة التعجيزية التي اشترطها نظام بشار الأسد حول تشكيلها، وذلك في رسالتين بعثهما إلى مجلس الأمن الدولي، والأمين العام للأمم المتحدة.

ونصت الشروط الأربعة التي حددها النظام السوري على ضرورة الالتزام القوي بسيادة الجمهورية العربية السورية واستقلالها ووحدتها أرضا وشعبا وأن لا مكان للإرهاب على الأراضي السورية. علاوة على وجوب أن تتم العملية كلها بقيادة سورية وعلى أساس أن الشعب السوري صاحب الحق الحصري في تقرير مستقبله من دون تدخل خارجي.

كما اشترط نظام الأسد عدم فرض أي شروط مسبقة أو استنتاجات مسبقة في شأن عمل اللجنة والتوصيات التي تقررها. اللجنة هي سيدة نفسها التي تقرر ما يصدر عنها وليس أي دولة وليس أي طرف مثل المجموعة الصغيرة التي حددت بشكل مسبق نتائج عملها (لجنة الدستور). هذا بالإضافة إلى عدم فرض جداول زمنية أو مهل مصطنعة فيما يخص اللجنة. بل يجب أن تكون خطواتنا مدروسة وأن تشبع نقاشا لأن الدستور سيحدد مستقبل سوريا لأجيال قادمة. لذلك يجب عدم الاستعجال.

ويقول الرئيس السوري بشار الأسد إنه يدعم العملية السياسية للأمم المتحدة، وأوضحت موسكو أيضا أنها تتوقع أن يقود الأسد ذلك، لكن لم تبد أي استعداد لدفع دمشق نحو تنازلات ذات مغزى والانتقال من مرحلة الحديث عن الدعم إلى تحرك مباشر وملموس.

ويشترط النظام السوري أن تكون له الأغلبية في اللجنة الدستورية، وأن يحوز على حق “الفيتو” فيها، وأن تكون الرئاسة بيده، وأن يمنح حق تعديل بعض مواد الدستور دون كتابة دستور جديد، يعني عمليا رفضه للعملية الدستورية برمتها.

جوليان بارنس-داسي: على المبعوث الأممي الجديد في سوريا أن يقتل العملية السياسية لإنقاذها
جوليان بارنس-داسي: على المبعوث الأممي الجديد في سوريا أن يقتل العملية السياسية لإنقاذها

ويعول نظام الأسد على الدور الروسي في خلق مسار مواز، يستبعد دور الأمم المتحدة، ويلغي إشرافها على العملية السياسية وفق مقررات جنيف. وهذا يعزز مخاوف المعارضة من تشكيل “لجنة دستورية” تنتج دستوراً لصالح النظام، يسمح ببقاء الأسد في السلطة.

ويرى بعض المراقبين أن دمشق وطهران كانتا دائما في قلب هذه العملية السياسية الخادعة، حيث ضغطتا من أجل تحقيق المزيد من المكاسب العسكرية حتى عندما أعربتا عن دعمهما للمحادثات الجارية. فيما شجع قرار الرئيس دونالد ترامب الأخير على إعادة التزام الولايات المتحدة بالمشاركة السياسية في سوريا مرتكزة على وجوب طرد إيران من البلاد. ولذلك ينظر إلى العملية السياسية على أنها وسيلة لتحقيق أجندات حسب المصالح.

ميدانيا، يواصل النظام السوري استهدافه محافظة إدلب السورية وخرق اتفاق “سوتشي” الموقع بين تركيا وروسيا بهدف وقف إطلاق النار بالمنطقة.

ويتهم الطرف الروسي باستخدام الاتفاق كورقة ضغط على الأطراف المعنية بالأزمة عبر عمد الروس إلى دفع النظام إلى خرق الاتفاق بحجة الحرب على “هيئة تحرير الشام”، المصنفة منظمةً إرهابية بحسب الأمم المتحدة. الأمر الذي يعطي الروس ونظام الأسد حجة مبررة لقصف إدلب ومحيطها والمناطق العازلة.

السياسة الأميركية في سوريا

تزامنا مع عودة تنظيم داعش للنشاط شرقي سوريا على الشريط الحدودي مع العراق، عاد نشاط القوات الأميركية، التي زادت من جرعة هجماتها وقصفها لمواقع التنظيم. ترافق ذلك مع زيادة الدعم لمسلحي “قسد”، أو ما يعرف بقوات سوريا الديمقراطية، التي تهدد تركيا باقتحام مواقعها شرق نهر الفرات.

على صعيد آخر أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أسبوع، الدفعة الثانية من حزمة العقوبات على إيران. من المبكر لأوانه الحديث عن ردة فعل إيرانية في الوقت الحاضر، لكن الرد الإيراني على العقوبات الأميركية، وخصوصا عندما تشتد آثارها لن يكون مستبعدا. حيث من المحتمل أن يقوم الإيرانيون بالتصعيد على أكثر من جبهة، ابتداء من غزة إلى لبنان فالعراق فاليمن، ولن تكون الساحة السورية بمعزل عن التجاذبات الأميركية الإيرانية.

ويرجح العديد من المراقبين ألا يكون الأميركان في عجلة من أمرهم بخصوص العملية السياسية في سوريا، طالما أن الصراع هناك يؤدي إلى استنزاف جميع الأطراف، والتدخل في الوقت المناسب باعتماد استراتيجية أميركية قديمة، يستخدمونها منذ الحرب العالمية الثانية إلى يومنا هذا.

ومثل تعيين السفير جيمس جيفري، مبعوثا أميركيا إلى سوريا، رسالة تلقتها الأطراف المعنية بالمسألة السورية على أنها رغبة من الطرف الأميركي في تفعيل العملية السياسية من جديد.

6