جدل النقاب يضع وفاء فرنسا لمبادئها موضع شك

لئن يتصل موضوع النقاب لدى بعض القراءات بدلالاته المحيلة على التشدد والإحالة إلى “تدين مغال”، إلا أنه يرتبط أيضا لدى القراءات الحقوقية بحرية المعتقد. وبين الدلالات الدينية ومبدأ حرية المعتقد يظل واقع المرأة المسلمة في أوروبا أكثر التباسا في ظل سعي العديد من الدول الأوروبية إلى منع ارتداء النقاب في الفضاءات العامة. قضية عادت إلى صدارة الأحداث مؤخرا بعد مرور خمس سنوات على صدور القانون في فرنسا، وهو ما فرض التساؤل عن جدوى القانون واحترامه للحريات الأساسية ومدى ضمانه للعيش المشترك واندماج المهاجرين.
الخميس 2015/10/15
احترام حرية المعتقد مبدأ لا يتجزأ ولا يحتمل استحضار الدلالات الأيديولوجية للباس

باريس - قانون منع النقاب الفرنسي ترك تأثيرا محدودا بعد خمس سنوات على إقراره نظرا للعدد القليل للنساء المعنيّات به، وعدم اهتمام الشرطة بتوجيه تنبيهات وتحرير مخالفات يوجد دائما متبرعون مستعدون لتسديدها.

في هذا الصدد تقول ستيفاني، وهي التي اعتنقت الإسلام والبالغة من العمر 40 سنة إن القانون “لم يؤثر على أحد”. وهي لم تتخلّ، على أي حال، عن النقاب الذي ارتدته منذ التسعينات من القرن الماضي لأسباب روحانية.

لكن القانون جعلها على احتكاك متواصل مع عناصر الشرطة “فهم يعرفونني جيدا اليوم”، كما تؤكد هذه السيدة المتزوجة المقيمة في نيس جنوب فرنسا. أما مخالفاتها التي بلغت ما بين ألفين وثلاثة آلاف يورو، فلم تسبب لها أي مشكلة إذ قام “فاعل خير” بتسديدها.

عندما اعتمدت فرنسا في أكتوبر من عام 2010 القانون الذي يمنع على النساء تغطية الوجه في الأماكن العامة تحت طائلة دفع غرامة تصل إلى 150 يورو، شعر المسلمون في فرنسا بنوع من القلق.

فالجالية المسلمة الفرنسية، التي تعد الأكبر في أوروبا بوجود خمسة ملايين مسلم، كانت تخشى من ترويج صورة سلبية لها في حين أن ألفي امرأة فقط يرتدين النقاب في البلاد. ولذلك سجلت منظمات مدافعة عن حقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية تحفظاتها على القانون.

وفي الخارج، اعترضت دول مسلمة على القانون، وكذلك الحكومة الأميركية التي تولي أهمية كبيرة لحرية المعتقد. وبلغ الأمر أن دعا زعيم القاعدة حينها أسامة بن لادن في تسجيل فيديو المسلمين إلى الرد.

ولكن دولا أوروبية أخرى مثل بلجيكا اختارت أن تحذو حذو فرنسا بأن أصدرت قانونا بهذا المعنى.

وفي هذا السياق، رفعت امرأة ترتدي النقاب شكوى إلى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية التي أقرت بصلاحية القانون في 2014، واعتبرت في حكمها أن السعي إلى الحفاظ على “شروط العيش المشترك هو هدف مشروع”.

قانون منع النقاب يخلق حالة من الإرباك، ويوجه أصابع الاتهام لنساء لمجرد أنهن يرتدين حجابا يغطي الوجه

واليوم، عاد الجدل إلى الظهور، والسبب أن الشرطة وجهت 1546 تنبيها شفويا فقط منذ 2011 كثير منها للنساء أنفسهن، وفق إحصاء رسمي بتاريخ الأول من سبتمبر الماضي.

ويقر رجال الشرطة أنهم غير متحمسين لتطبيق القانون. وتقول سيلين برتون من نقابة مفوضي الشرطة إن مراقبة المنقبات ليس “الهم الرئيسي للشرطيين”.

كما يشاطرها الرأي نفسه نيكولا كونت من نقابة أخرى للشرطة بالقول إن القانون “يحرج الشرطيين وقيمة المخالفات تعتبر بسيطة”، ولذلك “فإن الأمر لا يستحق العناء”.

ففي يوليو 2013 تطور توجيه ملاحظة لامرأة منقبة إلى ليلتين من العنف المدني في ضاحية تراب الشعبية في جنوب غرب باريس.

وعلى الرغم من كل شيء “تم القسم الأكبر من الملاحظات والتنبيهات الشفوية بشكل هادئ ودون توتر يذكر” وفق ما أفاد المتحدث باسم وزارة الداخلية بيار هنري برانديه الذي يقول إن الشرطة تصرفت بحكمة لتفادي التوتر.

أما المخالفات النادرة فلم يكن لها مفعول رادع بعد أن تطوع رجل الأعمال الجزائري المعتاد على جذب الأضواء رشيد نكاز لتسديد القسم الأكبر منها. فهذا الرجل الناشط في مجال العقارات يؤكد أنه يتصرف بدافع “احترام الحريات الأساسية” رغم معارضته للنقاب. وقال نكاز إنه سدد الجمعة المخالفة رقم 973 بهذا الشأن.

ويؤكد أن قانون منع النقاب “لا يحمي هؤلاء النساء من الخطاب الإسلامي المتطرف. بل على العكس فهو يشجع هذا الخطاب لأنه يضطر هؤلاء النسوة للبقاء في منازلهن”. ويضيف أنه في مقابل 118 امرأة نزعن النقاب بعد أن حررت بحقهن مخالفات وكن على اتصال به فإن 213 أخريات قررن ارتداءه منذ 2011. ويقول مصدر مقرب من مرصد العلمانية وهو هيئة استشارية مكلفة السهر على احترام الحيادية الدينية للدولة إن كل هذه النقاشات تخلق حالة من “الإرباك”، وتوجه أصابع الاتهام لنساء لمجرد أنهن يرتدين حجابا يغطي الوجه.

ويضيف المصدر أن هذا الأمر “غذى الخطاب الشعور بأنهم ضحايا ولذلك فإن نجاعة هذا القانون غير أكيدة”.

13