جدل ثقافي في الجزائر: بأي أبجدية تكتب الأمازيغية؟

الأحد 2018/01/21

مرة أخرى تتحرك الساحة الثقافية الجزائرية على إيقاع جدل لغوي جديد، جدل يدور حول مسألة اختيار الحرف الذي تكتب به اللغة الأمازيغية، التي أصبحت بموجب دستور 2016 لغة وطنية ورسمية، اللغة الوطنية والرسمية الثانية إلى جانب اللغة العربية، وقد تصاعد هذا النقاش بين النخب بشكل واضح ومتشنج أيديولوجيا ودينيا في بعض المرات بعد أن تم في شهر ديسمبر الماضي 2017 اعتماد رأس السنة الأمازيغية المصادف ليوم 12 يناير من كل سنة عيدا وطنيا وعطلة رسمية مدفوعة الأجر، بذلك احتفل الجزائريون ولأول مرة بمطلع السنة الأمازيغية 2968 بشكل رسمي وكانت عبارة عن احتفالات عمت البلاد من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها.

و إذا كانت الغالبية قد تجاوبت مع هذا الاحتفال ومع إقرار هذا العيد عيدا وطنيا رسميا باعتباره أقدم عيد تحتفل به شعوب منطقة شما إفريقيا وهو جزء من الفرح التاريخي المعتق، فإنه وفي المقابل ظهرت بعض الأصوات الدينية الإسلاموية المتطرفة وبعض العروبيين المتشددين المتذمرين من هذا القرار، فقد اعتبر الإسلاميون السلفيون هذا الاحتفال هو احتفال بواحد من الأعياد الجاهلية وهذا حرام، في حين اعتبر العروبيون المتشددون الذين فاتهم قطار التغيير إن هذا الاحتفال هو انتقاص من سلطة اللغة العربية وتهديد للوحدة الوطنية.

و في جو هذا الاحتفال برأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا انطلق النقاش بين النخب الجزائرية حول أي الأبجديات مناسبة لكاتبة اللغة الوطنية والرسمية الثانية للجزائر، وأعني بها اللغة الأمازيغية؟

هناك ثلاث أطروحات في باب النقاش حول مسألة اختيار الأبجدية الصالحة لكتابة اللغة الأمازيغية، فهناك تيار يرى ضرورة كتابتها بحروف التيفيناغ وهي الحروف الأصلية التي استعملها الأمازيغ في الجنوب خاصة لكتابة هذه اللغة منذ قرون، وهناك تيار عروبي بعثي إسلاموي يدعو إلى كتابتها بحروف اللغة العربية، وهناك تيار ثالث يفضل ويعمل على كتابتها بالحروف الإغريقية-اللاتينية.

و للوقوف عند التيار الأكثر حضورا في الساحة السياسية والثقافية والتربوية بالأمازيغية في الجزائر فلا بد من وضع مقارنة بين ما هو عليه حال الإنتاج الإبداعي والفكري بهذه اللغة اليوم لدى نخب الاتجاهات الثلاثة، من حيث الإنتاج الأدبي في الرواية والشعر والإنتاج في الترجمة وفي المسرح وفي السينما وأيضا في البحث اللساني والتربوي.

فإذا كانت حجة دعاة كتابة الأمازيغية بحروف التيفناغ مؤسسة على أنها الحروف الأصلية لهذه اللغة، لكن يجب الاعتراف بأن القلة القليلة، والقليلة جدا من تستطيع فك هذه الحروف، وإن الاشتغال بها ظل مستبعدا في المجتمع الثقافي، ولا تستعمل إلا في كتابة أسماء المؤسسات العمومية على واجهة البنايات، كما أن الإبداع بها نادر جدا، وقد اختار المغرب رسميا حروف التيفيناغ لكتابة الأمازيغية ولكن يبدو أن هذه التجربة باءت بالفشل وأن الاختيار لم يكن صائبا على المستوى العملي تربويا وإبداعيا.

أما المطالبة بكتابتها بالعربية في الجزائر فهي مطالبة أيديولوجية أساسا وببعد ديني، فكثير من الأصوات العروبية الإسلاموية التي وجدت نفسها مجبرة على القبول باللغة الأمازيغية لغة وطنية ورسمية، وهي التي كانت بالأمس من أكبر المعارضين لهذه اللغة، لم تجد إلا صوت المطالبة بكتابتها بالحروف العربية، لا حبا في العربية، ولا حبا في الوطنية كما تتدعي، بل هدفها الأساس هو تعطيل مسيرة تعميم تدريس اللغة الأمازيغية وبث فتنة جديدة في البلاد لتعطيل مسألة التعددية اللغوية والثقافية التي هي دعم للتعددية السياسية التي بدأت الجزائر تجربتها في نهاية الثمانينات.

أما التيار الثالث الذي يدافع عن كتابتها بالحرف الإغريقي-اللاتيني فمطالبته مؤسسة على شرعية نضالية سياسية وإبداعية، فلقد قاد هذا التيار منذ العام 1949 معركة الهوية بالتوازي مع معركة الاستقلال الوطني، وحمل لمدة سبعين عاما مطلب ضرورة مصالحة الجزائري مع تاريخه الأمازيغي واستعادة لغته الأولى اللغة الأمازيغية، ولعل الربيع الأمازيغي الذي اندلع في أبريل 1980 على إثر منع محاضرة للكاتب والباحث مولود معمري، كانت العلامة الفارقة في نضالات هذا التيار الذي لم يسترح يوما إن على المستوى السياسي أو على مستوى نضالات الجمعيات الثقافية، أو بالممارسات الإبداعية في شتى ميادين الكتابة الشعر والرواية والمسرح والسينما والأغنية.

فبالحروف الإغريقية-اللاتينية تمت ترجمة كثير من الأعمال الأدبية العالمية إلى اللغة الأمازيغية أذكر منها، للتمثيل فقط، رواية “الشيخ والبحر” لهمنغواي و”روميو وجولييت” لشكسبير و”الغريب” لألبير كامو و”الأمير الصغير ” لسانت إكزوبيري و”النبي” لجبران خليل حبران… وغيرها كما أن جل البحوث التاريخية والأنتروبولوجية واللسانية والتربوية كتبت بالحروف الإغريقية-اللاتينية، كما أن السينما قطعت مرحلة لا بأس بها بهذه اللغة، فسيناريوهات الأفلام الأساسية كتبت بالحرف الإغريقي-اللاتيني ومن بينها فيلم المخرج الكبير المرحوم عبد الرحمن بوقرموح الذي أخرج أول فيلم طويل بالأمازيغية وهو “الربوة المنسية” مقتبس عن رواية مولود معمري التي تحمل العنوان نفسه، كما أن أفلام المخرج المبدع بلقاسم حجّاج ك “مشاهو” و”فاطمة نسومر” تعد فتحا مهما في العمل الدرامي بهذه اللغة.

كما أن جميع الروايات الحاصلة على الجوائز في المسابقات الأدبية الرسمية في الجزائر كجائزة محمد ديب أو جائزة أبوليوس أو جائزة آسيا جبار أو جائزة الطاهر وطار، هي روايات مكتوبة بالحرف الإغريقي-اللاتيني، وأن جميع الروائيين المكرسين على مدي ثلاثة أجيال متتالية من أمثال عمار مزداد وإبراهيم تزاغارت وديهية لويز وليندة كوداش وسالم زانيا والطاهر ولد اعمر ومصطفى زعروري وبلقاسم مغزوشين…يكتبون نصوصهم بالحرف الإغريقي-اللاتيني.

لكل ذلك، وبناء على الواقع الثقافي والتراث الإبداعي المعاصر، إذا أردنا بالفعل التقدم والخير لهذه اللغة ولأبنائها من الجيل الجديد وللجزائر، وأيضا ربحا للوقت واستدراك لما ضاع منه، فالأفضل هو الاستثمار فيما كتب من إرث مهم في اللغة الأمازيغية بالحروف الإغريقية-اللاتينية والتأسيس عليه من أجل الذهاب بهذه اللغة إلى التعميم وأيضا إخراجها من الجدل الأيديولوجي العقيم ودفعها إلى الوجود الإبداعي والعلمي العميقين، ومن خلفها الوصول بالجزائر إلى تعددية لسانية وثقافية معاصرة وحداثية.

كاتب من الجزائر

10