جدل جزائري بشأن فتح الأبواب لشركات الطاقة

السلطات الجزائرية تسعى إلى زيادة وتيرة الاستكشاف والاستغلال، في محاولة لتعزيز الإيرادات المتراجعة للخزينة العامة، ومواجهة المطالب الشعبية المتنامية.
الاثنين 2019/10/07
توقيت حرج لتمرير قوانين استراتيجية

اتسع الجدل في الأوساط الاقتصادية والشعبية بشأن خطط الحكومة لفتح أبواب صناعة النفط والغاز أمام الشركات الأجنبية العملاقة لتخفيف الأزمات الاقتصادية، في تحوّل كبير عن السياسات المركزية التي اعتمدتها منذ عقود طويلة.

الجزائر- شكك محللون في صلاحية الحكومة المؤقتة في اتخاذ قرارات استراتيجية لتمرير قانون المحروقات الجديد من أجل استقطاب الشركات الأجنبية للاستثمار إلى قطاع الطاقة في ظل الأوضاع السياسية والاجتماعية المضطربة.

ومن المقرّر أن يناقش مجلس الوزراء برئاسة نورالدين بدوي، مشروع القانون الجديد الذي انقسمت بشأنه الآراء ووصفه البعض بأنه “مغامرة” غير محسوبة العواقب، وطالبوا بتأجيل القرار لحين وصول حكومة دائمة.

وتسعى السلطات إلى زيادة وتيرة الاستكشاف والاستغلال، في محاولة لتعزيز الإيرادات المتراجعة للخزينة العامة، ومواجهة المطالب الشعبية المتنامية.

وقالت مصادر مطلعة لـ”العرب” إن شركات نفط عالمية مارست ضغوطا قوية على الجزائر لإصدار القانون الجديد، مقابل ضخّ استثمارات كبيرة تُعيد وتيرة النشاط إلى القطاع، الذي شهد تراجعا خلال السنوات الأخيرة.

وأشارت إلى أنّ القانون الجديد قد يجري تصميمه على مقاس ومصالح الشركات العالمية، التي تعمل على توسيع رقعة أعمالها في الجزائر، بعد أن كانت تجد صعوبات قانونية في دخول القطاع طوال عقود.

وقام خبراء من شركتيْ شيفرون واكسون موبيل الأميركيتين نهاية سبتمبر الماضي بزيارة للجزائر التقوا خلالها بمسؤولين في القطاع، وتفقدوا العديد من مناطق الاستكشاف والاستغلال.

ويرى مراقبون أنّ الحكومة تنوي استغلال الظروف السائدة، وانشغال الرأي العام بالأزمة السياسية، لتمرير القانون، رغم أنه يمثّل تحوّلا استراتيجيا خارج صلاحيات حكومة مؤقتة خاصة في ظل معارضة الشارع للنظام السياسي القائم، والمؤسسات الانتقالية المنبثقة عنه. واستغربت أوساط اقتصادية وشعبية جرأة حكومة تصريف الأعمال والرئاسة المؤقتة، على الخوض في ملف استراتيجي، رغم افتقادها للشرعية وتمثيل إرادة الشعب.

واعتبروا القانون الجديد “قنبلة موقوتة” يمكن أن تزيد من تعقيد الأوضاع، إذا ما تضمّنت تنازلات كبيرة للشركاء الأجانب وتداعيات اجتماعية واقتصادية. وتضمّنت مسودة القانون التي حصلت “العرب” على نسخة منها، سعي الحكومة إلى رفع الدعم الكلي والجزئي لأسعار الطاقة والكهرباء وإخضاعها للتسعيرة الدولية.

ويمكن أن يؤدّي رفع الدعم إلى زيادات تناهز 300 بالمئة في أسعار البنزين والديزل والكهرباء عند بيعها للجزائريين، غير القادرين على مواكبتها بسبب ضعف القدرة الشرائية وتواضع الرواتب والمداخيل.

في المقابل هناك خبراء يؤيدون مقاربة الحكومة، ويؤكدون ضرورة تغيير آليات الدعم الاجتماعي بشكل ينهي النمط العشوائي السائد، الذي نشر مظاهر الفساد وأدّى إلى تسرب موازنات الدعم الكبيرة للسلع الأساسية والتي تتجاوز 15 مليار دولار إلى غير مستحقيها. ولا يستبعد هؤلاء إمكانية دفع الحكومة بالمشروع الجديد إلى جانب قانون آخر لمراجعة برامج الدعم الاجتماعي، لتدخل حيّز التنفيذ بالتزامن مع رفع الدعم عن المشتقات النفطية.

ويحذّر البعض من وتيرة تطبيق الإصلاحات وخطورة إقدام السلطة الانتقالية على استفزاز الشارع المنتفض ضدها بإجراءات تزيد من متاعب المستهلك وتوسع دائرة الفقر في البلاد.

الجزائر تعتزم رفع الدعم الحكومي لأسعار الطاقة والكهرباء وإخضاعها للتسعيرة الدولية

وكان من المقرر عرض قانون المحروقات الجديد في العام الماضي، لكنّه تعطّل مرارا بسبب التوتر السياسي، وتصاعد وتيرة الحراك الشعبي والتشكيك في صلاحيات المؤسسات المؤقتة في اتخاذ قرارات مصيرية. ويقول مراقبون إنّ مشروع القانون الجديد لا يختلف عن مسودة قانون جرى إعداده من قبل المدير السابق لمجموعة سوناطراك النفطية المملوكة للدولة عبدالمؤمن ولد قدور، الفارّ إلى الولايات المتحدة، بمساعدة أحد مكاتب الدراسات الأميركية. وتراهن الحكومة على تعويض الحوافز الكبيرة المقدمة للشركات الأجنبية، من خلال تسريع وتيرة الاستكشاف والاستغلال والتوجه نحو الغاز الصخري كخيار حتمي لإنقاذ البلاد من الإفلاس.

وتشير البيانات إلى أنّ الجزائر في حاجة لسعر 115 دولارا للبرميل الواحد من أجل تحقيق توازنها المالي، وبما أنّ الرقم مستحيل في ظل المعطيات السائدة فإنها تريد تعويض ذلك برفع قياسي للإنتاج.ومن بين الضمانات التي يقدّمها مشروع القانون الجديد للمستثمرين الأجانب، تمديد امتيازات استغلال الحقول النفطية والغازية للأجانب إلى 32 عاما بعدما كانت 12 عاما.

وحدّد فترة استغلال حقول الغاز الصخري بمدة 35 عاما، وتمديد مهلة تراخيص البحث والاستكشاف للنفط للغاز للأجانب إلى 9 سنوات بعدما كانت عامين فقط، فضلا عن إمكانية منح الصفقات بالتراضي، ما يشير إلى إمكانية استحواذ شركات عالمية معيّنة على النشاط، تكون حصة الأسد فيها للأميركيين والفرنسيين.

وتبقى القاعدة السابقة التي تتيح حصة الأغلبية للدولة، إحدى النقاط المثيرة للجدل في مشروع الحكومة، حيث يشير مشروع قانون الموازنة لعام 2020 إلى التنازل عنها في “القطاعات غير الاستراتيجية” فقط.

لكن التحدّي يكمن في إصرار عمالقة صناعة الطاقة تخفيف قيود نسبة ملكية الأجانب في المشاريع الجديدة، والتي منعتها في الماضي من توسيع دورها في السوق المحلية.

وتشير مسودة القانون إلى تقليص مهلة قانون “الشفعة” الذي كانت تستخدمه الحكومة، لمنع بعض عمليات التنازل والبيع في أصول واستثمارات الشركات الأجنبية، من عام إلى شهرين فقط، وهو توقيت يعطيها متسعا من الوقت ويبعد القطاع العام عن التدخّل، خاصة في ظل الظروف المالية الصعبة التي تعيشها البلاد.

11