جدل حول المشروع الفكري لليبرالية في السعودية

الاثنين 2014/03/03
اختلافات فكرية حول جدوى تطبيق الليبرالية في السعودية

ما إن ترتفع حدة الاختلافات بين التيارات في السعودية حول قضية ما، إلا ويتنابز الفريقان بألقاب تعود إلى التاريخ الثقافي للنهضة الأوروبية.

كلمات مثل المحافظين والإصلاحيين والليبراليين حاضرة في السجال المحلي السعودي، إلا أن تجسيدها على أرض الواقع يبدو غير حاضر. المسميّات الفكرية حاضرة لدى الطرفين على حد سواء، تكون أحيانا بغرض التصنيف وأحيانا لإسقاط الخصوم، وأحيانا أخرى لإعطاء أفكار تيار ما صبغة عالمية وتأسيسا تاريخيا. “الحياة” تطرح مفهوم الليبرالية على بعض المختصين والمهتمين بها، للإبحار في مفهومها واستكشاف فلسفتها وتسعى إلى إيضاح حجم الحضور الحقيقي لها في الواقع السعودي والحراك المحلي.

يستشهد الكاتب عبدالرحمان الحبيب بإحد مقالات الناقد عبدالله الغذامي عن الليبرالية السعودية حين قال:”لأول مرة في حياتي البحثية أعمل على أمر موجود وغير موجود في آن واحد، هو موجود وهو غير موجود، وهذا في المعهود عندنا يكون مجازا شعريا..”.

ويعلق الحبيب على ذلك: “فاستخدم أدوات تحليل شعرية وطريقة تفكير مجازية وأسقطها على المجال الفكري والاجتماعي الذي يتطلب تحليلا منهجيا ماديا، وهذا يحيل الواقع الموضوعي إلى افتراض أدبي، ليصل إلى التشكيــك فــي وجود شيء موجود” .

بينما ذكر المفكر المغربي سعيد ناشيد أنه يصعب الحديث عن مشروع ليبرالي في السعودية بالمعنى الكامل للكلمة، إلا أن ذلك لا ينفي وجود تيار ليبرالي سعودي منتشر بين صفوف الشباب المثقف، يحمل عناوين وشعارات واضحة، ويحاول جهد المستطاع ممارسة قيمه ضمن الهوامش الإبداعية المتاحة، لكنه يعاني من التهميش ومن تكالب صقور التشدّد الديني، الذين لا يكفون عن شن حملات التشهير باستغلال المساجد أحيانا والفضائيات الإعلامية أحيانا أخرى خارج كل قواعد الاحتراف الإعلامي.

يصعب الحديث عن مشروع ليبرالي في السعودية، إلا أن ذلك لا ينفي وجود تيار ليبرالي منتشر بين الشباب المثقف

ويطالب ناشيد من شباب التيار الليبرالي السعودي بأن يفلح في تحويل أفكاره المبدئية إلى مشروع مجتمعي واضح الخطوات والمطالب وقادر على التعبئة والتأطير والإقناع، ويشمل في مرحلته الأولى الأولويات نفسها التي يصرح بها الكثير من الشباب الليبرالي السعودي اليوم وتحديث المؤسسة الدينية وإصلاح برامج التعليم وإعادة مركز الثقل في القرار الوطني إلى السلطة المدنية.


مشروع محدد لليبراليين


الكاتب الصحفي عبدالرحمان الحبيب الذي جاهر بليبراليته في وقت سابق عبر برنامج تلفزيوني حواري، لا يرى أن هناك مشروع محدد لليبراليين، لكن هناك توجها تنويريا وإصلاحيا لقطاع من المثقفين والإعلاميين والأدباء وجزء كبير منهم هم ليبراليون.. وهو توجه ليبرالي يدعم ما تقوم به الدولة وعلى رأسها الملك عبدالله الذي يقود مرحلة إصلاح وتطوير.

ويشير الحبيب إلى مشاريع الملك عبدالله لتطوير التعليم والقضاء والاقتصاد وإدخال المفاهيم الديمقراطية فضلا عن ممارستها كما في المجالس البلدية والأندية الأدبية، وهناك حوارات للتنوع في الداخل كمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، وفي الخارج كحوار الحضارات.. وهناك جهات حقوقية تدافع عن الحريات (هيئة وجمعية حقوق الإنسان).. وهناك دعم لمؤسسات المجتمع المدني (هيئة الصحفيين، جمعية كتاب الرأي..).

أستاذ الثقافة الإسلامية عبدالله الوهيبي يذهب إلى نفس النتيجة بانعدام أي حضور لمشروع ليبرالي بالمعنى المذهبي والفكري للمصطلح، وإنما هناك مجموعات متفاوتة الثقافة والانتماء، وربما متباينة على المستوى الأيدولوجي؛ لها طموحات ومطالبات بتحقيق مزيد من الحريات الاجتماعية والدينية، وقد تتطابق بعض رؤاهم مع المزاج الليبرالي المعولم.

وغالبا يتم التستّر تحت هذا المصطلح لتعزيز الشعور بالمغايرة عن التيار الديني السائد، أو للتعبير عن الاحتجاج على بعض ممارساته، وإلى الإشارة لكل مختلف عن السياق الإسلامي العام والسائد.

وهو يشبه ما أدلى به الكاتب الصحفي تركي التركي الذي أكد عدم وجود “مشروع" ليبرالي، لسبب بسيط وهو أن الليبرالية كفكر إنساني، وغيرها من المعارف الإنسانية لا تحتمل أساسا هذه الكلمة “مشروع" بما تحمله من مضامين تنظيمية وتخطيطية بالغة الدقة، ويتفهم هذه الكلمة فقط حين نتحدث عن إدارة شركات أو منظمات ولكن لا يفهمها حين نتحدث عن معرفة وفكر إنساني!


الليبرالية الحرة

تحدث الصحفي حسن آل سالم عن محاولات سابقه لمشروع الليبرالية في السعودية وكانت الشبكة الليبرالية الحرة أكثر من ناضل من أجل ذلك ولكنه يعتقد أنها أغلقت دون أن يتضح لها مشروع. ويذكر سعيد ناشيد أن الليبراليين يناضلون من أجل علاقات اجتماعية قائمة على الشفافية والصدق والتسامح واحترام الخصوصيات الفردية والاعتراف بالرأي الآخر وإدماج المرأة في التنمية واحترام حقوق الطفل وترسيخ ثقافة احترام القانون وإصلاح الخطاب الديني بما يضمن تفادي التحريض على العنف والحقد والكراهية، وقال:”دعني أقول بكل صراحة، المنتظر من الليبراليين هو شيء ثميـن جدا: المساهمة في ترسيخ السلم المدني”.

ويؤكد ناشيد على “أن الذين يؤدلجون القيم المحلية -أي يجعلونها قضية أيديولوجية- هم الذين تصدمهم القيم الليبرالية، أما عن القيم المحلية فمن طبيعتها أن تقبل بمبدأ التطور والارتقاء نحو الأفضل. مثلا، قد يخوض بعض المسلمين المؤدلجين صراعا أيديولوجيا عنيفا ضد تحديد سن الزواج، لكن هذا لا ينفي وجود صيرورة اجتماعية متجهة بنحو تلقائي ومتواصل نحو ارتفاع سن الزواج.

وهذا يعني أن هناك فرقا شاسعا بين الموقف الأيديولوجي الذي يعادي كل دعوة إلى التطور، والموقف الفطري والشعبي والذي يميل نحو تحسين الشرط الإنساني”.

المشروع الليبرالي حمله المثقفون العرب منذ القرن التاسع عشر، ثم تلقى نكسات متتالية

ويرى عبدالله الوهيبي أن الليبراليين يحملون مشروعا صادما للقيم المحلية، والقيم المحلية برأيه تتفاوت بين أن تكون دينية أو اجتماعية أو ثقافية، وبعض المضامين التي يتم طرحها من قبل هذه الفئة تتسم أحيانا بمناقضة الدين نفسه من قبل غلاتهم، وأحيانا تتناقض مع ثوابت شرعية أو هوياتية، أو حتى تقاليد اجتماعية صحيحة.

كما أشار الحبيب إلى أن أغلب الليبراليين يدعمون مشروع الدولة الإصلاحي وهم مع التطوير والتنوير.

ويضيف: “القيم المحلية بشكل عام مع هذا التوجه رغم أن ثمة عادات وتقاليد لا بد من تغييرها مع التطور الطبيعي من الانتقال من مرحلة الريف والبوادي إلى مرحلة المجتمع المدني والدولة الحديثة والمواطنة.. وهنا تحدث مواجهة طبيعية بين إرث الماضي واستحقاقات الحاضر.. كالمواجهة بين بعض القيم القبلية أو المناطقية التي هي من إرث الماضي وتحولت إلى عائق للتقدم”.

لكن سعيد ناشيد يختلف مع الحبيب في تناول حالة التماس بين مطالب الليبراليين وتبنيهم مشروع الدولة الإصلاحي ويقول: “لم يسبق في أي بلد عربي أن كان المشروع الليبرالي مشروع دولة.

المشروع الليبرالي حمله المثقفون العرب منذ القرن التاسع عشر، ثم تلقى نكسات متتالية جراء تبني معظم الدول العربية لأيديولوجيات شمولية من قبيل البعثية والشيوعية والأصولية، وأحيانا، خليط من هذا وذاك أو شيء من هذا وقليل من ذاك. والواقع أن المشروع الليبرالي لم يتم إنجازه أصلا حتى نقول إنه تعطل!

ويضيف: “اليوم نقف على مشارف نهوض ليبرالي جديد، بدأ يتشكل من موقع المعارضة الشعبية لأنظمة الحكم الأصولية أعقاب الربيع العربي.

وهنا أتوقع أن اختفاء الأيديولوجيات الشمولية قد يساهم في إدماج اليسار العربي ضمن المشروع الليبرالي الكبير بكل امتداداته، بحيث لا يبقى اليسار ناسخا لليبرالية كما جعله البعض فانتهى إلى التحالف مع الأصوليات الدينية بدعوى أولوية المواجهة مع الإمبريالية! وإنما يكون اليسار العربي هذه المرّة امتدادا للمشروع الليبرالي في بعده الاجتماعي وأبعاده الإنسانية”.

7