جدل حول تدريس اللغة العربية بفرنسا

تدريس اللغة العربية في المدارس الفرنسية لأبناء الجالية العربية والمغاربية من الجيل الأخير هو تكريس للتهميش وهو أيضا تعميق لتكريس الانقسام اجتماعي وهو خلق كنتونات وغيطوهات ثقافية متقوقعة حول الهوية واللسان.
الأحد 2018/10/14
مغامرة خطرة ستكون نتيجتها تسليم المدارس للمساجد

يدور هذه الأيام، في الأوساط التربوية والعلمية في فرنسا، نقاش حول “تدريس اللغة العربية” في المدارس الابتدائية والثانوية الفرنسية، وربما يكون أخطر نقاش تعرفه الساحة التربوية والسياسية الفرنسية منذ الحرب العالمية الثانية، حتى وإن بدا النقاش عن ذلك خجولا، بل ومترددا، وهو نقاش بقدر ما يتلبس لبوس البحث والعلم والثقافة، إلا أن محركه الأساس هو السياسة.

جاء هذا النقاش المثير حول مسألة تدريس اللغة العربية على خلفية التقرير الذي قدمه الخبير حكيم القروي لمعهد مونتاني في سبتمبر الماضي، وهو أحد المقربين من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والذي دعا فيه إلى ضرورة تدريس اللغة العربية في المرحلة الابتدائية في المدارس الفرنسية لمواجهة التطرف الديني والسلفية الفكرية المعششة في المدارس القرآنية.

ولنتساءل وبكل صراحة ووضوح: هل تعليم اللغة العربية في المدارس الابتدائية هو السبيل للقضاء على السلفية أم هو تكريس لها؟ وهل تعليم اللغة العربية هو محاربة للتهميش الذي تعاني منه الجالية المغاربية والعربية أم هو تكريس له باعتبار أن المستهدف من تدريسها هم “أبناء الجالية” العربية والمغاربية لا غيرهم، بذلك فهو تدريس يكرس “فكرة الغيطوه” (Ghetto) اللغوي والإثني؟

أعتقد أن تدريس اللغة العربية في المدارس الفرنسية لأبناء الجالية العربية والمغاربية من الجيل الأخير هو تكريس للتهميش وهو أيضا تعميق لتكريس الانقسام اجتماعي وهو خلق كنتونات وغيطوهات ثقافية متقوقعة حول الهوية واللسان، وهو (أي تدريس العربية) إضافة إلى ذلك حجة لتقوية خطاب اليمين المتطرف الفرنسي وتكريس للشعبوية السياسية التي يتولاها اليمين المتطرف واليسار المتطرف على حد سواء.

إن تدريس اللغة العربية بنيّة محاصرة الإسلاموية والتعصب هو سعي واه، بل العكس تماما، إن تدريس هذه اللغة هو تكريس لفكر الإسلاموية في الجيل الجديد، لأن العربية في مخيال المغاربي والعربي تظل لغة الجنة ولغة الله، وبالتالي فتدريسها هو نفس جديد لتطعيم المخيال الإسلاموي مع الجيل الجديد من أبناء الجالية العربية والمغاربية في أوروبا.

كما أن تدريس العربية سيكون، في غياب البرامج التنويرية وغياب الكفاءات التربوية، عبارة عن مغامرة خطرة وستكون نتيجتها هي: تسليم المدارس للمساجد، إذ سيصبح تدريس العربية ملحقا بما تعلمّه المدارس القرآنية السلفية التي تكاثرت كالفطر في كل المدن الفرنسية والأوروبية بشكل عام.

أعتقد أن الطريق الأسلم لفك الحصار السياسي والاقتصادي والسيكولوجي والثقافي عن الجيل الجديد من أبناء الجاليات المغاربية والعربية في فرنسا لا يكون بمغامرة تقوم على تدريسهم اللغة العربية وإنما يجب الحرص على تعليمهم اللغة الفرنسية تعليما جيّدا وصحيحا وتعميم ثقافة اللائكية والديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام المرأة والدفاع عن قيم المواطنة، بمثل هذا التوجه يمكن أن يكون الاندماج بشكل طبيعي في بنية المجتمع الفرنسي الجديد والمتعدد.

ولفك العزلة المضروبة عن أبناء الجالية المغاربية والعربية من الجيل الثالث والرابع ولمواجهة ومحاربة ثقافة الكراهية التي بدأت تظهر وتنمو بشكل قوي في المجتمع الفرنسي، يجب على المؤسسات التربوية والثقافية والفنية الفرنسية أن تفكر في التوزيع العادل للخيرات الثقافية التنويرية الجادة على هذا الجيل، من أدب وموسيقى ومسرح وفن تشكيلي.. سواء كانت ثقافة فرنسية أو عالمية، القادمة من الأركان الأربعة، ومن بينها الثقافة العربية والمغاربية التنويرية.

ولماذا لا يتم التفكير في تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس الابتدائية الفرنسية باعتبار أن الجالية المغاربية في عمومها تنزل من أصول بربرية وأن لغة الأم لديها هي اللغة الأمازيغية؟

انطلاقا من ذلك، فبدل الحديث عن تدريس اللغة العربية لهذا الجيل الجديد من أبناء الجالية الفرنسية ذات الأصول المغاربية بهدف الوصول إلى مصالحة مع أصولها ومرجعياتها وثقافتها، أما كان من الواجب ومن الأولى السعي إلى تدريس اللغة الأمازيغية، لأنها “لغة الأم” لغالبية الأجيال المتلاحقة من أبناء الجالية المغاربية.

وإن تعليم هذه اللغة هو في الوقت نفسه دعم للتجربة التعددية اللغوية في البلدان المغاربية التي اعترفت في دساتيرها باللغة الأمازيغية لغة وطنية ورسمية، وهي اللغة، ورغم بعدها عن المخيال الديني، فإنها تساهم في هذا التصالح مع الجذور بشكل ثقافي وأنثروبولوجي بعيدا عن الإسلام السلفي المتطرف.

10