جدل حول نسبة التفاحة في شعار شركة آبل إلى انتحار تورنغ

الأربعاء 2015/04/15
بيع مفكرة تورنغ بأكثر من مليون دولار كشف ما يحظى به العالم البريطاني من أهمية

نيويورك – بيعت، مؤخرا، مفكرة لعالم الرياضيات البريطاني الراحل، آلان تورنغ، في مزاد بمدينة نيويورك بأكثر من مليون دولار، وبعد أكثر من نصف قرن على وفاته يُعاد الاعتبار لتورنغ ويُعترف بعبقريته الفذة. ومع أنّه مات منتحرا في سن الـ41 عاما سنة 1954، فإنّه تمكّن قبل ذلك من فكّ الشفرة الاتصاليّة لألمانيا النازية بما اتاح وقف الحرب آنذاك وإنقاذ حياة أرواح الآلاف، ولو عاش زمنا أطول لقدّم إنجازات أخرى للبشرية.

رغم ذلك لم يرحل تورنغ إلاّ بعد أن ترك وراءه أهم الاختراعات المعاصرة المتمثلة في النموذج الأساسي للكومبيوتر، بل أثار اعتماد شركة آبل شعار التفاحة المقضومة جدلا حول علاقة ذلك بانتحار تورنغ.

قالت دار بونامز للمزادات إن مفكرة بخط يد عالم الرياضيات البريطاني الراحل آلان تورنغ الذي فك شفرات ألمانيا النازية أثناء الحرب العالمية الثانية بيعت بأكثر من مليون دولار في مزاد بمدينة نيويورك.

وقالت كاساندرا هاتون، كبيرة الأخصائيين في إدارة الكتب والمخطوطات في بونامز، الإثنين، إن نتيجة المزاد اختبار لإرث تورنغ، مضيفة إنّ “الأمر يشير إلى أهميته في التاريخ، أعتقد أنه شخص يبجّل مواصلة التعلم، وأتمنى أن يساهم هذا في زيادة الاهتمام به وبعمله”.

وأكدت هاتون أن المزاد يؤكد أيضا على تنامي الاهتمام بالمواد العلمية وتاريخ أجهزة الكمبيوتر والفضاء والاكتشاف والعلوم في مراحلها المبكرة.

وتعتبر المفكرة، التي تقع في 56 صفحة ولم تعرض من قبل في العلن، الأثر المتبقي والشامل الوحيد لتورنغ، ويعود تاريخها إلى عام 1942 وكان قد أعطاها لصديق يدعى روبن جاندي الذي أبقى المفكرة طي الكتمان حتى وفاة تورنغ. وقد دوّن تورنغ في الـمفكرة مـسائل رياضــية وأساسيات لعلم الكمبيوتر، ممّا يلقي الضوء على نبوغه العقلي.

التفاحة المقضومة تخلد ذكرى العالم البريطاني

تعيد هذه الحكاية إلى الأذهان العبقرية الفذة لعالم الرياضيات البريطاني آلان تورنغ، الذي فك شفرات الاتصالات للجيش النازي خلال الربع الأخير من الحرب العالمية الثانية.

ولد آلان تورنغ سنة 1912 لأبوين عملا طويلا في الهند، التي كانت إحدى مستعمرات بريطانيا في بداية القرن العشرين. تربى تورنغ بين اخوته في إنجلترا، ليزاول تعليمه بعد ذلك في أكثر من بلاد وقارة، أولها بريطانيا ذاتها وآخرها الولايات المتحدة الأميركية، مرورا بفرنسا.

درس آلان تورنغ الرياضيات فى جامعة كامبريدج، وزاول مهنة التدريس فيها لاحقا، حيث وضع مفهومه الذي ينص على أنه “لا يمكن حل أو حساب جميع المشاكل الرياضية بالطريقة التلقائية”. ويعتبر هذا المفهوم أسّ نظرية الحاسبات الحديثة أو ما يعرف باسم “آلة تورنغ”، وهي عبارة عن نموذج نظري بسيط يحاكي طريقة عمل الكمبيوتر.

ويعطي نموذج تورنغ تعريفا رياضيا دقيقا لمصطلح “خوارزمية”، وهي مجموعة من الخطوات الرياضية والمنطقية والمتسلسلة اللازمة لحل مشكلة ما، فالآلة التي نمذجها تورنغ قادرة على تنفيذ أي حساب خوارزمي. وكان هذا الطرح سر عظمة العالم البريطاني، حيث مكنه من فك أعقد الشفرات الحربية للألمان، وهو ذاته الأسّ الأول لفلسفة الكمبيوتر الذي نعرفه اليوم.

ذهب تورنغ، في العام 1936، إلى جامعة برنستون في أميركا لمواصلة دراسته في الرياضيات، وعاد بعد عامين إلى إنكلترا حيث عمل في مقر الاتصالات الحكومية،

ولعب دورا مهمّا في فكّ شفرات رسائل الألمان، ووفر معلومات حيوية، ومخابراتية للحلفاء، وتولّى بعد ذلك قيادة الفريق الذي صمّم آلة تعرف باسم “بومب”، فأسهم بذلك في فك شفرات الرسائل الألمانية بنجاح ليصبح بعدها شخصية مشهورة في منطقة عمله في بلتشلي. “أنيجما”، وتعني بالانكليزية “لغز”، آلة ابتكرها الألمان النازيون أثناء الحرب العالمية الثانية لتشفير رسائلهم وبعثها من القيادات المركزية وأجهزة الاستخبارات والدبلوماسية إلى القيادات الميدانية الحربية والجواسيس النازيين المزروعين في دول الحلفاء.

وكانت هذه الآلة من بين نقاط القوّة الاستخبارية لقوات المحور التي ضمنت تفوقهم في الحرب، لكنّ ذلك لم يستمر طويلا، فقد مكّنت عبقرية آلان تورنغ من كشف “لغز” الألمان وإنهاء أسطورة “أنيجما”.

وانصب جهد علماء الرياضيات البريطانيون والأميركان، حينها، على إيجاد طريقة لفكّ الرسائل المشفرة لجهاز التراسل الألماني، لاسيما أمام ما تتسم به من تعقيد رقمي يستعصي على الحل. ومع ذلك نجح أول استعمال لماكينة آلان تورنغ الافتراضية في فك لغز هذه الرسائل الرقمية للعدو الألماني وكان لها بالغ التأثير في تحقيق انتصار الحلفاء على ألمانيا الهتلرية.

فيلم "لعبة التقليد"، الذي يؤرخ لحياة آلان تورنغ، حاز جوائز تقديرية عدة

بعد الحرب عمل تورنغ على تطوير أفكاره لبناء آلة لحل المشاكل الرياضية بشكل منطقي، وفي البداية كان يعمل في المختبر الوطني للفيزياء منذ عام 1945 وحتى عام 1948، ولكن خططه كانت محط رفض من زملائه والمختبر، وبذلك خسروا فرصتهم في تصميم أول كومبيوتر رقمي. وفي عام 1949 ذهب آلان تورنغ إلى جامعة مانشستر حيث أشرف على معمل الحاسبات، وساعد في وضع أساسيات مجال الذكاء الاصطناعي، وفي العام 1951 أنتخب زميلا في الجمعية الملكية.

شعار التفاحة المقضومة

اكتشف الرأي العام الإنكليزي فضيحة المثلية الجنسية لتورنغ، إثر سرقة شقته في عام 1952 حيث تبيّن للشرطة أن من قام بالسرقة هو صديق لعشيق تورنغ. وانتشرت هذه الفضيحة على نطاق واسع في المجتمع الإنكليزي، ثمّ انتهت بتقديمه للمحاكمة في 30 مارس 1953 بتهمة الشذوذ (أو المثلية).

وحكمت المحكمة عليه بأن يختار أحد الحكمين: الحكم الأول هو السجن، أما الحكم الثاني هو أن يخصى كيميائيا بواسطة حقن هرمونات أنثوية، فاختار تورنغ الحكم الثاني وهو ما تم تنفيذه. وإثر التنفيذ، تحوّلت حياة عالم الرياضيات إلى جحيم وعزلة خانقة حيث تم فصله من عمله في مركز الاتصالات الحكومية، إضافة إلى فصله من جامعة مانشستر التي كان يقوم بالتدريس فيها.

وقضى تورنغ بقية أيامه وحيدا معزولا ومنبوذا إلى أن وجد ميتا في يونيو 1954، وكشفت التحقيقات أنه مات منتحرا بسبب تناوله لتفاحة مشبعة بمادة السيانيد، وهو سم قاتل اعتاد الجواسيس على الانتحار بواسطته عند كشف أمرهم. وبهذا الانتحار أنهى تورنغ حياته العلمية والشخصية التراجيدية. وقد أكد العديد من أصدقائه وزملائه الذين واكبوا أيامه الأخيرة، أنه شعر بإحباط مكثف، وكان وضعه النفسي لا يساعده على التعاطي بشكل طبيعي مع حياته اليومية وعمله ومخابره. وهو ما دفعه إلى وضع حد لحياته، عبر قضم تفاحة تحوي سم “السيانيد” القاتل، فكانت قضمة واحدة كافية لوفاته خلال ثوان.

قضمة التفاح تلك لم تبق مجرّد حدث قام به تورنغ للانتحار، بل أصبحت اليوم شعار إحدى أهمّ شركات إنتاج الكمبيوتر والهواتف النقالة ذات التطبيقات الذكية الفائقة، وهي شركة "آبل" للكمبيوتر والإلكترونيات الدقيقة. وقد بدا أنّ اختيار الشركة لشعار "التفاحة المقضومة" قد جاء تخليدا لذكرى تورنغ، باعتباره واضع فلسفة الكمبيوتر ومؤسس النظرية العامة للإلكترونيات الذكية، غير أنّ شركة أبل أنكرت هذا الأمر، وأفادت أن التصميم لا يمت للعالم تورنغ أو بوفاته بصلة.

ويرى كثيرون أنّ نفي الشركة يعود إلى عدم رغبتها، غير المعلنة، في ربط شعارها بشخص ذي ميول مثلية، لكنها في كل الأحوال قد استفادت من الجدل الذي أثير بهذا الشأن.

كاساندرا هاتون: تورنغ يبجل مواصلة التعلم ونتيجة المزاد اختبار لإرثه وأهميته التاريخية

سينما للذاكرة

“لعبة التقليد” أو لعبة التزييف كما يحلو لبعض النقاد تسميتها، هو عنوان فيلم يروي قصة حياة تورنغ، حظي بإعجاب الجماهير والنقاد والمراقبين، ما جعل منه الفيلم الأول في دورات ومهرجانات سينمائية عديدة في السنة الأخيرة.

الفيلم من بطولة بينيديكت كامبرباتش بدور آلان تورنغ، ومن إخراج مورتين تيلدوم، وسيناريو غراهام مور، وهو مقتبس من كتاب سيرة آلان تورنغ بعنوان “اللغز” لمؤلفه البريطاني أندرو هودجز.

حظي الفيلم بعرضه الأول في مهرجان “تيلورايد السينمائي” في 29 أغسطس 2014، وعرض أيضاً في مهرجان “تورونتو” السينمائي الدولي الـ39 حيث ربح “جائزة اختيار الجماهير لأفضل فيلم”، وهي أعلى جائزة في المهرجان. ويعتبر الفيلم من أهم الأفلام الدرامية التي تؤرخ لحياة أحد العباقرة في تاريخ العلوم والسياسة في العالم، وهو نوع من السينما التأريخية التي تولي اهتماما خاصا لأشخاص بعبقرية آلان تورنغ.

يُذكر أنّه بعد 60 عاما على وفاته، حصل تورنغ على اعتذار ملكي نادر من الملكة إليزابيث عن إدانته بسبب ميوله الجنسية المثلية، وهو ما دفع به إلى الانتحار عام 1954 وهو في سن 41 عاما.

وقد أكد العديد من المراقبين أن حصول تورنغ على اعتذار رسمي من الملكة إليزابيث يعتبر حدثا استثنائيا، نظرا إلى ندرة تقديم الملكة باسم عرش بريطانيا اعتذرا لأيّ كان، فضلا عن الضيم والحكم القاسي وغير الإنساني الذي تعرّض له.

وقد تم تكريم تورنغ أيضا من قبل الحكومة البريطانية بوضع صورته على الطوابع البريدية لاختفاء بتاريخ محترم لمؤسس الكمبيوتر والرقميات والمحارب الخفي الذي قارع الألمان النازيين دون أن يحمل أي نوع من أنواع الأسلحة، سوى نبوغ عقله وقوّة تصوّره وقدرته على التنفيذ والتحقيق.

20