جدل: خطاب المساجد.. قضية أمن دولة

الجمعة 2014/01/03
خطب المساجد في تونس بعد الثورة أثقلت بما هو سياسيّ

● محمد رضا السويسي


الخطاب الديني في المساجد


لقد كان من أخطر ما نتج عن فترة استبداد نظام ابن علي بالمساجد واحتكارها لتمرير خطاب دعائي فجّ قوامه تبرير سياسات السلطة أن استفادت الحركات الدينية من تيارات الإسلام السياسي والتيارات السلفية على حد سواء باكتساب شرعية التضحية والصمود في وجه النظام، وجلبت استعطاف الناس فوجدت نفسها بعد سقوط نظام بن علي طليقة الأيدي في المساجد، فتسابقت لاحتلال المنابر وانطلقت معركة تنصيب وخلع الأئمّة وسط مظاهر من العنف الديني والسياسي الذي كان يتم أحيانا في محراب المسجد أمام أعين المصلّين، فكان الغائب الأكبر في هذا المشهد هو الإسلام الوسطي المعتدل الذي تمثل الزيتونة رمزه وعنوانه. ولئن كان هذا الأمر مبررا بحالة الانفلات الشامل في الفترة الأولى لما بعد 14 يناير 2011، فإن استمراره إلى اليوم بكل ما لذلك من تداعيات قد شوّه صورة المسجد ودوره في عيون عامة الناس، وهو أمر ازداد حدة بفعل مناورات السلطة السياسية التي تراوح مكانها بين التطمين بأنها بصدد استعادة سيطرتها على المساجد، وبين إطلاق يد الأئمة والخطباء تحت غطاء الحرية.


● عبدالله البهلول


خطاب المساجد: الإقصاء والاتقاء


خطب المساجد في تونس بعد الثورة أثقلت بما هو سياسيّ إثقالا يكاد يذهب بجانب العبادة فيها، ذلك الجانب الهادف أساسا إلى تنقية النفوس من أخطار الحقد والبغضاء والكراهية، وحملها على المحبّة والتسامح وغفر الزلّة. فإذا الأمر ينجزُ بالضدّ: مع كل خطبة تمتلئ النفوس غيظا وتزاد احتقانا، ويقوى العنف ويزداد شيوعا. آن الأوان لكبح جماح الخطب إذا أردنا مجتمعا سليما. تكبج الخطب بطرائق ثلاث:

* بإعادة النظر في حقّ الكلام، حتى يعفي الخطيب العاجز عن تحقيق نبيل المقاصد، فإذا أراد أن يسرّ النفوس أكربها.

* بتدبّر واجب النظام، وذلك بأن ينجز الخطيب خطبته في إطار المؤسسة بعد أن انفلتت المساجد منها.

* باعتبار المقام حتى يدرك الخطباء الذين يتكلمون بلسان القرن الأول للهجرة أننا نعيش في القرن الخامس للهجرة. فيغير طريقة تفكيره وتعبيره مراعيا مبدأ التعدد والاختلاف بوصفه حقيقة قائمة لا سبيل إلى إغفالها أو التغافل عنها.


● حمزة البلومي


خطاب المساجد.. قضية أمن دولة


يوجد في تونس حوالي 5 آلاف مسجد وجامع تشرف عليها وزارة الشؤون الدينية، عرف عدد كبير منها انفلاتا واضحا وسيطر عليها رجال دين جدد أنزَلوا من منابرها في البداية الأئمة المعروفين بانتمائهم للتجمع الدستوري المنحل (حزب الرئيس المخلوع) وعوضوهم في صمت أو مباركة وزارة الشؤون الدينية التي انتهجت بدورها سياسة عزل “الأئمة التجمعيين”. سياسة العزل هذه خرجت عن سيطرة الوزارة ولم ينزّل من المنابر الأئمة المنتمين إلى التجمع فحسب، بل كل من تعجب آراءه مجموعة من المصلين. وراح ضحيتها عدد كبير ممن يمكن اعتبارهم “أئمة معتدلين”. وهنا فتح باب لسيطرة جماعات وفرق دينية متشددة على المساجد ونصبت أتباعها على المنابر، فكانت بداية ظهور الخطاب الديني المنفلت المتشنج العنيف الارتجالي والمسيس بامتياز. وتجاوز عدد المساجد الخارجة عن سيطرة الدولة الـ 1000 مسجد، وانتشر تنافس بين مختلف المجموعات للسيطرة على أكبر عدد منها، فصارت توجد مساجد للسلفية الجهادية، وأخرى للسلفية العلمية، وثالثة لأتباع حزب التحرير وأخرى لأنصار حركة النهضة.


● عباس بيضون


الإخوان ومستقبل الإسلام السياسي


أول ما يمكن ملاحظته في تجربة الإخوان هو ازدواج السلطة والتنظيم، الازدواج ذاته الذي نجده في شتى الأحزاب الشمولية، الشيوعية والنازية التي يبدو أن الشمولية الإسلامية لا تختلف كثيراً عنها. ففي تونس ازدوجت النهضة والسلطة وتدامجتا ولم تكن تجربة التحالف السياسي سوى ذريعة لتركيز النهضة، أما في مصر فالأمر ذاته وإن كان بعلانية أكبر ووحدانية أكثر فالإخوان المسلمون في مصر لم يجتذبوا إلى صفهم تنظيماً كحزب النور السلفي ولم يكن تحالفهم مع الوسط سوى ارتهان للوسط الأضعف من أن يشكل حليفا متطلبا، كذلك الأمر مع الجماعة الإسلامية، والحقيقة أن إخوان مصر انفردوا بالسلطة انفراداً يكاد يكون كلياً. وإذا كانوا قد أفسحوا قليلا لحلفائهم كما أفسحوا للجماعة الإسلامية فإن هذا لم يكن سوى ثمن لولاء واستتباع هؤلاء. إخوان مصر وربما كذلك نهضة تونس يتحركون على الأرض وفي ضمائرهم وفي نفوسهم شبح الخلافة. بل شبح الخلافة كما نظّروا هم لها وكما رأوها. الدولة هي هنا جهاز عقائدي حزبي وتحويلها إلى جهاز كهذا يحتاج إلى عمليات تطهير وعمليات تطعيم كثيرة.


● خليل كلفت


في سبيل تفادي حرب أهلية إخوانية


تدور في مصر الآن بدايات حرب أهلية يراها بوضوح كل ذي عينيْن. ويتضح بصورة متزايدة أن هدف جماعة الإخوان المسلمين من وراء البدء في هذه المواجهات المسلحة لا يقف عند حدّ الانتقام أو الترويع للترويع والإرهاب للإرهاب. ولا مناص من استخلاص الهدف الحقيقي للإرهاب الإخواني، وهو استعادة السلطة التي لم تَعُدْ هناك وسيلة محتملة لاستعادتها سوى الحرب الأهلية. ورغم معاينتنا اليقينية منذ ثورة 25 يناير لواقع الإفلاس الفكري لجميع قيادات هذه الجماعة الإسلامية الإرهابية، فإنه لا ينبغي الاستخفاف بقدراتهم السياسية والمالية والعسكرية الكبيرة التي زيَّنتْ لهم احتمال استعادة السلطة بالقوة حتى إذا بلغ حدّ استعمال القوة مستوى الحرب الأهلية.

ونظرا لأن الإخوان تغلغلوا في النظام المصري في عهد السادات وعهد مبارك ثم في عهدهم منذ ثورة يناير، ونظرا لأن هذا التغلغل بلغ مستوى دولة إخوانية داخل الدولة، فلم يكن من المتوقع أن يسلِّموا بهزيمتهم. وما دامت قوتهم الفعلية هي التي أغرتْهم وتُواصل إغراءهم بالشروع في “غزوة” استعادة السلطة فإن علينا ألَّا نستخف بهذه القوة وأن نُدرك أن خطر الاستعادة ما زال قائما.

13