جدل رمضاني عن الجنة والنار

الأربعاء 2014/07/09

كنت في إحدى الجلسات الجدلية، والتي أصبح يمقتها الكثيرون الآن، ولكني اضطررت للتواجد هناك، وكان الحديث الدائر هو النار والجنة! ودائما في هذه النقاشات تجد وصف النار أطول وأقوى وأعمق، إلى درجة أن الرهبة من مجرد التفكير فيه تجعلك تنسى الجنة ونعيمها وما يوجد فيها، بل ويلهيك عن التفكير في جهنم كمفهوم وعن أسباب دخولها، بل ينحصر كل التفكير في العذاب وألوانه وأشكاله وكأنهم رأوها.

وقررت على سبيل التخفيف من حدة الموقف ورهبته التدخل في الحـوار خـلال تلك الأمسية الرمضانية التي جمعتنا واشتبك المتحاورون خلالها، وخصوصا أنه مع هذا الكم من الترهيب يلغى العقل والمنطق، وتبقى فقط الرهبة والرعب من العذاب والعقاب، وقلت بالحرف (حتى وإن كانت الجنة كاملة العدد، فإنني أعيش في الدنيا وكلي أمل في أن يكون مازال هناك مكـان شاغـر أستطيـع أن أشغله عندمـا تحين ساعة رحيلي)، ورأيت نظرات مختلفة من الاستغراب إلى الارتياب إلى التشكيك لم أفهم سببها.

وأراد أحد الحاضرين، وهو يتصف بالنية السليمة والبساطة، أن ينهي الجدل القائم في هذا الموضوع بمقولة اعتقدت أنها ستمر مرور الكرام ولكنه لم يحسب حساب الجالسين وتشددهم وقال: (محدش مات وطلع فوق ورجع قال لنا إيه اللي حصل، ولا الجنة فيها إيه ولا النار عامله إزاي!!).

وقامت الدنيا ولم تقعد وكأنهم وجدوا بيت القصيد، واتهم الرجل بجميع أشكال الاتهامات بداية من الكفر، وصولا إلى الشبهة في العقيدة، ومرورا بالجنون. والتزم هو الصمت التام ولم يحاول حتى الرد أو الدفاع عن نفسه.

وللأسف كل الاتهامات كانت شخصية، ولم يذكر أحد منهم القرآن ووعد الله الحق لنا بالجنة والفردوس الأعلى ليس فقط لمن تاب وآمن وعمل عملا صالحا، وإنما لكل من قال «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» قولا وفعلا وآمن بالله ورسوله والقدر خيره وشره، صدق الله وعده.

ولم يذكروا الأحاديث النبوية المبشرة بالخير، وبشفاعة سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام ولا حتى الأحاديث القدسية وتبشيرها للمؤمن بأن من كان مع الله فهو حسبه، ووجدت نفسي أرد بالنيابة عنه لا كمدافع، ولكن لأنه قال الجملة دون نية توضيحها وتفسيرها، ولأنني أؤمن بأن الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الطيبة، دافعت عنه ولكن دار في ذهني أكثر من تساؤل، هل يحتاج الفرد منا إلى إثبات يفيد سلامة عقيدته؟ ألا يطلع الله على قلوبنا؟ إنه الله الذي يعلم السر وأخفى! إنه الأقرب إلينا من حبل الوريد! لماذا أصبحت علامة التشدد في الدين هي الترهيب والوعيد، وليس الترغيب والتحبيب؟ ولماذا تكون لغة المتشددين هي التهديد؟ لماذا يجب أن يخشى المرء من النار حتى يتمنى أن يدخل الجنة؟ ولماذا ينصب بعضنا بعضا لبعض المشانق ويحلو للبعض منا سلخ جلد الآخر وتكذيبه وتكفيره، بدلا من نصحه وإرشاده.

كل الأديان صدقت بالقول (إن الله محبة)، وكل الأديان وجب الحب فيها أن يكون لله، أي أن يكون الحب خالصاً لوجه الله الكريم دون غرض أو مصلحة. ولماذا لا نجرب العكس، نستبدل لغة التهديد بالحسنى، ونستبدل ذكر النار بذكر الجنة التي تجري من تحتها الأنهار، لماذا لا نطلق دعوة للتسامح والحب في الله؟

نسوا أم تناسوا وعد الله الحق بجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. اللهم اجعلنا منهم يا رب، ووقتها ستكون هناك أماكن شاغرة لنا جميعا.


كاتب مصري

9