جدل سرطاني

الأربعاء 2015/01/28

أكلة السرطان شبيهة بقصة قصيرة، تفاصيل معقدة تحفها قبل أن تستوي، وفي النهاية لا ينطوي الأمر على غنم كبير، تتجلى الأكلة في المحصلة كخسارة للتعب، طلاوة في الحلق، لا تغني من جوع، ثمة فقط لذة التقشير للكنه الفقير.

وفي بدايات عملي حول الصورة السردية، كان مفهوم الامتداد الصوري لا يتمثل إلى ذهني إلا عبر الخلية السرطانية الموجعة وذات العمق الخطير والنادر، اعتقدت ولا أزال أن الصور لا تخضع للضخامة ولا للكتل المكتملة والمشبعة، ولا يمكن عزلها عن مسار استشرائها، وتفاقمها، وإنما هي نسغ حار ملتبس بالـ”ماقبل” والـ”مابعد” في السياق النصي المفرد؛ شيء شبيه بأكلة السرطان المتبلة، حيث الماء هو خلاصة الأكلة، مثلما هو شبيه بالخلية السرطانية الخبيثة، التي تستعصي على الضبط، وتندّ عن الحصر، وكل محاولة لاجتثاث وجودها، الملتبس بمكونات الجسد، فيه هلاك الروح المستترة.

كان إدوارد سعيد، قبل سقوطه في وهدة السرطان الحي، مدمنا على أكلة السرطان، مع النبيذ الأبيض الرفيع، مثلما كان معتادا على النهوض باكرا لكتابة عشرات المقالات الصحفية، التي كانت شبيهة بخلايا سرطانية متصلة بنواة كبرى، هي أطروحته عن “الاستشراق” و”الثقافة الأمبريالية”.

وحين زار المغرب واستضافه “محمد برادة” و”ليلى شهيد” في بيتهما بالرباط، تفاجآ بهذه العادة المهلكة، وحين استفسراه عن سرّ الأمر، قال لهما ببساطة هي “جرعات” مخففة لموقف نقدي موجه للأكاديميين، ولا يستسيغه القارئ العادي، لهذا فهو مضطرّ إلى كتابتها لضرورة “الانتشار” في سياق أميركي أنهكه “السرطان الصهيوني”، طبعا لم يدر بخلده أن لفظتي “الجرعة” و”الانتشار” شأن سرطاني موجع.

والشيء المؤكد أن كل المعاني المرزئة للفظتي: “الجرع” و”الانتشار” كانت دوما شأنا أدبيا معتادا، بالقوة القاهرة، قبل “إدوارد سعيد” وبعده، لهذا التبست أغلب الكتابات العظيمة بالكنه السرطاني، سواء بالقياس إلى تشكل الصور، أو بالنظر إلى مآل الجسد المولع بأكلة السرطان.

هي قليلة وفقيرة ولا يشبع منها، ولا تقاس بالكمّ ولا بالصفحات والمجلدات، خلاياها موبوءة دوما، وجاهزة للتلف، بل إن أغلب الكتابات العظيمة مرّت بحكايات ولادة ونشر معقدة، شبيهة بطهو أكلة السرطان، قبل أن ينتهي الأمر بأصحابها إلى مساحات بيضاء مسكونة بالروائح النفاذة للمحاليل وجرعات الدواء الكيميائي، والأشعة السينية المبتهلة لإيقاف زحف الخلايا السرطانية الناهبة للجسد العليل.


كاتب من المغرب

15