جدل: عبد الناصر والحقبة القبطية للإخوان

الأربعاء 2013/12/18
الظاهرة القطبية ترسخت في الجماعة

● توفيق شومان

ضياع فرصة بناء تيار إسلامي مدني

من حقائق التاريخ السياسي القريب، أن ظاهرة «الإسلام القطبي» أنتجتها حمأة الصراع الناصري- الإخواني في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، استناداً إلى كتابين لسيد قطب هما «معالم في الطريق» و«في ظلال القرآن»، ورغم المراجعة النظرية التي قدمها المرشد العام الأسبق لـ«جماعة الإخوان» حسن الهضيبي في كتابه الشهير «دعاة لا قضاة»، إلا أن الظاهرة القطبية، كانت قد ترسخت في المنظومة العقائدية لبعض قياديي الجماعة ومريديهم، فخرجوا عنها ومنها لاحقاً، ليشكلوا أطرهم الخاصة، أو يلتحقوا بظواهر إسلامية ناشئة، انبثقت عنها «الجماعة الإسلامية» (بقيادة عمر عبد الرحمن المعتقل في الولايات المتحدة منذ عام 1993) التي خاضت «حرباً مقدسة» ضد السلطات المصرية في الثمانينات، وكذلك تبلور تنظيم «الجهاد» بزعامة محمد عبد السلام فرج الذي أصدر كتابه المعروف «الفريضة الغائبة» عام 1980، الذي صاغ منظومة عنفية خلاصتها «قتال العدو القريب أولى من قتال العدو البعيد».


● سامح عيد

رسائل البنا التكفيرية

بمنتهى البساطة أنهى حسن البنا تجارب البشرية كلها، وقال «الإسلام هو الحل» وهرب من التفصيل، وقال إنه سيكون له جولات يفصل فيها ما يقول وانتهى أجله ولم يفصل لنا، ليأتي هذا العصر ويصل أتباعه إلى الحكم بمشروع النهضة، أو بـ«الإسلام هو الحل» لنجد فشلاً ذريعًا، مع العلم أن الحضارة التي بناها المسلمون والتشريعات التي صنعوها في تاريخهم الطويل كانت نتاجا بشريا بمقتضى التجرية والاستفادة من الحضارات التي عاصرتهم، فالقرآن لا يفصل في مثل هذه الأمور، ولكنه يتحدث عن الكليات وعن العدالة والحرية والتعايش والسلام أو ما يسمى بالمقاصد العليا للشريعة، والبشر يجربون ويتعلمون حتى يحققوا تلك القيم الكلية والمقاصد العليا، ومن الممكن أن يصيبوا وأن يخفقوا فيجوِّدوا إصابتهم ويعالجوا إخفاقاتهم، وإلا فما معنى الاستخلاف في الأرض إذا كان التفصيل موجودا، ولكن البنا أراد أن يعزل مريديه عن تلك المؤثرات الخارجية بكلمة «الإسلام»، ولذلك كان معظم أتباعه من العوام. وهناك حديث للرسول عليه الصلاة والسلام «الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أولى بها».


● توفيق المديني

من أين يأتي جهاديو تونس؟

في سياق تشخيص الدوافع الكامنة وراء ظهور الأيديولوجيا التكفيرية، تقدم الباحثة المغربية في معهد الدروس السياسية في باريس، سلمى بلعالا، تحليلاً حول ولادة العنف التكفيري المفرط في أحزمة المدن الفقيرة المغربية، الذي يشابه إلى حد كبير العنف الأصولي التونسي. فالعنف التكفيري ينبت من القطيعة بين سكان مفككي الأوصال الاجتماعية في ضواحي المدن وباقي المجتمع. فالغضب الكبير من العالم وجد في التكفير إطاراً أيديولوجياً مناسباً له لينتظم فيه شباب هذه الأحياء فيخرجهم من عزلتهم، ويحولهم صوب العنف السياسي الموجه ضد بلد بأكمله. وتشكل الميليشيا التكفيرية عصبة مغلقة من شروط الالتزام السياسي للناشطين والأتباع فيها، والقطيعة بلا رجعة مع العائلة والإدارة والمجتمع. فينتقل التكفيريون عندها إلى العنف من أجل «طرد الشر» و«إعلاء الخير» داخل الغيتو. من خلال استبدالهم التبشير و«الكلمة الصالحة» بالتوجيه العنفي فإنهم يُقدِمون على قطيعة عميقة مع المحاولات السياسية لاجتذاب المريدين، بالنزوع إلى أعمال التطهير، لاسيما أنهم يعتبرون السكان ضائعين أبدا في «ظلمة هذا العالم».


● العربي بن ثاير

الإسلام السياسي والفلسفة الذرائعية للمشروع المجتمعي


إن دكتاتورية الحركات الدينية الإسلامية اليمينية، والنهضة جزء منها، ناشئة أولا عن بنية نفسية تتعامل مع الآخر المخالف بالتقليل غالبا من قيمته الأخلاقية، بل تصل إلى حد الاستنقاص من آدميته وإنسانيته فضلا عن إلغاء فعلي لمواطنته؛ فرغم «الاعتراف» بهذه المواطنة على الصعيد الظاهري والشكلي للخطاب الرسمي، يتم انتهاك هذا الاعتراف المعلن يوميا وفعليا من خلال الممارسة العملية والسلوكيات التي تندّ عن الأنصار والقواعد وحتى المتعاطفين لطبيعة العمل التجييشي العقائدي المستمر الذي يخضعون له، وتعكس شبه إجماع سكوتي يمتد من القواعد ليبلغ القيادات والعكس صحيح أيضا، فلا تجد تلك القواعد «رادعا» لها لدى القيادات بل لعله يكون ضربا من توزيع للأدوار بين الخطاب الرسمي المعد للإعلام وهو ما تقوم به القيادات العليا، وبين الخطاب الشعبي المعد للتجييش ومحاصرة الخصوم وهو ما تقوم به القيادات الوسطى وحتى الدنيا شديدة الحماس، ويتم التعامل مع الآخر المختلف كشرٍّ موجود لكن من المأمول إزالته بأسرع الأوقات؛ لأنه من الفئة التي تردّت «في أسفل سافلين».


● أنس الطريقي

شر البلية ألا نراجع مفهوم الحاكمية

ظهر منذ القدم الإسلاميّ رجال حاولوا حل عقدة سؤال الحاكمية، لكنّ تنظيراتهم لم تحسم الأمر، كانوا في الغالب أبناء وعي أزمنتهم الخاصّة، المحكومة باستمرارية تاريخية متعالية ذات مضمون «مؤزّل» لهذا المفهوم يشطر العالم إلى نصفين: عالم يعتنقه ويرضى بنتائجه في كلّ مجالات حياته فهو عالم مهدي، وعالم يتمرّد عليه، فهو محلّ الهداية أو التصحيح. ومحمّد عبده وحسن البنّا يبدوان بالنسبة إلى الزمانيّة الراهنة للفكر العربي والإسلاميّ المعاصر الممثّلين لسلطة التأزيل لتلك الاستمراريّة الفاصلة بين الإسلامي والعلماني.

ينبغي تنسيب التسوية بين عبده والبنّا في مستوى عمق التنظير الفكريّ؛ فالاعتبار الذي يراعى هنا هو التأثير في هذه الاستمراريّة، وإن كان بدوره مختلفا من حيث الاتساع والعلمية؛ فتماما كما تخرّج من تحت عباءة عبده العلماني والإسلاموي، أحمد لطفي السيّد (ت 1963) ومحمّد رشيد رضا(ت 1935)، تخرّجت على فكر البنّا جلّ فروع الحركة الإسلاميّة المعاصرة، من سيّد قطب (ت1966) إلى يوسف القرضاوي.

13