جدل عن شعرية اللغة الروائية

الشعر لم يتوقف تأثيره على لغة الرواية ومنظورها السردي وحسب، بل نجده ماثلا في فنون وأجناس أدبية أخرى.
الثلاثاء 2019/09/03
الرواية والشعر ليسا متناقضين (لوحة للفنانة غلناز فتحي)

يكثر الجدل بين عدد من الدارسين وكتاب الرواية حول الوظيفة التي تقوم بها شعرية اللغة في الرواية وأثرها على بنيتها السردية والحكائية. يتهم أصحاب المواقف المناهضة لهذه اللغة كتاب الرواية الذين يستخدمون شعرية اللغة في كتابة الرواية بأنهم يستخدمون هذه اللغة للتغطية على ضعف البنية السردية للرواية، من خلال توظيف جماليات هذه اللغة وتوترها في تحقيق التأثير المطلوب في المتلقي على حساب تنامي حركة السرد وتطوره من خلال تطور أحداث الرواية.

ويضيف أصحاب هذا الموقف أن كتاب هذا النوع من الروايات هم شعراء فاشلون جاؤوا إلى الرواية من عالم الشعر، ولذلك يحاولون من خلال استخدام هذه اللغة المجازية والمتوترة تحقيق ما عجزوا عن تحقيقه في عالم الشعر.

بالمقابل يدافع أصحاب شعرية الرواية عن استخدام هذه اللغة بأنها تشكل علامة أساسية من علامات الرواية الحديثة، بل يعتبرون أنها هي التي أسهمت في ظهور هذه الرواية في ستينات القرن الماضي. ويرجع هؤلاء الكتاب ظهور هذا الاتجاه في الكتابة الروائية الحديثة إلى تأثير الرواية الجديدة التي ظهرت في فرنسا، وأثرت على كتاب الرواية في العالم. ويبرر هؤلاء الكتاب استخدام هذه اللغة في الكتابة السردية بالتأثير السحري الذي تخلفه عند القارئ، إذ تقوم بتحرير الدال وتركه مفتوحا على تأويلات مختلفة تختلف باختلاف القارئ، ما يخلق ثراء دلاليا في الرواية الشعرية.

يتجاهل أصحاب الموقف الأول حقائق مهمة في الكتابة الروائية وأهمها أن ليست هناك وصفة وحيدة جاهزة لكتابة الرواية لأن ذلك يفقر تجربة الكتابة ويضعها داخل إطار من المحددات المفروضة على لغتها ومقارباتها للواقع والأشياء، وهذا يضر بالرواية وآفاق الكتابة الجديدة كما هو حاصل في هذا الموقف. كذلك يتجاهلون مسألة مهمة تتعلق بانزياح الحدود بين أجناس الكتابة والفنون المختلفة، وهي مسألة ليست حديثة وإن كانت اتخذت بعدا أوسع في الآداب والفنون الحديثة.

إن فرض نوع من اللغة على الكتابة الروائية هو سعي لإغلاق أفق التجريب من جهة، ومنع الرواية من الاستفادة من الفنون الأخرى كما استفاد الشعر من تقنية السرد والقصة من الشعر من جهة أخرى.

ويقدم أصحاب هذا الاتجاه لتبرير موقفهم أمثلة مستمدة من تجارب روائية، فالروائية أحلام مستغانمي بدأت حياتها الأدبية شاعرة، وقدمت نفسها من خلال ديوان “الكتابة العارية” الذي تميزت لغة قصائده بالتكثيف والجرأة في فضح الواقع الاجتماعي والسياسي، وهو ما سيظل حاضرا في أعمالها الروائية التالية ما يعني أن شخصية الشاعرة التي كانتها لم تزل حاضرة في كتابتها الروائية. كذلك يستندون إلى تلك المقدمات الشعرية التي صدَّر بها الروائي السوري حيدر حيدر فصول روايته “وليمة لأعشاب البحر” ورواية “الزمن الموحش” ما يظهر ولعه بالشعر وتأثير ذلك على الرواية عنده.

إن هذه المحاولة من الفصل بين الأجناس الأدبية تتجاهل الاستخدام المكثف للسرد في كتابة قصيدة النثر الراهنة، مع العلم أن السرد ليس طارئا على القصيدة العربية حتى القديمة منها كما في قصيدة مالك بن الريب الذي يرثي فيها نفسه أو في قصائد امرؤ القيس وغيره. فهل يختلف أثر السرد في القصيدة عن أثر اللغة الشعرية في السرد الحكائي؟

إن هذه القراءة لتأثير اللغة الشعرية تتجاهل الأثر الذي خلفه هذا التداخل بين الأجناس الأدبية والفنون على مستوى تجديد وإثراء أدوات التعبير ومعجم اللغة في كل من القصيدة والسرد الحكائي. الشعر لم يتوقف تأثيره على لغة الرواية ومنظورها السردي وحسب، بل نجده ماثلا في الفنون والأجناس الأدبية الأخرى. وهكذا يمكن أن نتحدث عن السينما الشعرية كما يمكن أن نتحدث عن تأثير الشعر في الفن التشكيلي والمسرح.

لقد كانت شاعرية السرد الروائي هي أحد الإنجازات الأسلوبية الخاصة للرواية العربية، وهي شاعرية يمكن أن نجدها في الصورة والشاعرية الصوفية في الرواية، لذلك فالمشكلة التي يتحدث عنها أصحاب هذا الاتجاه لا تتعلق بشعرية السرد بقدر ما ترتبط بقدرة الروائي/الروائية في توظيفها الناجع بحيث لا تتحول عبئا على تنامي هذا السرد وتطور إيقاعه، عندما ينشغل الروائي أو الروائية على حساب الاهتمام ببنية العمل الروائي وتكامل عناصر بنائه، ما يجعل هذه اللغة تشكل مساحة من الانقطاع في حركة السرد. لذلك يمكن حذف هذه المساحات دون أن يؤثر ذلك على بنية العمل الروائي، إن لم يكن يسهم في تحريره من الانقطاع في حركته كما هو الحال في بعض الأعمال الروائية كـ“ذاكرة الجسد” على سبيل المثال، في حين أن شاعرية التصوير في هذه الرواية تضفي جمالية خاصة على الوصف وتزيد من تأثير اللغة الواصفة.

بالمقابل يتجاهل كتاب وكاتبات الرواية المدافعون عن شعرية الرواية، تحول الشعرية إلى غاية في حد ذاتها. إن هذا الانشغال الكبير بشعرية الرواية يجعلها تشكل عبئا حقيقيا على عالم السرد حيث تتحول هذه اللغة إلى مساحات واسعة أشبه بالجزر المعزولة داخل البنية السردية، وبالتالي توقف أو تبطئ تطور وقائع الرواية ونمو السرد فيها.

بالمقابل لم تنجح لغة النثر في روايات عديدة في إنقاذ بنية السرد الروائي من الترهل والاستغراق في التفاصيل المملة في محاولة لتقديم صورة شديدة الواقعية عن الواقع وكأن الكاتب أو الكاتبة من خلال هذه الاستعادة الواسعة لعالم الواقع يريد أن يستعيد ماضيا عاشه ويريد من القارئ أن يعيشه معه، ولكن على حساب تطور السرد وتنامي وقائعه كما يجب، الأمر الذي يجعل المشكلة لا تتمثل في شعرية اللغة بل في توظيفها، وهو الأمر الذي ينطبق على استخدام اللغة التقريرية في الرواية.

16