جدل فرنسي متجدد في المسألة العرقية

المجتمعات المعاصرة تقوم على منظومة تصنيف الطبقة والعرق والدين والجنس.
الأحد 2020/03/22
تتناقض الآراء إلى حد التضارب بصدد فكرة العرق (غرافيك الجديد)

عاد الجدل في فرنسا حول “العرقية”، بعد أن تعاقبت في الأعوام الأخيرة أحداث عديدة، كمطالبة بعض النواب بإلغاء عبارة “عرق” من الدستور الفرنسي، وإدانة اجتماعات نقابية تعقد بين البيض وحدهم، وانتقاد أعمال مسرحية وفنية تعيد إنتاج النمطية العرقية، وصدور حكم قضائي ضد تفتيش البوليس الأهالي بحسب لون بشرتهم. ويهمنا هنا أن نتوقف عند نظرة علماء الاجتماع إلى هذه المسألة، التي لا تكاد تُغمَر إلا لتطفو من جديد.

اكتسى الجدل عن العِرق طابع سجال حامٍ في وسائل الإعلام ومنابرها التلفزيونية ليكشف عن خلاف دلالي حول عبارتي “العرق” و”العرقية” بحسب الظروف ووجهات النظر، ولّد أحيانا وصم المتناظرين بعضهم بعضا بالعنصرية. ولكن السجال ما كان ليبلغ ذلك العنف لولا استناده إلى مساءلات سياسية عن جوهر المسألة العرقية في فرنسا، التي تستثير ذاكرة الماضي الكولونيالي، وذاكرة الاسترقاق، وحتى ذاكرة العمالة مع حكومة فيشي، وتطرح سؤال تفرعاتها المعاصرة. فهي تسائل بنية التفاوت الاجتماعي واستمراره حسب مواصفات وترتيبات لا علاقة لها بالجندر وحده ولا بالطبقة فقط، كما تطرح سؤال المسؤولية، فردية كانت أم جماعية أم مؤسساتية، والوسائل القانونية والسياسية واللغوية والفكرية اللازمة لإلغاء الحيف الصارخ في التعامل مع فئات مجتمعية بعينها، سواء في الحصول على السكن أو الشغل أم في استعمال المدرسة كمصعد اجتماعي.

غير أن استقطاب الإعلام لهذا الجدل من زاوية ثنائية متقابلة لا يفي بما في المساجلات العلمية من تعقيد ولا بموقف الباحثين من تلك المواضيع، وهم الذين لم يدّخروا جهدا في تناول هذه المسألة بالدرس والتحليل، يشهد على ذلك تعدد الندوات والدوريات والأعداد الخاصة التي تعالجها من شتى أوجهها.

كوليت غيّومان: الأعراق ليست معطى طبيعيا، بل نتاجات اجتماعية، متباينة ومتغيرة
كوليت غيّومان: الأعراق ليست معطى طبيعيا، بل نتاجات اجتماعية، متباينة ومتغيرة

والسؤال الذي يطرح دائما هو ما المقصود بالعرق بالضبط؟ أما ما يتفرّع عنه فيمكن اختصاره في ما يلي: كيف يمكن استعمال الفئات العرقية في بحوث العلوم الاجتماعية بشكل لا يؤدي إلى تصنيف الظواهر التي تلاحظها؟ وما وضع العرق في علاقته بفئات أخرى من المجتمع؟ وهل العرقية ناتجة عن أفراد سيئي القصد والطوية أم هي تندرج في بنية المجتمع؟ وهل يمكن دراسة العرق بمعزل عن الاعتبارات السياسية والنضالية؟

الملاحظ أن استعمالات عبارة “عرق” في العلوم الاجتماعية تختلف عن مفهومها في الأيديولوجيا العنصرية، فلئن ادّعى النازيون مثلا أن العرق الآري أرقى من بقية الأعراق، ودعموا مزاعمهم ببحوث شبه علمية، فإن منظمة اليونسكو فنّدت ذلك منذ عام 1949 واستندت إلى علماء ومفكرين مثل كلود ليفي ستراوس أثبتوا وحدة جينات الكائن البشري بنسبة 99.9 بالمئة، ولكن العرق كحاجز متخيل بين الجماعات لم يَزُل.

تقول عالمة الاجتماع كوليت غِيّومان “مفهوم العرق هو أداة قتل، وسيلة تقنية للقتل، وفعاليته مشهود بها. فهو وسيلة لعقلنة العنف القاتل وتنظيمه بشكل يخلق هيمنة فئات اجتماعية قوية على فئات اجتماعية أخرى مستضعفة”. ومن ثَمّ، فإن العلوم الاجتماعية لا يمكن أن تتجاهل هذا المفهوم، ليس بهدف إجراء تحديد مسبق للأعراق وإنما بغية تلمّس الطريقة التي ينظر بها كل مجتمع إلى “الآخرين”، كالسود والعرب والغجر، ويضفي عليهم سمات متناسقة ومتواصلة تعمل على جوهرتهم. وبسبب انحرافها القاتل، تطوّرت هذه الظاهرة لتأخذ أشكال تعبير مغايرة تجد القبول في الديمقراطيات الغربية. فقد تراجعت القوالب النمطية الفجة التي تزعم دونية العرب والسود جسديا وأخلاقيا، ولكن حلّت محلها عنصرية توصف بالـ”رمزية” تقوم على الاختلافات الثقافية والاجتماعية المزعومة، وصار ينظر إليهم كفئات لا تحترم قيم البلاد التقليدية ويحمّلونها تردي أوضاعهم الاجتماعية. ولئن غابت العنصرية في الخطاب المباشر بحكم القانون، فإنها لا تزال تتبدى في السلوك اليومي، من خلال التضييق في مجالات الشغل والسكن والعلاج، وفي عمليات التفتيش والمراقبة، وحتى في المُزح ونظرات الاحتقار.

للتمييز بين الـ”عرق” لدى العنصري والـ”عرق” لدى عالم الاجتماع، اقترحت كوليت غيّومان منذ مطلع السبعينات في كتاب “الأيديولوجيا العنصرية” استعمال مصطلح “عَنصرة” (racisation) كوسيلة للتعامل مع العرق بوصفه حصيلة مسعى يضع فئة مجتمعية في خانة غيرية ودونية تُضفى عليها جملة من الخصائص يقال إنها موروثة، فيخلق المجتمع من خلال عملية اشتغاله نفسِها ما تسميه “مُعنصَرين”. وبذلك لا تكون الأعراق معطى طبيعيا لا يقبل التغيير، بل نتاجات اجتماعية لها موقعها من التاريخ، متباينة عن بعضها بعضا، ومتحوّلة، ما يجعل فئة “معنصَرة” تغادر وضعها، وأخرى غير “معنصرة” تغدو مع الأيام كذلك. غير أن دراسة مسارات الإنتاج، في ظرف ما، لا تخلو من مخاطر. أول تلك المخاطر مرتبط بشروط تلقي مثل تلك الدراسات، فالحذر المنهجي والمعقَّفات والهوامش أسفل الصفحة لا تظهر في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، ما يعطي انطباعا عكسيا، إذ يوضع العرب والسود في خانة يحاول بعضهم تلطيفها باستعمال مصطلح “غير البيض”.

رشيدة إبراهيم: الجرائم العنصرية حتمت علي استعمال فئة العرق
رشيدة إبراهيم: الجرائم العنصرية حتمت علي استعمال فئة العرق

وثاني تلك المخاطر هو التوسل بها لغايات سياسية، كما فعل ساركوزي عندما لجأ إلى باحثين في العلوم الاجتماعية ليضفي على سياسة استقبال المهاجرين أبعادا إثنية عرقية.

وقد بيّن الأنثروبولوجي أري غورديان أن باحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية درسوا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كيف ظهرت، خصوصا في المرحلة الكولونيالية، فكرةٌ مفادها أن الإنسانية ستكون مقسّمة إلى مجموعات ثقافية وبيولوجية متباينة وغير متساوية، وأوضحوا الكيفية التي يعاد بواسطتها إنتاج المعاملات غير المتكافئة والعنف الشامل وأشكال الإقصاء المرتبطة بتلك الفكرة. وقد جُعل صنف العرق ومشتقاته في الغالب بين معقفين لتسمية تلك الظواهر وتحليلها، والغاية لم تكن إعادة الاعتبار للنظريات والأيديولوجيات العنصرية، وإنما تفكيك الفكر العنصري وخطابه، بشرح الميكانيزمات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تهدف إلى الإقصاء عن طريق التحديد العرقي.

ولكن حتى عندما يقع تحديد العرق كبنية اجتماعية، فإن العبارة نفسها هي التي لا تزال تستعمل لدى الأكاديميين، برغم تداولها تاريخيا كمبرر لاستعباد مجموعات بشرية والهيمنة عليها وإبادتها. وطالما أن المعنى الذين يطلقه الجامعيون على فئة العرق محدد بوضوح، فإن استعماله مشروع، لأن تحديد المفاهيم جزء لا يتجزأ من مسار الكتابة الأكاديمية.

وإذا كان الجدل لا يخصّ الجامعيين وحدهم، فلأن السياسيين هم الذين يدفعون الباحثين إلى تناول هذه الظواهر الاجتماعية بالدرس.

العرق هو وسيلة لعقلنة العنف القاتل (لوحة للفنانة فاليريا أمير )
العرق هو وسيلة لعقلنة العنف القاتل (لوحة للفنانة فاليريا أمير )

نفس الموقف تتبناه عالمة الاجتماع رشيدة إبراهيم، إذ تعتبر أن بحثها في الجرائم العنصرية التي طالت المهاجرين المغاربيين وأبناءهم ما بين 1970 و1990 حتّمت عليها استعمال فئة العرق، لأن الضحايا ينتمون إلى مجموعة تتميز بسمات توحّدها، من حيث النوع والطبقة والعرق. ولو أنها تعرّف العرق بكونه ما يسبق وما يتبع مصير الفرد اجتماعيّا دون أن يكون قد تَمثل ذاته بالضرورة وفق هذه المواصفات، وما هي إلا جملة من الملامح البدنية والثقافية أضفيت عليها قيمة سلبية، في عملية وصم تسمح بفرز أفراد تلك المجموعة واستنقاصهم.

مغالي بيسون: الفئات الاجتماعية معنصَرة، أي موضوعة في موضع تبعية أو حظوة
مغالي بيسون: الفئات الاجتماعية معنصَرة، أي موضوعة في موضع تبعية أو حظوة

ولا مناص في رأيها من استحضار العرق لوضعه في إطار فكري يسمح بإبراز العنف المسلَّط على أجساد تحاول التنقل في أماكن فاقدة للإنسانية بضواحي المدن، وفي الأحياء والمنازل والمصانع ومخافر الشرطة والمراكز الحدودية؛ ومن الاقتناع بأن الفئات الاجتماعية، من تجارة العبيد الأفارقة إلى الهجرات الأحدث عهدا مرورا بتوسع الإمبراطورية الكولونيالية، كانت ولا تزال أحد الوجوه الكبرى للتفرقة الاجتماعية في الفترة الحديثة والمعاصرة. ولا تزال تلك الفئات عرضة للشك في شرعية وجودها، لأن الكشف عنها يناقض صراحة الفكرة الرائجة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بأن الأعراق لا وجود لها. فتكرار هذه المقولة بشكل مملّ لا يكفي لإلغاء بناء الفئات العنصرية، لسبب بسيط وهو أن العرق ليس مرده إلى فكر أيديولوجي فقط، وإنما هو أيضا معيار تصنيف يساهم في إقامة النظام الاجتماعي، من خلاله تُحدّد علاقات النفوذ والتمتعُ بالموارد والسيرورةُ البيوغرافية. وأمام الجدل الصاخب حول المصطلح واستعمالاته، صارت رشيدة إبراهيم تفضل مصطلح “الإثنية”، لأنه يبرز بوضوح عملية الصدّ التي تنبني على المعايير الثقافية والملامح البدنية للأفراد.

أما مغالي بيسون، الأستاذة بمعهد العلوم القانونية والفلسفية التابع للسوربون، فتعتقد أن فئة العرق هي حصيلة نوع خاص من العلاقة السوسيوسياسية والاقتصادية أنتج مجموعات معنصَرة، وأن محتوى الفئة مرهون بالقيمة السياسية التي تُضفى على تلك العلاقة في ظرف محدّد، وهو محتوى متغير في الفضاء والزمن.

وفي رأيها أن التحديد العملي الذي يمكن أن نعطيه للعرق يحيل على مسار بناء علاقات ظرفية أكثر من كونه محتوى جوهريا، فالفئات الاجتماعية، شئنا أم أبينا، معنصَرة، أي موضوعة في موضع تبعية أو حظوة في عدة مجالات اجتماعية وقضائية وسياسية واقتصادية، والفرق أن ذوي الحظوة يمتازون بكونهم لا ينظر إليهم من جهة عرقهم، وينتفعون بالموارد الاجتماعية والسياسية والإبستيمية للعنصرة.

ما يميز هذا المسار عن غيره من ظواهر إنتاج الغُبن أو الحظوة أن المجموعات المعنصَرة تنبني عبر عاملين: استدلال بدني (فالانتماء العرقي يُلاحظ أو يُتخيّل أو يُضفى على الأجساد)؛ وإدراج تلك السمات الجسدية في بنوّة أو إرث قديم بيولوجي أو ثقافي، أي أن الجماعات المعنصرة هي كذلك بسبب تجليها (الواقعي أو المتخيل) وجينالوجياها. ومن ثَمّ، يغدو استعمال فئة العرق مفيدا لأنها تسمح بإبراز بناء هذا الموقف المخصوص ودراسة آلياته وآثاره الاجتماعية.

غوانائيل كالفيس : في فرنسا تحفّظٌ عن تناول العرقية باسم كونية القيم الجمهورية
غوانائيل كالفيس: في فرنسا تحفّظٌ عن تناول العرقية باسم كونية القيم الجمهورية

وأمّا الباحثة غوانائيل كالفيس، أستاذة القانون، فترى أن استعمال مفهوم العرقية المؤسساتية غالبا ما يكون محلّ انتقاد، بدعوى أن القوانين الفرنسية لا تنص على الإقصاء العرقي، غير أن هذا الانتقاد يتجاهل معنى المفهوم وأصله، فقد نظّر له مناضلو الحركة الراديكالية الأفريقية الأميركية “بلاك باور” في ستينات القرن الماضي، وكانوا يحتجون بأن جملة من السلوكات والعلاقات الاجتماعية تصنع منظومة وتساهم في تعطيل الصعود الاجتماعي للأفارقة الأميركان. وبذلك اكتسبت تلك الظواهر قيمة مؤسساتية في غياب قوانين رادعة. وسواء استعملنا عبارة “عرق” بمعقفين أو من دونهما، أو فضلنا عليها عبارة “إثنية” المقبولة أحيانا، فإننا لا يمكن أن ننسى أن ثمة في فرنسا تحفّظا عن تناول هذه الثيمات باسم كونية القيم الجمهورية، فطالما طُرح الجدل بشكل مختل، تحت زاوية عدم اندماج المهاجرين، كما بيّن عالما الاجتماع الأميركي أليك هارغريفز، والفرنسي ديديي فاسّان، وقد كان للاعتراف بالميز العنصري المسلط على فرنسيين يُنظَر إليهم كأجانب أو من أصول أجنبية أثرٌ كبير في تغير طريقة تناول هذه المسألة منذ التسعينات، سواء من خلال مطالبات الهيئة التمثيلية لجمعيات السود في فرنسا، وأحداث الضواحي عام 2005، وظهور جمعيات مناهضة للعنصرية، أو من خلال التركيز على الإسلام والمسلمين كممثلين لغيريةٍ مهدِّدة عقب الأعمال الإرهابية التي ضربت فرنسا.

إن التفاوت الاجتماعي ناتج عن سيرورة معقدة، لأن المجتمعات المعاصرة تقوم على منظومة تصنيف، وفق معايير كالطبقة والجندر والعرق والدين والميول الجنسية وحتى السنّ، تضع الأفراد في مجموعات لا تتمتع كلها بنفس الحقوق والمنافع والخدمات المتوافرة. والعرق، كسائر المعايير الأخرى، يسمح بإقامة حدود بين الفئات الاجتماعية، وكلما ازدادت معايير الإقصاء لدى فرد ازدادت فرصُ وقوعِه ضحيةً للحيف في مختلف مجالات الحياة. ما يؤكد وجود عنصرية بنيوية، أي نظامية ومؤسساتية تساهم في خلق بنية تفاوت في المجتمع. هذه العنصرية يمكن تحديدها كترتيب منهجي، بفضلِه يمكن للمعايير القائمة على الممارسات والتمثلات الثقافية أن تُنتِج الفئات الإثنية والعرقية وتكريسها.

لقد اختارت الدولة الفرنسية تجنب مجابهة المسألة العرقية وإلغاء عبارة “عرق” من ديباجة دستورها، ولكن أيديولوجيا الجمهورية ليست مهددة من قبل هذا الوعي المتنامي بوجود مسألة عرقية أكثر مما هي مهددة بأشكال التفاوت الاجتماعي، فمنذ نهاية المرحلة الاستعمارية، وقع الربط بانتظام بين الأفراد من ذوي الملامح الجسدية والثقافية الخاصة وبين المشاكل الاجتماعية كالسكن والبطالة وانعدام الأمن، وساهم الخطاب السياسي والإعلامي في تثبيت سلسلة من المحددات لتصنيف المسألة العرقية، إما بتهويل مسألة الهجرة، أو بالتأكيد على الفوارق التي لا يمكن طمسها أو تجاوزها بين السود والعرب من جهة، وبين الأوروبيين بعامة والفرنسيين بخاصة. ومن التناقض أن تعترف الدولة بوجود هذا الوعي وتندد في الوقت نفسه بالمطالب الملحة لإقرار العدل والمساواة، تلك المطالب التي ترفعها شريحة من شرائح مجتمعية ما انفكت تشعر بالإقصاء.

12