جدل في تونس: أيّ مشروعية للاحتجاج في زمن الكورونا

حالة طوارئ بسبب الكورونا تنتفي معها كل الحجج المبررة لأيّ تحرك اجتماعي.
الخميس 2020/03/19
بعض الحقوق تتراجع حين تتسبب في تعريض الآخرين للخطر

أثار احتجاج قاده أهالي منطقة الكامور في الجنوب التونسي، جدلا حول مشروعيته بسبب تزامنه مع حالة الطوارئ المعلنة لمواجهة انتشار فايروس كورونا، إضافة إلى تساؤلات عن قدرة حكومة حديثة العهد ومأزومة وغارقة في إرث معقّد من الصراعات والأزمات على مواجهته. ولئن لم ينف أغلب التونسيين حق المعتصمين في الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في الأيام الماضية، إلا أنهم لا يوافقون عليها في مثل هذا الظرف الصحي الاستثنائي الذي تشهده تونس والعالم بأسره.

 تونس – في خضم الجدل وحالة الاضطراب اللذين تسببا فيهما فايروس كورونا، وبينما كانت الأنظار مركزة حول إجراءات الحكومة لمواجهة هذا الطارئ الذي قلب حياة التونسيين رأسا على عقب، شهدت منطقة الكامور البترولية في الجنوب الشرقي لتونس، احتجاجات ضد عدم تطبيق اتفاق مبرم بين أهالي المنطقة والحكومة السابقة.

أحمد نجيب الشابي: رغم شرعية الاحتجاجات يجب أن نأخذ بعين الاعتبار الظرف القاهر
أحمد نجيب الشابي: رغم شرعية الاحتجاجات يجب أن نأخذ بعين الاعتبار الظرف القاهر

أثار هذا الوضع جدلا في الشارع التونسي بين من اعتبره تصفية حسابات سياسية تستهدف حكومة إلياس الفخفاخ، حديثة العهد، وبين من انتقده واعتبره خارجا عن السياق في وقت تشهد فيه البلاد حالة طوارئ تنتفي معها كل الحجج التي يمكن أن تبرر أيّ تحرك احتجاجي.

واعتصام الكامور هو حركة احتجاجية دارت أحداثها بين الـ23 من أبريل والـ16 من يونيو 2017، تاريخ إمضاء اتفاق بين حكومة يوسف الشاهد والمعتصمين. ونص الاتفاق على فض الاعتصام مقابل الاستجابة لمطالب المحتجين المتعلقة بتنمية الجهة وتوفير فرص عمل داخل المحافظة التي تشهد أعلى نسبة بطالة في البلاد، إضافة إلى رصد 80 مليون دينار (27 مليون دولار) للاستثمار.

لكنّ الحكومة عجزت عن الإيفاء بوعودها وتعثر تطبيق الاتفاق. وما كان لأهالي المنطقة الغاضبين من ردّ إلا أن يعلنوا إضرابا عاما، في محافظة تطاوين. وزاد توقيت الاعتصام الضغوط على حكومة إلياس الفخفاخ، خاصة وأن أزمة كورونا انضمت إلى قائمة من الملفات الثقيلة التي تنتظر حلولا عاجلة.

إلى جانب اعتصام الكامور، شهدت البلاد، في نفس الفترة، حركات احتجاجية حيث تظاهر عمال الحضائر والأساتذة النواب إلى جانب موظفي مؤسسة التبغ الذين أوقفوا تزويد السوق للمطالبة بتطبيق اتفاقيات موقعة بشأنهم بين المركزية النقابية والحكومة وتحسين ظروفهم الاجتماعية والمادية.

مشروعية الاحتجاج

كان لتطورات اعتصام الكامور أن تتخذ منحى مختلفا لو جاء الاعتصام في ظرف عادي، بعيدا عن ضغوط أزمة الكورونا.

خالد شوكات: علينا التعبئة لمواجهة هذا الوباء الذي لا يفرّق بين حاكم ومعارض
خالد شوكات: علينا التعبئة لمواجهة هذا الوباء الذي لا يفرّق بين حاكم ومعارض

وكانت القراءات ستتجه نحو البحث في دور حركة النهضة التي دعّمت الاحتجاج، وعلاقة ذلك بالضغط على الحكومة الجديدة، كما مساعي النهضة للتنصل من اتفاق كانت هي أحد الأطراف المساهمة في توقيعه وفي عدم تطبيقه، باعتبارها جزءا من الحكومة.

وأجمع سياسيون وخبراء رصدت “العرب” آراءهم أن الأولية في هذه المرحلة هي التصدي لفايروس كورونا وحماية أرواح المواطنين، على الرغم ممّا أبدوه من تفهّم ومساندة للحركات الاحتجاجية والمطالب الاجتماعية. ووصف السياسي التونسي أحمد نجيب الشابي الظرف الحالي في البلاد بحالة “حرب”.

وقال في تصريح لـ”العرب”، “دائما ما أساند الحركات الاحتجاجية لكننا اليوم في حرب.. حياتنا مهددة”.

وتابع “رغم شرعية الاحتجاجات السلمية يجب أن نأخذ بعين الاعتبار هذا الظرف القاهر.. الأولوية لحلّ مشكلة كورونا أوّلا”. ويؤيده في ذلك رئيس لجنة العلاقة مع البرلمان والمنظمات خالد شوكات، الذي قال لـ”العرب” إن “الأولية بالنسبة إلينا هي مكافحة كورونا”، مذكّرا بمواقف اتحاد الشغل من الحركات الاحتجاجية التي تتزامن مع ظهور كورونا. وكان موقف اتحاد الشغل واضحا في هذا السياق، حيث أكد رفضه للاحتجاج الذي يعرّض حياة الناس للخطر.

واعتبر شوكات أن “هذا الوباء يهدّد حياة الشعب كما يهدّد كل العالم”. ودعا إلى “تأجيل المعارك الاجتماعية على أهميتها لتعبئة الموارد والإمكانيات”. وأردف “علينا التعبئة لمواجهة هذا الوباء الذي لا يفرّق بين فقير وغنيّ وحاكم ومعارض”. وأصبح الشغل الشاغل للحكومة التونسية اليوم هو كيفية تجنّب الدخول في وضع مشابه لما حصل لإيطاليا.

زهير المغزاوي: لا صوت يعلو فوق صوت الحرب على كورونا
زهير المغزاوي: لا صوت يعلو فوق صوت الحرب على كورونا

وأشار الباحث في علم الاجتماع ممدوح عزالدين لـ”العرب” أن “هناك إحساسا بفقدان الأمل والحرمان واستمرار

التهميش”، لافتا إلى أن “انعدام العدالة الاجتماعية يجعل الشباب غير مكترث بالمخاطر”. وقال عزالدين “الخطر ليس في الوباء بل في المنظومة الصحية غير القادرة على مواجهته وهذا ما يزيد من حالة الهلع، وقد تنجم حركات احتجاج أخرى تصعب على الحكومة السيطرة عليها”.

صوت كورونا هو الأعلى

لكن، ذلك لا يبرّر وضع صحة الجميع في مدار الخطر، وفق زهير المغزاوي، النائب عن الكتلة الديمقراطية، الذي ساند الرأي المؤيد لفكرة الوضع الصحي الطارئ الآن قبل الاحتجاج. وأشار في تصريح لـ”العرب”، إلى أنّ “المرحلة تتطلّب مزيدا من التضامن والتماسك الاجتماعي لمواجهة التحدي”.

وطالب بضرورة الانخراط في حملات التوعية واتّباع نصائح وزارة الصحة وتعليمات الحكومة لتجنب تحول الوضع إلى كارثة كما حصل في إيطاليا وإيران ودول أخرى.

وعلى الرغم من تفهّمه ومساندته للمطالب الاجتماعية والاحتجاجات الأخيرة، لفت المغزاوي إلى أن كل “حكومات العالم منهمكة في التصدي لهذا الوباء”. وتابع “لا صوت يعلو فوق صوت الحرب على كورونا”.

 

6