جدل في تونس بعد لقاء السفير الفرنسي بأعضاء هيئة الانتخابات

الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تتعرض إلى موجة انتقادات منذ استقبالها السفير الفرنسي، الشخصية السياسية المثيرة للجدل بتونس.
الجمعة 2018/03/02
التونسيون لا يفضلون تدخل السفير الفرنسي في شؤونهم

تونس - تُثير تحرّكات وتصريحات أوليفيي بوافر دارفور منذ تعيينه سفيرا لفرنسا بتونس في أواخر عام 2016، جدلا في الساحة السياسية التونسية.

وتتم مجابهتها في الكثير من الأحيان من قبل أحزاب المعارضة بامتعاض وانتقادات وصلت في أكثر من مرة حدّ اتّهام الأحزاب الحاكمة لا بالإذعان فحسب لإملاءات السفير الفرنسي، بل بالخضوع أيضا لإملاءات بعض الدول الأجنبية الكبرى.

وتميّز السفير الفرنسي منذ توليه مهامه بتونس بكثرة أنشطته وتحرّكاته وتنقلاته بين مختلف المدن التونسية ليصبح من أهم الشخصيات التي تحظى باهتمام وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في البلاد.

وما إن هدأت موجة الانتقادات الموجهة للسفير حيال بعض التصرّفات التي ميّزته خلال الزيارة الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانوال ماكرون إلى تونس والتي أثارت حفيظة شق واسع من الرأي العام التونسي، حتى عاد الجدل مؤخرا حول شخصه بعد لقائه،الثلاثاء، أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التي تستعد لتنظيم الانتخابات البلدية في مايو المقبل.

وبررت هيئة الانتخابات اللقاء بالقول إن “استقبال الهيئة لسفراء الدول الأجنبية معمول به منذ العام 2011 في إطار متابعة الدول الكبرى للمسار الديمقراطي التونسي”، فيما أبدى متابعون وقيادات أحزاب معارضة استغرابهم من هذا اللقاء، خاصة أنه يأتي بعد يومين فقط من غلق هيئة الانتخابات لباب ترشحات القائمات للانتخابات البلدية.

وانتهى موعد الترشح للانتخابات البلدية بتونس الخميس الماضي. وسيتم الإعلان عن القائمات المقبولة نهائيا من طرف الهيئة، بعد انقضاء الطعون، في موعد أقصاه 4 أبريل القادم.

وأوضح محمّد التليلي منصري رئيس هيئة الانتخابات لـ”العرب” أن “لقاء أعضاء الهيئة تمّ بطلب من السفير الفرنسي، وأن الأخير كان قد أودع طلب اللقاء منذ أشهر”. مشيرا إلى أن “فرصة استقباله بمقر الهيئة أتت مصادفة مع انشغال الساحة السياسية والهيئة بالاستعداد للاستحقاق الانتخابي”.

محمد التليلي منصري : الهيئة مستقلة ولا تتدخل في مسارها جهات داخلية أو خارجية
محمد التليلي منصري : الهيئة مستقلة ولا تتدخل في مسارها جهات داخلية أو خارجية

واستغرب منصري الجدل الذي رافق استقبال السفير الفرنسي قائلا “اللقاء تمّ في إطار احترام كل المواثيق والاتفاقات الدولية التي أمضت عليها تونس”، ثم واصل “لم نفهم تركيز البعض على زيارة بوافر دارفور والحال أنها ليست المرة الأولى التي يلتقي فيها أعضاء هيئة الانتخابات سفراء أجانب وقد كان من آخرهم السفير الأميركي والسفير الروماني”.

وتابع “قد نتفهم الجدل الذي يثيره توقيت اللقاء، لكن على الجميع أن يعلم أن هيئة الانتخابات مستقلة ولا تتدخّل في مسارها أطراف داخلية أو خارجية”.

في المقابل انتقد بسام معطّر رئيس جمعية عتيد (منظمة تونسية مختصة في مراقبة الانتخابات) في تصريح لـ”العرب” توقيت استقبال هيئة الانتخابات للسفير الفرنسي عقب يومين فقط من إغلاق باب الترشّحات للانتخابات، مشيرا إلى أن “القانون لا يمنع الهيئة من لقاء من تريد من السفراء الأجانب، لكن كان عليها أن تنظر إلى المسألة من زاوية حساسيتها، خصوصا أن الهيئة تتعرّض لعدة شكوك من قبل الأحزاب السياسة منذ استقالة رئيسها السابق شفيق صرصار في مايو الماضي”. وبين معطّر أن “لقاء الهيئة بعدد من السفراء قد يزيد في حدة التشكيك من مصداقيتها”،لافتا إلى أنه “كان عليها أن تركّز أكثر على متطلبات المرحلة كتفادي أخطائها التي حرمت المنظمات المختصة بمراقبة الانتخابات من ملاحظة عملية قبول ترشحات القائمات للانتخابات البلدية بالشكل الجيّد والمطلوب، نتيجة لتضييقاتها”.

واعتبر مراقبون أن هيئة الانتخابات بهذا اللقاء فتحت الأبواب على مصراعيها للأحزاب وخاصة منها المعارضة، للمزيد من التشكيك في استقلاليتها وفي استقلالية المسار الديمقراطي التونسي.

وقال زهير المغزاوي الأمين العام لحزب حركة الشعب (حزب قومي) لـ”العرب” إن “تصرّف هيئة الانتخابات بفتح أبوابها لكل السفراء الأجانب وفي مقدّمتهم المثير للجدل بوافر دارفور، يؤكّد ما نبهنا إليه سابقا في الكثير من المرات حول رضوخ الهيئة أو السلطة الحاكمة لإملاءات الأجانب وتدخّلهم في الشأن الوطني”.

وأضاف أن “لقاء رئيس هيئة الانتخابات ومساعديه للسفير مباشرة عقب يومين من غلق باب الترشّحات يضرّ بالمسار الديمقراطي التونسي ولا ينفعه مثلما تعلّل ذلك هيئة الانتخابات”.

وبخلاف أحزاب المعارضة الراديكالية في تونس، اعتبرت أحزاب أخرى تقدّمية كحركة مشروع تونس أن اللقاء عادي وأنه لا يجب إعطاء المسألة أكثر من حجمها لتصبح مطية للمزايدات السياسية التي قد تؤثر على المناخ العام للانتخابات البلدية.

وأشار الصحبي بن فرج النائب بالبرلمان والقيادي في حزب حركة مشروع تونس لـ”العرب” إلى أنه “لايوجد بند قانوني يمنع الهيئة من لقاء سفراء أجانب، خاصة أن كل الهيئات الدستورية التونسية صادقت على عدة مواثيق واتفاقات دولية هدفها تأمين تنفيذ تونس لمسار ديمقراطي ناجح”.

ودعا بن فرج كل الفاعلين السياسيين في البلاد إلى الكف عن إلهاء الرأي العام بمسائل وملفات لا تهمّه ولا تمثّل خطرا على استقلالية القرار الوطني. لافتا إلى أن “ما تعانيه تونس من أزمات أعمق من هذا الجدل بكثير، وهي تتعلّق أساسا بخطورة محاولات الزيغ عن مبادئ الديمقراطية في العديد من الملفات المطروحة على القضاء”.

وتابع قوله “منها مؤخرا رفض المدير التنفيذي للحزب الحاكم نداء تونس حافظ قائد السبسي المثول أمام القضاء العسكري أو تعلل ناجم الغرسلي وزير الداخلية الأسبق بشهادة طبية للتغيّب وعدم المثول كمتهم في نفس قضية التآمر على أمن الدولة”.

4