جدل في تونس بعد وفاة تلميذ لسوء التغذية

انتقادات للمسؤولين بسبب عدم تحسين أوضاع المناطق الفقيرة، ومبادرات مدنية لتقديم الخدمات الطبية للمناطق المهمشة.
الجمعة 2018/03/16
تائه في طبيعة قاسية

تونس - تفاعلت أوساط تونسية مختلفة مع خبر وفاة تلميذ (8 سنوات) يدرس بالسنة الثانية بمدرسة ابتدائية بأحد أرياف فرنانة التابعة لولاية (محافظة) جندوبة شمال غربي تونس أثناء انتظاره دوره في الحصول على اللمجة. وأثار الخبر ضجة كبيرة في مواقع التواصل الاجتماعي، إذ قال متابعون إن “الطفل توفي من الجوع” مما زاد من زخم التعليقات على الموضوع.

وبحسب مصادر من المدرسة، ينتمي الطفل إلى عائلة فقيرة تتكون من 9 أفراد، إذ للطفل المتوفى 7 إخوة. وقالت نفس المصادر إن العائلة “تقيم في كوخ”.

ونفت مصادر طبية أن يكون الجوع أو سوء التغذية من الأسباب المباشرة للوفاة المفاجئة للطفل. وقال الدكتور منصف حمدون رئيس قسم الطب الشرعي بمستشفى شارل نيكول بالعاصمة التونسية، في تصريح لإذاعة محلية خاصة، إنه “تم أخذ عينات للتحليل لمعرفة إن كان الطفل مصابا بأمراض”.

وقالت البعض من المصادر المحلية إن الطفل مصاب بمرض وراثي مثل بقية إخوته، فيما رجحت هذه المصادر أن يكون المرض سببه سوء تغذية.

أمل بلحسن: القافلات الطبية يجب أن تكون دورية إلى أن تتحمل الدولة مسؤوليتها
أمل بلحسن: القافلات الطبية يجب أن تكون دورية إلى أن تتحمل الدولة مسؤوليتها

ورافقت التعليقات على موقع فيسبوك وجهات نظر تتعلق بالظروف الصعبة التي تعيشها المناطق الداخلية البعيدة عن العاصمة والمدن الكبرى، والتي تشكو من انتشار الفقر بسبب الوضع التنموي الصعب الذي زادته قسوة ندرة فرص العمل وغياب الخدمات الأساسية اللائقة ومن بينها الصحة والتعليم.

ويؤكد مراقبون أن الحل يكمن في تحمل كل طرف لمسؤولياته بدءا بمسؤولي الدولة وممثلي الشعب في البرلمان مرورا بوسائل الإعلام ووصولا إلى المجتمع المدني والأوساط الشعبية، ليتحقق التغيير الذي كان حلما عندما قاد الشعب ثورة ضد النظام.

ويحلم التونسيون منذ مطلع 2011 بإصلاح أوضاعهم الاجتماعية من خلال تحسن الوضع التنموي والقضاء على الفساد المستشري في البلاد وتوفر الأمن والاستقرار السياسي، لكن أمام التجاذبات السياسية والحزبية التي تعيشها تونس أصبح تحسن مستوى المعيشة في البلاد حلما صعبا، رغم تعاقب 8 حكومات خلال السبع سنوات الأخيرة.

وواجهت حكومة يوسف الشاهد تعطيلات كثيرة لتحقيق برامجها الإصلاحية التي وعدت بها منذ تسلمها مهامها، ولم تستطع إحراز تقدم في الملفات الاجتماعية والاقتصادية. في المقابل، يوجه لوم كبير إلى مجلس نواب الشعب الذي لم يكن أداؤه بمستوى الأهداف المرسومة والتي كان من بينها تحديد مشكلات المناطق المحليات وتقديم حلول لها. وكانت الأشغال البرلمانية المتعلقة بالجهات محل انتقاد كبير من قبل المجتمع المدني.

وقال أيمن بن غازي، رئيس مشروع “مرصد مجلس” التابع لمنظمة “بوصلة” والذي قدم تقريرا حول أداء البرلمان الأربعاء، إنه تم تسجيل “عدة نقائص في الأداء التمثيلي للنواب من خلال أسبوع الجهات أثناء الدورة البرلمانية الثالثة”.

وأوضح أن النقائص تمثلت في عدم احترام دورية أسبوع الجهات التي كانت محددة بمرة كل شهر، متابعا أنه خلال الدورة البرلمانية الثالثة تم تنظيم 3 أسابيع جهات فقط إلى جانب غياب جدول لأعمال أسبوع الجهات.

وكان من المفترض أن تساهم فعاليات أسبوع الجهات في تحديد مشكلات كل منطقة من المناطق التونسية لتتم في مرحلة لاحقة صياغة خارطة طريق تساهم في تخفيف صعوبات العيش في المحافظات الداخلية.

وأرجعت وفاة الطفل بساحة مدرسته الجدل في تونس حول البنية التحتية المتواضعة في المناطق الحدودية. ويبقى وضع المؤسسات الصحية في المحافظات الحدودية يشكل معضلة كبيرة في تونس، إذ يقل عدد الوحدات الصحية وفي حال توفرت تكون ببنية تحتية متردية جدا. كما تعاني العديد من المناطق الحدودية من غياب الأطقم الطبية اللازمة.

وقام نشطاء من المجتمع المدني بمبادرات فردية وجماعية لتوفير الخدمات الصحية في البعض من المناطق الفقيرة في تونس، حيث تم تنظيم جولات لقافلات طبية في عدد من الجهات.

وأمل بلحسن طبيبة شابة خريجة كلية الطب في تونس تشارك باستمرار في القوافل الصحية التي تنظمها جمعيات مدنية، وتقول لـ”العرب” إن واقع المناطق الداخلية أسوء بكثير مما كانت تتصور. وأضافت “عندما تنقلت إلى هذه المناطق وجدتها مناطق منكوبة وليست مهمشة”.

 

أثارت وفاة تلميذ يبلغ من العمر 8 سنوات في ساحة مدرسته، بسبب مرض على صلة بسوء التغذية بحسب مصادر غير رسمية، جدلا كبيرا بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في تونس، منتقدين غياب الخدمات الصحية في المحافظات الحدودية إلى جانب عدم تطوير الأوضاع التنموية في هذه المناطق مما زادها تهميشا وفقرا.

وتتذكر أمل عندما ذهبت في شهر يناير الماضي إلى منازل معزولة في أحد جبال غار الدماء التابعة لمحافظة جندوبة أن أغلب الأطفال بها لا يذهبون إلى المدرسة لخوف عائلاتهم عليهم مما يمكن أن يتعرضوا له في الطريق باعتبار أن قريتهم تبعد كثيرا عن المدرسة. وأفادت أمل بأن القافلة الأخيرة التي شاركت فيها الأسبوع الماضي قامت بحملة توعية لصالح نساء إحدى القرى في أرياف تونس في مجال الوقاية من سرطان الثدي إلى جانب القيام بعمليات تشخيص لهذا المرض.

وقالت “إحدى المريضات أخبرتني بأنها خرجت من منزلها عند الخامسة صباحا لتتمكن من القدوم إلى العيادات الطبية التي تنظمها القافلة”.

وتابعت أن الأطباء الذين كانوا ضمن القافلة وجدوا العديد من الحالات المرضية العاجلة “حاولنا حلها ونجحنا في نقل مواطنة بفضل الحماية المدنية إلى المستشفى”.

ويقوم أطباء القافلة، والذين يكونون من اختصاصات طبية مختلفة، بتوعية المرضى بشكل فردي. كما يقومون بالفحوصات اللازمة ثم يرسلون المرضى للقيام بصور الأشعة.

وتنتقد أمل اللوم الموجه لعائلة الطفل المتوفى بمدرسة بفرنانة باعتبار أنه كان من المفترض مراعاة وضعها الاجتماعي الصعب وفقرها، حيث تقول “لو كانت تصلها الخدمة الصحية اللازمة لكانت أكثر وعيا ولاتبع الأبوان برامج التنظيم العائلي”.

وترى أمل أن السبب في كل هذا هو “فشل الاستراتيجيات التي بقيت حبرا على ورق”.

وأقرت بأن الأمر السلبي في القافلات الطبية يتمثل في أنها لا يتم تنظيمها بصفة دائمة، إذ تقترح أن تكون دورية لكل منطقة من المناطق الريفية “كي ينتفع بها السكان المحليون إلى أن تتحمل الدولة مسؤوليتها بتوفير خدمات صحية للجميع وفي كل المناطق”.

وصادق البرلمان التونسي، مساء الأربعاء، على اتفاقية قروض ستمكن الحكومة من إنشاء مستشفيات محلية في مناطق بعيدة عن العاصمة توجد بمحافظات جندوبة وسيدي بوزيد والقيروان وسليانة والقصرين والمهدية.

4