جدل في صفوف النقاد ومراوحة بين الأصولية والحداثة

ما بين الاحتماء بالتراث والارتماء في أحضان الإنجازات الغربية، يعيش العرب همومهم وقلقهم وتطول النقاشات المستعرة حول السبل المثلى التي يجب أن يسلكها الفكر العربي في ظل هيمنة غربية على كل مجالاته، مع حذر تشوبه التخوفات من الانغلاق على الذات حال اللجوء إلى التراث.
السبت 2016/10/15
لا وجه واضحا للنقد العربي (لوحة للفنان نذير إسماعيل)

لطالما استعر النقاش بين النقاد والمفكرين العرب حول السبب وراء عدم وجود نظرية عربية في مجال النقد الأدبي، رغم كثرة النقاد على مستوى العالم العربي وتعدد الجهود النقدية التي لم تخرج عن نطاق تطبيق النظريات الغربية والاستفادة منها، رغم أن التراث العربي حافل بالكثير من النظريات التي تحتاج إلى جهود حقيقية لتجميعها والإسهام في تشكيل نظرية موحدة للنقد العربي.

الجهود العربية في النقد لا تتجاوز الاستفادة من المنجزات النقدية للشكلانيين الروس ومشاريع الحداثة وما بعد الحداثة، والنظريات البنيوية والتفكيكية والسيمولوجيا وغيرها من النظريات، وهو ما مثّل إشكالية تتعلق بتطبيق الكثير من النقاد للنظرية الغربية على النصوص العربية دون مراعاة لخصوصيتها.

ومن جهة أخرى، يتحدث عدد من النقاد عن النظريات الأدبية التي ترعرعت في الأدب العربي قديما، والتي ظهرت جلية في كتاب “الشعر والشعراء” لابن قتيبة، وكتاب “طبقات الشعراء” لقدامة بن جعفر، وفي “نظرية النظم” لعبدالقاهر الجرجاني، وغيرها من الجهود التي يمكن تجميعها في نظرية واحدة تُشكّل نظرية عربية في النقد، تراعي خصوصية النص العربي وتتماس معه بشكل حقيقي مع الاستفادة من النتاجات الغربية.

النظرية العالمية

الناقد المصري عادل ضرغام يشير إلى أنه في اللحظة الآنية لا نستطيع أن نتحدث عن غياب النظرية النقدية العربية وإنما يمكننا الحديث عن شيئين، أولهما يتمثل في هذا الانفجار الخاص بالاتجاهات والنظريات الأدبية التي وجدت في القرن العشرين خاصة في النصف الثاني منه. وفي ظل هذا الانفجار تغيب ملامح النظرية الواحدة وتتداخل مع غيرها حتى يشعر الباحث بغيابها، غياب النظرية الواحدة المحددة بزمن وإطار فكري. وثانيهما يتمثل في وصف العربية، فهذا الوصف غير دقيق، حيث أن النظرية العالمية تسهم فيها الثقافات والشعوب والحضارات بنسب مختلفة. وصحيح أن إسهام الثقافة العربية ضئيل في اللحظة الآنية حتى يكاد يصبح معدوما، إلا أننا كنا فاعلين في عصور وأزمنة سابقة، إضافة إلى وجود إسهامات فردية عربية، ويمكن أن نذكر في هذا السياق إدوارد سعيد ودوره المؤسس في نظرية ما بعد الاستعمار وكذلك إيهاب حسن وآخرين.

إن طبيعة التحولات في النظريات الأدبية مرتبطة بتحولات السلطة أو القوة، فالنظرية تشكل ملامحها الثقافة المهيمنة في كل عصر، ومن ثمة فالحديث عن نظرية نقدية عربية تكتنفه الكثير من الشوفينية والرومانسية والبلاغية في الوقت ذاته.

ويستطرد ضرغام “أعتقد أن هناك سبلا للإسهام العربي في النظرية النقدية العالمية تأتي أولا بأن نمتحن ما لدينا في إطار عرضه ومقابلته مع ما يقدمه الآخر، وأن يكون هذا التلاقي في سياق ليس فيه إحساس بالنقص أو الانحياز”.

تاريخ النقد العربي الحديث قديم في بواكيره

ويوضح ضرغام أن غياب التخصيب العربي الفعّال للنظرية الأدبية العالمية، والإسهام العربي قد يكونان جزءا منها يوقع النقد العربي في فكرة الاستلاب، فالكثير من النقد العربي يخطو وراء هذه النظريات وكأنها موضات عالمية، دون وعي كبير بالأسس الفلسفية التي أسهمت في إنتاجها أو بالسياقات الحضارية والمعرفية التي مارست دورا في تشكيلها، ومن ثمة يأتي الاستلاب والتقليد المشفوعان بالعجز، فتفقد النظرية في إطار هذه الممارسة سمة أساسية من سماتها وهي التفاعل الخلاق، فارتباط النظرية بالعالمية لا يعني بالضرورة أن ننقلها بحذافيرها في نقدنا العربي، وإنما معناه أن يكون لدينا وعي كامل بحدودها وإجراءاتها، ثم نقوم بتفعيل تلك الحدود والفرضيات أو الإجراءات في نقدنا المشدود حتما إلى نصوصنا في خصوصياتها.

أصداء النقد الأوروبي

الناقد الأدبي المصري يوسف نوفل يقول “لا شك لديّ في غياب النظرية النقدية العربية في الوقت الراهن، وربما يرجع ذلك إلى اعتمادنا على النقل والمحاكاة لأصداء النقد الأوروبي، فالكثيرون مولعون بالاعتماد على آراء الغير وإعادة إنتاج آرائهم من النقاد الأوروبيين أصحاب النظريات النقدية؛ وهذا الأمر المتمثل في تعلقنا المستمر بأصداء النظريات الوافدة يعوق حركة الابتكار والتجديد والمزيد من التأمل في واقعنا النقدي، بدليل أن في تاريخنا النقدي العربي القديم والحديث ما يؤكد أننا حين أعملنا عقولنا وإبداعنا النقدي وتأملنا إبداعات أدبائنا الكبار الذين دخلوا إلى العالمية، حين تم ذلك على أيدي النقاد العرب اللامعين، اتضحت في رؤاهم رؤية عربية نقدية، ويكفي أن أذكر من المعاصرين محمد مندور وطه حسين وغنيمي هلال وغيرهم من كوكبة النابغين من النقاد الذين طمحوا إلى تقديم نظرية نابعة من دراسة الإبداع العربي”.

ويتابع نوفل “في واقعنا الأدبي النقدي المعاصر العربي نجد نابهين كبارا من الشعراء النقاد أو النقاد الشعراء بمعنى أنهم لم يقتصروا على كونهم نقادا فحسب لكنهم شعراء في الأساس أو قصاصون يبدعون ويمارسون العملية النقدية”.

الجهود العربية في النقد وتهمة تبعيتها للنظريات الغربية

ويلفت نوفل إلى أن تاريخ النقد العربي الحديث قديم في بواكيره، ويذكر من ذلك كاتبة تدعى زينب فواز التي كتبت النقد في أوائل القرن العشرين، وقسطاكي الحمصي الذي قدّم منهجا للنقد في كتابه “منهل الورّاد في علم الانتقاد” للرائدين في مجال النقد الأدبي، أما في العصر الحديث فلدينا مبادرات وإرث عظيم في النقد القديم؛ فالنظرية جاهزة خاصة وأن الأسلاف القدامى تركوا إرثا قديما، كما أن هناك بوادر في الأدب الحديث، وبالتالي الأسس لقيام نظرية عربية موجودة وينقصها التخلي عن النقل وعبادة آراء الخواجة فلان.

في هذا السياق، يوضح الناقد المصري حسين حمودة رأيه قائلا “أتصور أننا نبذل جهدا كبيرا في البحث عن نظرية نقدية عربية، وتجب علينا إعادة النظر في هذا البحث، فالنقد مثله مثل الإبداع نشاط إنساني يتجاوز في الكثير من الحالات حدود الهوية المحلية، ويشارك فيه الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم. وبهذا المعنى يمكن أن نجد إسهامات عربية قديمة وحديثة في مجال النقد والدراسات اللغوية. وقديما عندنا تجربة عبدالقاهر الجرجاني، وحديثا عندنا اجتهادات لأسماء مثل إيهاب حسن وإدوارد سعيد”.

ومن وجهة أخرى، علينا أيضا أن نعيد تأمل فكرة “النظرية النقدية” نفسها، وفي الحقيقة يصعب أن تكون هناك نظرية نقدية مطلقة ونهائية ومغلقة على نفسها. وكل المحاولات التي سارت في هذه الوجهة انتهت إلى فشل. النظرية النقدية يجب أن تكون مفتوحة على إمكانات قابلة للاستخدام المستمر، وللتجدد، وفي الوقت نفسه أن تكون قابلة للنمو خلال الاجتهادات والإضافات الجديدة. وهذا يعني أن النقد العربي يستطيع أن يسهم في الكثير من التصورات والمفاهيم النقدية المطروحة في النقد الإنساني كله.

نظريات نسبية

ومن جانبه، يلفت الشاعر والناقد العراقي ناظم ناصر القرشي إلى أن كل النظريات والمناهج النقدية رغم تأثرها بالمسيرة الإنسانية للأدب، إلا أنها تبقى وليدة زمانها ومكانها والبيئة التي انبثقت منها؛ لذا تعتبر نظريات نسبية وهي دائما تحت طائلة الشك والمساءلة، ممّا يؤدي إلى كشف تناقضاتها وعيوبها، ولهذا دائما ما تتخلى عن موقعها لتولد نظريات ومناهج جديدة وهذا دليل على تطور الأدب بجميع أنواعه وارتباطه الوثيق بتطور الحياة وديمومتها، ونحن كعرب نتعكز على النظريات الغربية رغم ما لدينا من تراث عظيم فيه الكثير من

ناظم ناصر ويوسف نوفل وعادل الأسطة وحسين حمودة: هناك إمكانية لخلق نقد عربي خاص

المنظرين.

ومن جهته، يقول الناقد الفلسطيني عادل الأسطة “ليست هناك نظرية نقدية عربية منذ عاد الناقد العربي المصري محمد مندور من فرنسا، حيث درس النقد، وقال ‘عدة غربية ونصوص عربية’، أي أنه أخذ يطبق المذاهب النقدية الغربية على النصوص العربية، ولم يكن استثناء، فالنقاد العرب الذين كانوا قبله يمارسون النقد مثل طه حسين وعباس محمود العقاد والنويهي، طبقوا أيضا النظرية النقدية الغربية على النصوص العربية أو أنهم أفادوا من مناهج النقد الغربي”.

ويتابع “لم يختلف الأمر لاحقا. إن النقد الذي ساد حتى انهيار الاتحاد السوفييتي اعتمد على مرجعية غربية، ماركس وأفكاره، وتجسد هذا في نقد الماركسيين العرب وأبرزهم محمود أمين العالم، وكتابه بالاشتراك مع عبدالعظيم أنيس ‘في الثقافة المصرية’ الذي يعد فاتحة الطريق لهذا النوع من النقد. ومنذ الثمانينات من القرن الماضي وحتى الآن تسود تيارات نقدية مختلفة تركز على النقد النصي بشكل عام وقد ازدهرت في المغرب العربي، من سعيد يقطين ومحمد مفتاح إلى عبدالحق بلعابد”.

ويوضح الأسطة أن غياب نظرية نقدية عربية له أسبابه، فنحن منذ عشرة قرون نعاني من التراجع على جميع الأصعدة الأدبية منها والنقدية، ومنذ حكم محمد علي بدأنا نتجه نحو الغرب لننهض وبدأنا نأخذ عنه كل شيء حتى النظرية النقدية بل وحتى الأجناس الأدبية، ومع هذه أخذنا أيضا مصطلحاتها النقدية. أعتقد أنه من الصعب الآن إيجاد نقدية عربية وليس في هذا ما يعيب، فالأدب يفيد من بعضه منذ أقدم العصور.

15