جدل في قرطبة: محراب مسجد أم مذبح كنيسة؟

الاثنين 2015/02/09
كاتدرائية أم جامع الأهم التعايش بينهما

قرطبة (إسبانيا) – تصاعد الخلاف بين بعض مؤسسات المجتمع المدني الاسبانية والكنسية حول ملكية كاتدرائية-جامع قرطبة ما إذا كان المبنى أقرب إلى الإسلام أو المسيحية، فيما تصر الكنيسة على أحقيتها بالمبنى الذي تقول انها قامت على حمايته لأكثر من 800 عام.

تشهد مدينة قرطبة الأسبانية (جنوب) جدلا حول أشهر معالمها الأثرية الكاتدرائية-الجامع الذي تمتلكه الكنيسة المتهمة من قبل البعض بطمس إرثه الإسلامي.

فمحط الجذب الرئيسي للمدينة المدرجة منذ العام 1984 على لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو)، هو معلم أثري مهم للفن المعماري الإسلامي وكاتدرائية مسيحية تعود إلى القرون الوسطى.

وعندما يزور السائح هذا المبنى يتسلم وثيقة تحمل عنوان “الكنيسة الكاتدرائية المقدسة لقرطبة”.

وقد اختارتها أسقفية المدينة المالكة لهذه التحفة الهندسية الرائعة التي شيدها الأمراء والخلفاء الأمويون بين القرن الثامن والعاشر ميلادي. وبعد الفتح الإسلامي لأسبانيا بني المسجد نفسه على موقع الكاتدرائية المسيحية.

واليوم تستخدم الكنيسة في منشورها إحدى عشر مرة اسم الكاتدرائية، ومرتين اسم الجامع ومرتين صيغة “الكاتدرائية، الجامع القديم”.

وهذا ما لا يستسيغه الذين انشأوا جماعة ضغط باسم “الجامع الكاتدرائية إرث الجميع” ويرون فيها محاولة لـ”تغيير التاريخ”.

ففي أسبانيا التي فتحها المسلمون في القرن الثامن، كان الجامع مكان العبادة الرئيسي للمسلمين في الغرب. وبعد أن استعاد الملك الكاثوليكي فرديناند الثالث المدينة في العام 1236 حولها القشتاليون مجددا إلى كنيسة.

خلاف يهدد باسترجاع ضغائن الماضي

وسمح تعديل تشريعي أجرته حكومة خوسيه ماريا أزنار (الحزب الشعبي اليميني) منذ 1998 للكنيسة الكاثوليكية بامتلاك المباني الدينية التي ليس لها أي مالك رسمي دون اللجوء إلى إثبات ملكيتها المباشرة. وهكذا أصبحت أبرشية قرطبة رسميا، مالكة الجامع الشهير في الثاني من مارس 2006 بمبلغ زهيد قيمته 30 يورو.

وقد شيدت الكاتدرائية في القرن السادس عشر في قلب المبنى نفسه. لكن حتى ذلك الحين “كان جميع أساقفة قرطبة يشعرون (…) بأنهم حماته وليس مالكيه”، على ما أوضح ميغيل سانتياغو المتحدث باسم جماعة الضغط.

ورد خوسيه خوان خيمينيز المتحدث باسم الأسقفية أن الكنيسة هي “المالك الشرعي” منذ 1236، مشيرا إلى “تكريسها” من قبل الملك (بمرسوم ديني يجعلها مقدسة) في تلك السنة. وقال “هذا المعبد هو كاتدرائية”.

وأكد أن الكنيسة أشرفت على إدارته خلال ثمانية قرون وحرصت على صون هندسته المعمارية، بينما دمر المسلمون الكاتدرائية الأصلية التي تعود إلى عهد القوط الغربيين.

وتشكك مجموعة المواطن أيضا بالإدارة الثقافية والسياحية لهذا الصرح.

واعتبر ميغيل سانتياغو “أن الكاتدرائية-الجامع هي المحور الثقافي للمدينة ومعلمها السياحي الرئيسي، وتغيير اسمها يعني الذهاب في اتجاه معاكس للمصالح السياسية لقرطبة والأخطر ضد جوهرها التاريخي والفني والرمزي”.

خوسيه خوان خيمينيز: الكنيسة هي المالك الشرعي للمكان منذ عام 1236م

وأكد سانتياغو (59 عاما) أستاذ البيولوجيا أن الكنيسة تقلل من التحدث عن ماضي المسجد، مكتفية بالإشارة إلى “التدخل الإسلامي” في هندستها المعمارية أو أيضا “بصمة” الإسلام.

إلا أن المسلمين في قرطبة بقوا متحفظين وفي منأى عن الجدل الدائر. واعتبر كامل مجلف رئيس جمعية مسلمي قرطبة أن “محاولة تغيير تاريخ المبنى يجرحنا، (إنها) محاولة لطمس تسمية الجامع”.

وأضاف أن “الناس عندما يأتون إلى قرطبة يأتون لرؤية الجامع وليس الكاتدرائية”.

وتطالب الجمعية بأن يكون المبنى عاما وبمشاركة الإدارة الإشراف عليه. وخلص ميغيل سانتياغو إلى القول أن “الكهنة ملمون كثيرا بالقداديس هنا، لكنني أشك بأن تكون هذه هي الحالة في مجال السياحة والثقافة”.

وفي العام 2014، استقبلت الكاتدرائية-الجامع 1.5 مليون زائر، أي أكثر بـ9.4 بالمئة من العام السابق، ما أدخل إلى صناديق الكنيسة حوالى عشرة مليون يورو.

وفي الواقع، فإن الجدل الدائر حول كنز الفن المعماري لقرطبة يقلق أيضا رئيس بلديتها خوسيه أنطونيو نييتو.

وقال في هذا الصدد “نريد أن تكون صورة قرطبة صورة المدينة المنفتحة والجامعة حيث يسود الوئام والتعايش”.

وفي الأثناء، جمعت عريضة تطالب السلطات الأسبانية واليونيسكو بالتدخل، نحو 387 ألف توقيع على موقع “تشانج”.

وأكدت الخبيرة في إدارة التراث ماريا أنجيليس في إحدى جامعات مدريد، أن هذا الصرح “ككاتدرائية مشابه لكل الأندلس، لكن كجامع فريد من نوعه”.

12