جدل في لندن عن وضع خطوط حمراء أمام الاستثمارات السعودية في الإعلام البريطاني

الإندبندنت لا تمارس ضبط النفس عندما يتعلق الأمر بالسعودية، بل تصل إلى الكتابة العدائية.
السبت 2019/06/15
مرحلة الشك والضبابية طالت قطاع الإعلام

التذرّع بالحفاظ على الخطوط التحريرية للصحف البريطانية لتعطيل دخول مستثمرين سعوديين إلى قطاع الإعلام البريطاني، لا يصمد أمام ثلاث حجج على الأقل؛ أولاها أنّ القطاع يعمل وفق القوانين البريطانية وتحت مراقبة وإشراف هيئة رسمية مكلفة بمراقبة نزاهة أداء الإعلام في بريطانيا، وثانيتها أن القطاع نفسه مفتوح أمام مستثمرين من بلدان أخرى وثقافات مختلفة، وثالثتها وجود استثمارات سعودية سابقة، دون تسجيل أي تأثير في توجيه الإعلام والتحكّم بمحتوياته.

لندن - أثارت الصحف البريطانية مسألة إمكانية قيام الحكومة البريطانية بالتدخل لاتخاذ قرار بشأن استثمارات على علاقة بالسعودية داخل صحيفتي الإندبندنت والإيفنينغ ستاندرد البريطانيتين.

وقالت صحيفة الغارديان إن صحيفة الإندبندنت أطلقت مجموعة من المواقع الإلكترونية بلغات أجنبية يديرها ناشر سعودي، مما يثير مخاوف بشأن الرقابة التحريرية لواحدة من أعرق الصحف في المملكة المتحدة.

وكشفت الصحف عن عزم لندن على تسليط المجهر على الأنشطة المتعلقة بدخول مستثمرين عرب على علاقة بالرياض داخل الجسم الإعلامي البريطاني، على نحو يطرح أسئلة عن مغزى هذا الإجراء في الأيام الأخيرة لحكومة تيريزا ماي المستقيلة.

وتحدثت صحيفتا الغارديان والفايننشال تايمز اللنديتان عن خطط لدى حكومة تيريزا ماي للتدخل لوقف عملية بيع أسهم في صحيفتي الإندبندنت والإيفنينغ ستاندرد لرجل أعمال سعودي تحت عنوان حماية المصلحة البريطانية العامة.

وتساءل مراقبون عن السبب الذي يدفع الحكومة البريطانية إلى تعطيل استثمارات من هذا النوع، خصوصا أنها تعمل وفق القوانين البريطانية وتحت مراقبة وإشراف هيئة “أوفكوم” المكلفة بمراقبة نزاهة أداء الإعلام في بريطانيا.

واستغرب هؤلاء عزم لندن على استهداف مستثمرين عرب، فيما لم تظهر لندن أي اعتراض على استثمارات أجنبية داخل قطاع الإعلام البريطاني، لاسيما تلك الروسية في الإندبندنت، وتلك التي يمتلكها الأسترالي روبرت مردوخ داخل سوق الإعلام البريطاني، وتلك اليابانية التي استحوذت على ملكية الفايننشال تايمز.

ومعروف أن ملكية الإندبندنت تعود لرجل الأعمال الروسي، يفغيني ليبيديف، منذ سنوات، وقد باع حصصا بسيطة من أسهم الصحيفتين لرجل الأعمال السعودي سلطان محمد أبوالجدايل خلال العامين الماضيين.

وتمكّن مردوخ بعد شرائه مؤسسات إعلامية في أستراليا ونيوزيلندا من التمدد باتجاه بريطانيا والسيطرة على صحيفة  “ذا صن” في المملكة المتحدة قبل أن يمتلك بعد ذلك التايمز وصنداي تايمز وسكاي نيوز ووسائل إعلام أخرى.

أصوات في السعودية تتساءل عن جدوى هذا النوع من الاستثمار في وسائل الإعلام البريطانية ما دامت غير مؤثرة في محتواها

وأعلنت مجموعة “نيكي” اليابان للإعلام في مايو 2015 شراء جميع أسهم مجموعة الفايننشال تايمز من شركة النشر البريطانية بيرسون في أكبر صفقة استحواذ تقوم بها شركة إعلام يابانية تقدر بنحو 844 مليون جنيه إسترليني (1.3 مليار دولار).

وكشفت صحف لندن أن وزير الثقافة البريطاني، جيرمي رايت قال إنه “ينظر في” إمكانية التدخل لتفحص ملف الاستثمارات السعودية في سوق الإعلام البريطاني، الأمر الذي سيدفع الجهة المنظمة لشؤون وسائل الإعلام إلى التحقيق في الصفقة.

وتقول الغارديان إن الوزير متخوف من أن تؤثر هذه الصفقة سلبا على عرض الأخبار بالشكل الدقيق وعلى حرية التعبير عن الرأي في بريطانيا.

وتساءلت أوساط عربية مراقبة عما إذا كانت لندن تضع الاستثمارات العربية في مجال الإعلام في دائرة الشك، وعما إذا كان هذا الإجراء وهذه الأجواء تستهدف الاستثمارات السعودية بعينها من ضمن حملة  الضغوط التي تحركها نفس الأيادي التي تستهدف السعودية تحديدا. وأشارت صحف لندن إلى أن القرار النهائي حول إجراء تحقيق في الصفقة سيتضح أواخر الشهر الجاري إذ يتوجب على ليبيديف توضيح هيكل الملكية الجديد للصحيفتين في 17 يونيو.

Thumbnail

وكانت صحيفة الفايننشال تايمز أوضحت في مقال سابق أن أبوالجدايل اشترى 30 بالمئة من أسهم صحيفة الإندبندنت من ليبيديف عام 2017، كما اشترى 30 بالمئة من أسهم شركة ليبيديف القابضة المالكة لصحيفة إيفنينغ ستاندرد.

وأوضح المقال أن أبوالجدايل مرتبط ببنك أن.سي.بي كابيتال، الذراع الاستثمارية للبنك التجاري السعودي والذي تمتلك الحكومة السعودية معظم الاستثمارات فيه.

ونقل المقال عن دائرة الثقافة والإعلام والرياضة في وزارة الثقافة قولها إن مجموعة من المحققين سيشرفون على إجراء التحقيق إذا ما تأكد أن الاستثمار السعودي في الصحيفتين سيؤثر على حيادية الإعلام في بريطانيا.

وكان مقال سابق لصحيفة الغارديان قد أشار إلى أن الاستثمار السعودي رفع حجم الأسهم في مجموعة “ليبيديف” إلى 50 مليون جنيه إسترليني، وهو مبلغ كبير في صناعة الصحافة البريطانية التي تواجه مشكلات، لافتا إلى أن عائلة ليبيديف اشترت الإندبندنت وإيفنينغ ستاندرد بمبلغ مليون جنيه لكل منهما عامي 2009 و2010، ويقود العائلة ألكسندر ليبيديف، العميل السابق في “كي.جي.بي”، الذي أصبح رجل أعمال، وابنه يفغيني البالغ من العمر 38 عاما.

ولفتت مصادر إعلامية عربية إلى أن الاستثمارات السعودية في جريدة الإندبندنت لم تؤثر على خط الصحيفة التحريري والسياسي وأن الصحيفة لا تمارس ضبطا للنفس عندما يتعلق الأمر بالسعودية، بل يصل الأمر في بعض الأحيان إلى الكتابة العدائية، إلى درجة أن أصواتا في السعودية نفسها تتساءل عن جدوى هذا النوع من الاستثمار.

غير أن بعض المراقبين يلفتون إلى أن تقارير الصحافة البريطانية حول الأمر قد تندرج داخل سياق المنافسة بين المجموعات الإعلامية البريطانية ولا تهدف إلا إلى إثارة ضجيج بريطاني بريطاني، خصوصا أن حكومة ماي المنتهية ولايتها كما الوضع السياسي الداخلي المتعلق بزعامة حزب المحافظين وهوية رئيس الوزراء البريطاني المقبل، هي قضايا تشغل الحكم في لندن هذه الأيام.

3