جدل في مصر بسبب علم المثليين

فجّر رفع علم المثليين في حفل موسيقي أقيم مؤخرا في القاهرة جدلا وحالة رفض كبيرين صاحبتهما تحركات أمنية واسعة أفضت إلى إلقاء القبض على رافعي العلم ومنع الفرقة اللبنانية التي أحيت الحفل من إقامة حفلات جديدة بمصر. وهي ليست المرة الأولى التي تثار فيها قضايا تتعلق بالمثلية في المجتمع المصري، لكن حجم الضجة الإعلامية وردة الفعل الأمنية أعطيا القضية أبعادا جديدة وخرجا بها من سياقها التقليدي.
الخميس 2017/09/28
السجن ليس حلا

القاهرة - أثار حفل أحيته في القاهرة فرقة مشروع ليلى اللبنانية وحضره أكثر من 20 ألف شخص، ورفع خلاله بعض الحاضرين علم المثلية الجنسية، جدلا واسعا في مصر بين رافضين مطالبين بإنزال أشد العقاب على المؤيدين للمثلية وآخرين يدعون إلى الاعتراف بالظاهرة كحقيقة والتحاور وبحث دوافع وصول هذه الفئة من أفراد المجتمع إلى قمة الجرأة في التعبير عن موقفها وميولاتها.

وألقت الشرطة المصرية القبض على سبعة أشخاص بعد أن شوهدوا وهم يرفعون العلم في استعراض نادر لدعم حقوق المثليين وثنائيي الميول الجنسية والمتحولين في بلد مسلم.

وقالت المصادر الأمنية إن السبعة ألقي القبض عليهم بتهمة “التحريض على الفسق والفجور” بعد أن التقطت لهم صور ومقاطع فيديو وهم يرفعون علم المثليين في حفل فرقة مشروع ليلى، والذي سبق وأن عبر المغني الرئيسي فيها عن ميولاته الجنسية المثلية.

التعامل الخاطئ

لم يقتنع كثيرون بلغة الخطاب الأمني في التعامل مع الأزمة، خاصة بعد اعتراف نقيب المهن الموسيقية هاني شاكر بأن “مقيمي الحفل كانت بحوزتهم كل الموافقات الأمنية المسبقة”، كما أن الحكومة كانت لديها معرفة مسبقة بأن الحفل ربما يكون صوتا للمثليين في مصر، خاصة وأن الحكومة الأردنية منعت حفلين سابقين لنفس الفرقة على عامين متواصلين لذات السبب، حتى منعت الفرقة من دخول البلاد.

وسمحت الحكومة المصرية للفرقة نفسها بأن تقيم حفلات في مصر خلال السنوات الماضية، وكان لها حفلان سابقان بنفس المكان عامي 2014 و2015. كما لا يوجد نص قانوني في مصر صريح بخصوص تجريم المثلية الجنسية وإن كان المتهمون بها يحاكمون وفق قوانين جرائم الآداب.

المختلف هنا، هو التوقيت والإطار اللذان جاءت فيهما الحادثة. ويوضح مراقبون أن ما حصل في حفل فرقة مشروع ليلى لا يمكن اعتباره حادثة عابرة بالنظر إلى أحداث مشابهة حصلت في السنوات الأخيرة، وفي إطار مشهد عالمي عام أصبح يجيز بشكل كبير المثلية، وبعض الدول صادقت على قوانين تجيز زواج المثليين، ولم يعد خافيا أن هناك جماعات ضغط مؤثّرة تدافع عنهم. وسبقت حادثة رفع العلم حادثة أخرى شهيرة تعود إلى سنة 2014 حين انتشر مقطع فيديو على يوتيوب لحفل زفاف بين شابين مثليين في مصر.

التعامل مع الحالة بإنكار وجودها وتصوير المجتمع على أنه ملائكي يؤدي إلى تصاعد حدة الأزمة ولا بديل عن حوار مجتمعي

وألقت قوات الأمن القبض على أشخاص ممن ظهروا في الفيديو، ووجهت إليهم تهمة ممارسة الفجور. وفي أبريل من عام 2016، قضت محكمة مصرية على 11 رجلا بالسجن لمدد متفاوتة، وصل بعضها إلى 11 عاما، بتهمة "الفجور والتحريض على الفجور".

وكانت منظمة التضامن مع المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسيا في مصر، قد أعلنت أواخر العام الماضي، إنها سجلت 114 تحقيقا جنائيا مع 274 شخصا من المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسيا، وذلك منذ عام 2013.

وقال رئيس مركز القاهرة للدراسات القانونية، ومقدم البلاغ ضد مقيمي الحفل أحمد مهران إن “هؤلاء يستحقون أقصى عقوبة ممكنة، فهم يسعون إلى هدم القيم المجتمعية ونشر الرذيلة والانحدار الأخلاقي، وكان طبيعيا أن يكون الخطاب الرسمي بهذه الحدة”. وأضاف لـ”العرب” أن “فكرة الحوار مع هؤلاء تعني الإيمان بمطالبهم وقضيتهم وهذه كارثة لا تحمد عقباها، وحتى إن كانوا موجودين في المجتمع فلا بد أن يتم التضييق عليهم من كل الجهات حتى لا يشكلوا رأي عام مناهضا ومتحديا لأعراف وتقاليد راسخة تمثل بالنسبة للمصريين خطا أحمر”.

سابقا، كان يتم التعامل مع الأمر في صمت؛ وهو صمت متبادل؛ الجهات الرسمية لم تكن تسلط الضوء على هذه القضايا والمثليون لم يكونوا يتجرّأون على المجاهرة بميولاتهم الجنسية. ولطالما كان هذا الموضوع من القضايا الشائكة، حتى أن تناولها في السينما والأدب كان محتشما وفي بعض الأحيان يغلب عليها انطباع المجتمع ونظرته إلى الشخص المثلي.

لكن تغير الوضع بعد سنة 2011، وأصبحت حرية التعبير بابا مفتوحا يلجه كل من يعتبر نفسه مضطهدا. وتسبب ذلك في رفع منسوب خطاب العنف، فمقابل علو صوت جماعات مثل المثليين والملحدين وغيرهم من الأفراد الذين يعتبرون في نظر المجتمع خارجين عن نواميسه، ظهرت جماعات الإسلام السياسي وعلا صوت المتشددين الذين يصطادون في مياه مثل هذه القضايا لإثارة الضجيج والاستفادة منها قدر الإمكان عبر تأجيج الشارع.

تصعيد مقابل

يأتي الجدل ليكشف عن نقطة الضعف الرئيسية في التعامل مع مثل هذه المواضيع الحساسة، حيث يتم التعاطي معها بصورة صاخبة دون إيجاد حل فعلي وحاسم يضع القضية في إطارها؛ حيث لا بد من الاعتراف أولا بأن الميول الجنسية المثلية حقيقة في المجتمع العربي، ثم تأتي طريقة تناول مثل هذا الموضوع، فالتصعيد لن يؤدي إلا إلى تصعيد مقابل، خصوصا وأن مجال التعبير والتواصل لم يعد ضيقا مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات على الإنترنت والمواقع الإلكترونية التي يسهل الدخول إليها.

الحكومة تخشى من خطورة إعطاء بصيص من الأمل لأصحاب قضية المثلية الجنسية، حتى من باب نقاشها، لأن ذلك سوف تكون عواقبه الأمنية خطيرة

وينبه الخبراء إلى أن هناك فئة شبابية، متأثرة بالتحول في الغرب الذي اعترف بالمثلية وزواج المثليين، لديها إصرار مسبق على أن تنتصر لقضيتها وتتحدى القوانين المصرية التي تحظر المثلية الجنسية وتعاقب المروجين لها بالحبس، كما يعكس نفس الأمر مدى وجود شبهة تعمد من جانب الحكومة في التصدي بحسم مع هؤلاء.

وتخشى الحكومة من خطورة إعطاء بصيص من الأمل لأصحاب قضية المثلية الجنسية، حتى من باب نقاشها، لأن ذلك سوف تكون عواقبه الأمنية خطيرة، وقد يصل الأمر حد تصاعد الإرهاب لمواجهة المثليين في المجتمع.

وتذهب قراءات إلى أن التعامل الرسمي السريع والحاسم مع القضية يفسر في سياق الأخذ والرد بين النظام والإسلاميين، ومحاولات الأخيرين الاصطياد في مياه هذه القضايا الحساسة، والتي تضع الحكومة بين مطرقة اتهاماتهم وسندان الضغوط الدولية والاتهامات بانتهاكها حقوق الإنسان.

ويرى الخبراء وعلماء النفس والاجتماع أن التعامل مع هذه الحالة بإنكار وجودها وتصوير المجتمع كله على أنه ملائكي، يؤدي إلى تصاعد حدة الأزمة، محذرين في الوقت نفسه من الخطاب المتشدد، خصوصا في الإعلام في ظل تعامل الأمن مع الموقف على أنه “اختراق فكري” وفي وقت يعلو فيه صوت التشدد والتطرف والغلو بشكل كبير، وتجد مثل هذه القضايا صدى في مواقع التواصل الاجتماعي وتعتبر مادة دسمة تقتات منها المنظمات الحقوقية الغربية.

وقال عبدالله زيد، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الفيوم، لـ”العرب” إن “التعامل الحكومي مع الأزمة خاطئ، لأنها انتهجت سياسة الإنكار لوجود هؤلاء الشباب في المجتمع حتى اصطدمت بجرأتهم وإصرارهم على دعم قضيتهم”.

وأوضح أنه “لم يعد هناك بديل سوى الإقرار بهذا الواقع الأليم والتعامل معه بالبحث الاجتماعي والفكري، من خلال دراسة كل الأبعاد التي أدت إلى ذلك، لأن الحفل سواء ألغي مستقبلا أو منعت هذه الفرقة من دخول البلاد، فإن الداعمين لها موجودن، ولا بديل عن حوار مجتمعي يرفض هذه الأفكار ويتصدى لها بشكل مقنع ليحمي الأجيال الجديدة من الاستقطاب إليها”.

ويرى زيد أن “هذه الفئة الشبابية تبدو عنيدة إلى أبعد حد، وسوف تستمر في مناقشة القضية في العلن، لأنها أدركت مدى المكاسب التي تحققت برفع العلم لأول مرة في مصر، وهو بالنسبة لها انتصار تاريخي لقضيتها، وبالتالي العلاج يبدأ بالاعتراف بأزمة وجودها ثم البحث عن سبل للمواجهة بعيدا عن إنكار هذا الوجود أو الإيحاء بأنه لا توجد مشكلة مثلية في مصر”.

كاتب مصري

7