جدل في مصر حول استبدال الكتب المدرسية بمناهج تفاعلية على شبكة الإنترنت

بدأت وزارة التربية والتعليم في مصر استبدال الكتاب المدرسي الورقي بآخر إلكتروني عبر مناهج تفاعلية على شبكة الإنترنت، في خطوة نحو إلغاء طباعة الكتب المدرسية خلال عامين، كبداية لفرض سياسة التعليم الإلكتروني على طلاب المدارس دون استثناء.
الثلاثاء 2017/09/05
الكتب المدرسية حمل ثقيل توارثته أجيال من الطلاب

القاهرة - قررت وزارة التربية والتعليم المصرية أن تكون 50 بالمئة من مناهج العلوم والرياضيات للمرحلة الثانوية خلال العام الدراسي الجديد الذي ينطلق يوم 23 سبتمبر الحالي إلكترونية، بعد إقرار عدم طباعة هذه الوحدات الدراسية واستبدالها بروابط إلكترونية توضع في الكتب يستطيع الطالب الدخول إليها والاطلاع على المنهج.

وتطبع الوزارة كل عام كتبًا دراسية بنحو ملياري جنيه (نحو 130 مليون دولار)، ويزيد هذا المبلغ كل عام، مع ارتفاع تكاليف الطباعة واستيراد 80 بالمئـة مـن خاماتـها من الخـارج، في ظل ارتفـاع سعـر الـدولار مع تعويـم سعـر الصـرف فـي مصر (الدولار يساوي 17.5 جنيه).

ويعاني طلاب المدارس المصرية كل عام من التأخير في تسليمهم المقررات الدراسية إلى درجة أنه خلال العام الدراسي الماضي، حان وقت امتحانات منتصف العام الدراسي في شهر ديسمبر ولم يتسلم بعضهم عددا من المقررات الدراسية.

ويرجع ذلك إلى العديد من الأسباب، منها تأخر المطابع في طباعة الكتب بسبب ارتفاع الأسعار وتوقف بعضها وخروجها من السوق، أو لإجراء تعديلات عاجلة على المناهج، ما تسبب في إرباك العملية التعليمية.

وقال مسؤول بمركز تطوير المناهج التابع لوزارة التربية والتعليم في تصريح لـ”العرب” إن هناك كتبا بحاجة إلى تعديلات طفيفة ما قد يتسبب في أزمة، لأن ذلك سوف يؤدي إلى تأخر الكتب على الطلاب لأشهر، وهو ما يحتم تفعيل فكرة المناهج الإلكترونية، مهما كان لها من سلبيات، لأنه في هذه الحالة يمكن تطويرها وتحديثها كل عام دون أن تتضرر موازنة الدولة ودون إرباك الطالب.

وقال طارق شوقي وزير التربية والتعليم لـ”العرب” إن تحويل الكتب الدراسية إلى مناهج تفاعلية على الإنترنت يهدف إلى أن يتم تخفيف الضغط على موازنة الدولة وتوفير المبالغ الطائلة التي يتم دفعها كل عام على مصروفات الطباعة، فضلا عن أهمية تعليم الطلاب من خلال الإنترنت كإحدى وسائل العصر الراهن، ما يجعل منهم جيلًا قادرا على التعامل مع التطور التكنولوجي في العالم.

وأضاف أنه لن يتم تنفيذ هذه الرؤية على الأرض قبل أن تكون مختلف المدارس مرتبطة بشبكة الإنترنت عبر قاعدة تكنولوجية ضخمة، وتقوم وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بهذا العمل خلال الفترة الراهنة، ويمكن من خلال المبالغ التي سوف يتم توفيرها من طباعة الكتب مد شبكة الإنترنت بجل المدارس.

مخاوف من فشل التجربة مردها عدم تمكن المعلمين من التعليم الإلكتروني وضعف إمكانيات غالبية الأسر المادية

وتقرر أن تكون كتب الأنشطة التي لا تضاف إلى مجموع الطالب خلال العام الدراسي الجديد إلكترونية أيضا، ويتم وضعها على موقع وزارة التربية، على أن يتم الاطلاع عليها وطباعتها من خلال الطلاب أنفسهم.

وتستهدف الحكومة أن يتم الاعتماد على بنك المعرفة المصري كأداة رئيسية للتعلم، وهو موسوعة معرفية بمحتوى تربوي ومعلوماتي ضخم يعتبر الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، بحيث يكون المرجعية الأساسية لجميع الطلاب، بشأن البحث عن المعلومات أو الاطلاع على المناهج. ويخشى متخصصون في التعليم بمصر أن تفشل تجربة التعليم الإلكتروني قبل أن تبدأ، خاصة أنه عام 2013 جرى توزيع أجهزة “التابلت” على طلاب المحافظات الحدودية كبديل عن الكتاب المدرسي، في إطار خطة شاملة لتعميمه على المدارس، لكن التجربة لم تؤت أكلها، لأن أكثرية الطلاب والمعلمين لم يجيدوا التعامل مع التعليم الإلكتروني ما أدى إلى وقف العمل به.

وما عزز تلك المخاوف أن مصادر مسؤولة بوزارة التربية والتعليم قالت لـ”العرب” إن نحو 70 بالمئة من المدارس الحكومية في مصر غير مرتبطة بشكل مباشر بشبكة الإنترنت، كما أن نحو 50 بالمئة من المعلمين أنفسهم لا يجيدون استخدام الكمبيوتر في التعلم، وظهر ذلك في التدريبات التي أجريت لهم في الأكاديمية المهنية للمعلمين مؤخرًا.

ويشكو أولياء أمور في مصر من عدد الكتب المدرسية التي يحملها الطالب على كتفيه ذهابًا وإيابًا للمدرسة يوميًا فضلا عن كبر حجم الكتب المدرسية، والتي يزيد عدد بعضها عن 500 صفحة، ما حدا بوزارة التعليم إلى حذف مجموعة من برامج التدريس كنوع من تخفيف المناهج إرضاء لهؤلاء، واستثمرت ذلك في الترويج لفكرة استبدال الكتب الورقية بأخرى إلكترونية وسط رفض واسع للفكرة، لأنه في هذه الحالة سوف تكون طباعة الكتب من موازنة الأسرة، عبر تصويرها وطباعتها من على شبكة الإنترنت.

ترغب الحكومة في الاعتماد على بنك المعرفة المصري أداة رئيسية للتعلم، وهو موسوعة تعتبر الأكبر في الشرق الأوسط

وتقف معوقات أخرى في وجه تنفيذ الفكرة على أرض الواقع، بينها ما يسوقه رضا سعيد، الخبير التربوي، في حديثه مع “العرب” بقوله إن 40 بالمئة من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، وهؤلاء لن يكون بإمكانهم شراء أجهزة إلكترونية أو حتى تأجيرها لكي يحصل أبناؤهم على المناهج بشكل تقني وتفاعلي كبديل عن الكتب التي لن تطبعها وزارة التعليم. يضاف إلى ذلك، حسب رضا سعيد، أن العديد من المعلمين غير مدربين على التعليم الإلكتروني، منهم من تجاوز الخمسين سنة من العمر، وأصبح تدريبهم على المنهج الإلكتروني وتصفح شبكة الإنترنت أمرا شبه مستحيل، وبالتالي فهناك مخاطرة شديدة من تعميم التجربة قبل البدء في اختبارها من خلال طرح مناهج لمواد لا تضاف إلى المجموع كنوع من استطلاع الرأي حول جدواها من عدمها.

ومن المقرر ألا يشمل التعليم الرقمي طريقة المناهج الدراسية فقط، لكنه من العام الدراسي 2018 سوف تكون امتحانات الشهادة الثانوية إلكترونية على أن يجري تصحيحها واعتماد الدرجات والمجاميع من خلال الكمبيوتر لأول مرة في تاريخ التعليم المصري للحد من الأخطاء البشرية، وذلك كبداية لتعميم التجربة على امتحانات مختلف الصفوف الدراسية.

وتعاني العديد من المدارس في مصر من هشاشة البنية التحتية إلى جانب اكتظاظ الفصول وغيرها من المشكلات التي قد تصبح بدورها عوائق أمام مشروع التعليم الرقمي حتى وإن اقتصر على بعض البرامج الدراسية. وهو ما يجعل الكثير من المتدخلين في قطاع التعليم يرجحون كفة فشل تجربة التعليم الرقمي خصوصا في ظل غياب التدريب والتأطير اللازمَيْن للمعلمين الذين لا يتقنون التعليم عبر الوسائل الرقمية الحديثة وفي ظل الظروف المادية الصعبة التي يكابدها الأولياء الذين قد يعجزون عن توفير مستلزمات هذا النوع من التعليم لأبنائهم.

17