جدل قانوني وأخلاقي في كل مجتمعات العالم اسمه الإجهاض

عيادات الإجهاض السري تزدهر وفي ظل المنع القانوني، خصوصا في الأحياء المتوسطة والفقيرة بالمدن العربية وفي أجواء غير صحية، تجعل من ارتيادها مخاطرة كبيرة.
السبت 2019/05/18
الحق في الحياة بمواجهة حرية الاختيار

يعتبر الإجهاض واحدا من أكثر المشاكل المثارة في العالم. ففي الغرب يقوم النقاش حول الحرية والأخلاق والقانون والفلسفة مع تدخلات سياسية واقتصادية. بينما في الشرق الأوسط النقاش انتهى منذ زمن بفتاوى لرجال دين معتمدة على حديث أو اثنين حول اعتبار إجهاض الجنين حلالا قبل نفخ الروح أو قبل التخليق، وطبعا وصل البعض الآخر إلى تحريمه تماما، هكذا دون مبرّر سوى عدم جدوى قتل أي كائن حي دون موجب.

لندن - تسعى ولاية ألاباما الأميركية إلى تقييد عمليات الإجهاض عن طريق تمرير مشروع قانون لحظر إجرائه في جميع الحالات تقريبا. ويتضمن القانون المقترح فرض حظر على الإجهاض حتى في حالات الاغتصاب أو سفاح القربى.

ويقول المؤيدون إنهم يتوقعون أن لا يُمرّر هذا القانون في المحكمة لكنهم يأملون في أن يُعرض للاستئناف أمام المحكمة العليا. ويريد المؤيدون من المحكمة، التي تتألف حاليا من أغلبية محافظة، أن تبطل تشريع عام 1973 الذي يجيز الإجهاض.

ولاحظ بعض المراقبين أن جميع الذين صوتوا لمشروع القانون كانوا من الرجال. ويسمح مشروع القانون بالإجهاض فقط في الحالات التي تكون فيها حياة الأم في خطر كبير.

ويمكن أن يواجه الأطباء حكما بـ10 سنوات سجنا لمحاولتهم إجهاض امرأة و99 عاما لإجراء عملية الإجهاض بالفعل. وهناك 28 ولاية تدرس حاليا تشريعات تحظر الإجهاض بطرق مختلفة، وفقا لمعهد غوتماكر.

وقال السيناتور الديمقراطي في ولاية ألاباما، بوبي سينغلتون، إن مشروع القانون “يجرم الأطباء” وهو بمثابة محاولة من قبل الرجال “لإملاء ما يجب على النساء فعله بأجسادهن”.

56 مليون حالة إجهاض تسجل حول العالم سنويا، 45 بالمئة منها غير آمنة

وقال رودجر سميثرمان، وهو سيناتور ديمقراطي آخر من ولاية ألاباما “وكأننا نقول لفتاة تبلغ من العمر 12 عاما، قد تكون حملت من خلال سفاح القربى أو الاغتصاب، إنها ليس لديها خيار”.

ودعت الفنانة الأميركية أليسا ميلانو، النساء إلى التوقف عن ممارسة الجنس وتشكيل إضراب جنسي لمواجهة تشريعات متشددة ضد الإجهاض في العدد من الولايات المتحدة الأميركية. وأضافت ميلانو “يجب التوقف عن ممارسة الجنس حتى نعود إلى التحكم الذاتي في أجسادنا، إن لم تتح للمرأة سيطرة قانونية على جسمها، فلا يمكن لها المخاطرة بالحمل”. وتلقت الفنانة الدعم من الكثير من النساء في الولايات المتحدة وانضممن إليها في حملتها للإضراب الجنسي، ومن أشهرهن الفنانة بيت ميدلر.

وصرحت ميلانو لوكالات الأنباء قائلة “نحتاج إلى أن نفهم مدى سوء الموقف في جميع أنحاء البلاد، إنه تذكير للناس بأن لدينا سيطرة على أجسادنا وكيف نستخدمها، النساء مارسن تاريخيا الامتناع عن الجنس للاحتجاج أو الدعوة إلى الإصلاح السياسي”.

خصوبة مهددة

ذكر تقرير نشرته دورية ذا لانست أن معدل الإنجاب عالميا كان 4.7 أطفال لكل امرأة على مدى حياتها في العام 1950، وانخفض هذا المعدل العام الماضي ليصبح 2.4.

ويعني هذا الانخفاض في معدلات الخصوبة أن نصف دول العالم على أعتاب مرحلة ندرة المواليد، أي أن سكانها لا ينجبون عددا من الأطفال يكفي للحفاظ على عددهم.

وقال كريستوفر موراي، كاتب التقرير، “إن استمرت معدلات الخصوبة الحالية، سينخفض عدد الأطفال بصورة كبيرة وسيرتفع عدد الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاما، ما يزيد صعوبة الحفاظ على المجتمع العالمي”.

وأضاف “علينا أن نفكر في العواقب الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة لاختلال التوازن في المجتمعات وتخطي أعداد المسنين لأعداد الأطفال”. لكن الدراسة كشفت عن تباين كبير بين الدول، إذ وصل المعدل في حده الأقصى في النيجر إلى 7.1 أطفال، في حين بلغ طفلا واحدا في جزيرة قبرص.

واعتبر الباحثون في الدراسة أن النتائج كانت “مفاجأة كبيرة”، خاصة وأن عدد السكان في العالم ازداد ولم ينقص في فترة الدراسة، إذ كان عدد سكان الأرض 2.6 مليار نسمة عام 1950، ليصبح 7.6 مليار نسمة الآن.

وكان جزء كبير من هذه الزيادة في نسبة سكان العالم في جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

وفي تقرير ديموغرافي، كتب نيكولاس برستادت وأبورفا شاه الباحثان في معهد “إنتربرايز″ الأميركي “المجتمعات المسلمة بشكل عـام والعربية بشكل خاص مقاومة للانطلاق في مسيرة التغيير الديموغرافي والعائلي الذي حوّل حياة السكان في أوروبا وأميركا الشمالية ومناطق أخرى ‘أكثر تطورا’”.

أفراد المجتمعات الحديثة يتصارعون من أجل تحديد موقف أخلاقي وقانوني من مسألة إسقاط الجنين قبل اكتماله أو قبل ولادته.
أفراد المجتمعات الحديثة يتصارعون من أجل تحديد موقف أخلاقي وقانوني من مسألة إسقاط الجنين قبل اكتماله أو قبل ولادته

وفي مصر ودول عربية أخرى مثل العراق وسوريا والأردن والسعودية يتضاعف عدد السكان كل 20 إلى 25 سنة تقريبا. ففي بلاد النيل على سبيل المثال يقدر هذا العدد حاليا بأكثر من 100 مليون نسمة مقابل أقل من 35 مليون نسمة أواسط سبعينات القرن الماضي.

وإذا ما استمر معدل الزيادة على حاله فسوف يصل سكان الدول العربية إلى 650 مليونا في 2030. إلا أن معدل الزيادة يختلف من دولة عربية إلى أخرى.

وترتبط هذه الأرقام  بالجدل بين معارضي الإجهاض المساندين للحق في الحياة ومؤيدي الإجهاض المناصرين للحق في الاختيار، ويتصارع أفراد المجتمعات الحديثة من أجل تحديد موقف أخلاقي وقانوني من مسألة إسقاط الجنين قبل اكتماله أو قبل ولادته.

 ومنهم من يؤيد حرية الأم في تحديد مصير الجنين، وهم معروفون بأنصار حركة حرية الاختيار (Pro Choice Movement)، ومنهم من يعارض ذلك معتقدا أنهم من حماة الأجنة، وأنّ الإجهاض أمر غير شرعي وغير أخلاقي، وهم معروفون بحركة أنصار الحياة (Pro life Movement). فالمناقشة محتدمة إلى درجة أنها أمست من أهم القضايا التي تؤثر في المجتمع الحديث وحتى في نتائج معارك الرئاسة في الدول الحديثة.ويجيب أصحاب حرية الاختيار -وهم مؤيدو حرية الأم- على النحو التالي: إن الأم وحدها تملك الحق في اتخاذ قرار إجهاض الجنين في أي وقت كان ولأي سبب تراه.

ويرى الكثيرون أن للجنين حقّ الحياة بعد الشهر الخامس. والإجهاض يُبَرّر في المدة التي تسبق هذه المرحلة ويُحرّم بعدها. ويقول البعض منهم إن الإجهاض وسيلة من وسائل الحدّ من النسل. فالتطور المخيف في نسبة الولادات البشرية تشكل أزمة سكانية، لا تحل إلا بالإجهاض وتحديد النسل.

ويعتبرون أن القوانين التي تحرّم الإجهاض تتنافى وحقوق المرأة في أن تفعل ما تشاء بجسدها. كما لا يحق للدولة التطفل والتدخل في الشؤون الطبية الخاصة.

ويؤكدون على ضرورة تحليل الإجهاض لغير المتزوجات، لأنّ وصمة العار تلحق بالشابات اليافعات.

أما الردّ على هذه الادعاءات من حماة ألأجنة فيتم ّ على النحو التالي: يتعذّر تبرير الإجهاض تبريرا خلقيا، لأنه خرق لحق الجنين في الحياة. فمن حق كل كائن بشري، أكان مولودا أم جنينا، أن يحيا حياته بملئها، بحيث تأخذ الطبيعة الإنسانية مجراها من دون أن يبيدها أحد أو يزيلها عن الوجود.

ويقول المتدينون إن الإجهاض ثورة على عمل الله وتدبيره. وهذا ما يعرف بالكفر بالخالق.

ويضيفون أن احترام الحياة الإنسانية واجب، مؤكدين على أن القانون المدني يجب أن يوافق القانون الإلهي. ولذلك فعلى القانون الوضعي أن يمنع قتل الأجنة، لأنه قتل لإنسان حي.

خارج القانون

النقاش حول الإجهاض محتدم إلى درجة أنه أمسى من أهم القضايا التي تؤثر في المجتمعات وحتى في نتائج معارك الرئاسة في الدول الحديثة
النقاش حول الإجهاض محتدم إلى درجة أنه أمسى من أهم القضايا التي تؤثر في المجتمعات وحتى في نتائج معارك الرئاسة في الدول الحديثة

يمنع القانون في معظم الدول العربية أو غيرها يمنع الإجهاض فإن هذا لا يعني أن حالات الإجهاض قلّت أو لم تعد موجودة، إذ تلجأ البعض من النساء الحوامل إلى طرق مختلفة لا تفقدها الجنين فحسب بل تفقدها حياتها أيضا في بعض الأحيان.

يسمح القانون التونسي لأي امرأة راشدة بلغت العشرين بإجراء الإجهاض للحمل غير المرغوب فيه مهما كانت حالتها الاجتماعية (متزوجة أو عزباء)، بلا مقابل مادي، ودون الحاجة إلى موافقة أي شخص، كما يوضح بدر الدين بوقرة رئيس قسم التوليد في مستشفى شارل نيكول بالعاصمة.

وأكد بوقرة أن القانون -الذي سن منذ عام 1973 - يشترط في هذه الحالة أن يكون عمر الجنين أقل من 3 أشهر، وأن يتم الإجهاض في مؤسسات حكومية أو خاصة مرخص لها بذلك؛ فالهدف هو “حماية صحة المرأة عبر منع الإجهاض بطرق غير قانونية وغير علمية”.

ويضيف أنه عندما يشارك في مؤتمرات طبية يشعر أنه “في عالم وبعض المشاركين في عالم آخر” بسبب ما يسمعه عن القيود المفروضة على الإجهاض في بعض الدول العربية والأفريقية المجاورة والتي تؤدي إلى لجوء الكثيرات إلى طرق بدائية للإجهاض باستخدام إبر الحياكة مثلا والأعشاب حيث تؤدي هذه الطرق غير الآمنة والأدوات غير المعقمة إلى وفاة النساء أحيانا.

ويقول بوقرة إن نسبة الإجهاض في تونس عالية نسبيا؛ حيث إن إحصاءات الديوان الوطني لعام 2017 تقدّر عدد حالات الإجهاض بـ34 ألف حالة سنويا؛ 20 بالمئة منها لنساء عازبات.

ويقول إن قانون تنظيم الأسرة كان واحدا من “القرارات الشجاعة” التي اتخذها الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي كان يلقي خطابات يشرح فيها للعموم تفاصيل مثل هذه القرارات.

وبخلاف تونس، يمنع القانون في معظم الدول العربية الإجهاض فإن هذا لا يعني أن حالات الإجهاض قلّت أو لم تعد موجودة، إذ تلجأ البعض من النساء الحوامل إلى طرق مختلفة لا تفقدها الجنين فحسب بل تفقدها حياتها أيضا في بعض الأحيان.

وحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية لسنة 2015، يسجل ما يقارب من الـ56 مليون حالة إجهاض سنويا حول العالم، 45 بالمئة منها غير آمنة. ورغم أن المنظمة تقر بأن الإجهاض حق من حقوق المرأة، إلا أن 40 بالمئة من نساء العالم يعشن في دول تمنعه قانونا، وهو ما يفسر ارتفاع حالات الإجهاض السري التي تتسبب في وفاة ما يزيد عن 68 ألف امرأة سنويا نتيجة مضاعفات الإجهاض غير الآمن في مختلف دول العالم.

عربيا، تحتل المغرب المرتبة الأولى في عمليات الإجهاض السري، باعتبار أن القانون يمنع الإجهاض. وحدد تقرير “مركز الحقوق الإنجابية” لعام 2015 الدول التي تحظر الإجهاض، ولا تسمح به إلّا لإنقاذ حياة الأم كالآتي: مصر، ليبيا، السودان، موريتانيا، الصومال، اليمن، سلطنة عمان، العراق، سوريا، لبنان وفلسطين. أما الدول التي تسمح بالإجهاض للحفاظ على صحة الأم فهي الأردن، الكويت، السعودية، قطر، الجزائر والمغرب.

وفي ظل المنع القانوني، تزدهر عيادات الإجهاض غير المرخصة، وخصوصا في الأحياء المتوسطة والفقيرة بالمدن العربية على اختلافها، وفي أجواء غير صحية، تجعل من ارتيادها مخاطرة كبيرة.

ويطلق المجتمع المصري مثلا على الإجهاض السري “عمليات تحت بير السلم” في إشارة إلى مكان إجراء العملية. وغالبا ما يقوم بهذه العمليات أشخاص لا علاقة لهم باختصاص طب النساء والتوليد أو أطباء لا يتمتعون بسمعة جيدة. وزيادة على تعرض المرأة للمخاطر الصحية التي يمكن أن تؤدي إلى الوفاة، فإنها تتعرض للابتزاز المادي والتحرش الجنسي.

طبيا، يُسمح بالإجهاض الدوائي حتى تسعة أسابيع من عمر الحمل.

وتباع أدوية الإجهاض بأسماء تجارية مختلفة، لكن الحصول عليها يقتضي وصفة طبية رسمية، ما يدفع البعض إلى تهريبها وبيعها بمبالغ طائلة، وهو ما تخصصت به صفحات على موقع فيسبوك. لكن مضاعفات الإجهاض الدوائي، قد تنتهي بالوفاة.

وتلجأ النساء الفقيرات إلى وصفات شعبية تساعد على التخلص من الحمل.

وإذا لم تصلح الوصفات في الإجهاض، فقد تلجأ المرأة إلى حمل أشياء ثقيلة، أو القفز من مكان مرتفع بشكل متكرر، وأحيانا تضع المرأة على منطقة أسفل البطن أثقالا أو توجه لها ضربات، لتسقط الحمل بشكل عنيف.

ومن أسوأ طرق الإجهاض، تحفيز عنق الرحم باستخدام أشياء مدببة، مثل الإبر، التي تسبب نزيفا شديدا، يؤدي إلى استئصال الرحم أو الوفاة.

20