جدل كبير يرافق عودة الدراما التونسية للتصوير

قرار وزارة الثقافة التونسية فتح باب الترشحات لمنح تراخيص استثنائية لإكمال تصوير المسلسلات يثير الجدل بين الفنانين والمثقفين في تونس.
الاثنين 2020/04/13
هل الدراما ضرورية في رمضان

منذ إعلان وزارة الثقافة التونسية البدء في قبول الملفات للنظر في منح رخص استكمال تصوير استثنائية لبعض الأعمال الدارامية، انطلق جدل كبير انخرط فيه مثقفون وغير مثقفين على حد سواء، بين مرحب ورافض، ولكل أسبابه وحججه، بينما وكما جرت العادة لم يفوّت الإسلاميون الفرصة للإدلاء بآراء غريبة بعض الشيء.

تونس - أقرت شيراز العتيري وزيرة الثقافة التونسية فتح باب الترشحات لمنح تراخيص استثنائية جديدة محددة الزمن لإكمال تصوير الأعمال التلفزية التونسية الخاصة بشهر رمضان وفق شروط مضبوطة. وذلك بعد تنسيقها مع رئاسة الحكومة التونسية ووزارة الصحة والداخلية والجهات المتدخلة وممثلين عن شركات الإنتاج السمعي البصري والمؤسسات التلفزية.

واتخذت الوزارة مجموعة من التدابير الوقائية الصحية التي تم ضبطها بالتعاون مع وزارة الصحة العمومية ومختلف المصالح الأخرى لإسناد رخص تصوير جديدة لفائدة شركات الإنتاج.

إجراءات استثنائية

كثيرة هي الإجراءات التي أقرتها وزارة الثقافة لحماية فرق العمل الدرامية في مختلف المسلسلات، بداية من الممثلين إلى التقنيين وكل المتدخلين في صناعة العمل.

من الإجراءات التي ذكرتها وزيرة الثقافة التونسية أن الفنيين والتقنيين والممثلين سيوضعون في الحجر إما الذاتي أو في مراكز خاصة وسيتم الأمر من خلال مراقبة أيضا بالتنسيق مع الشركات المنتجة ووزارة الداخلية وزارة الصحة.

وحددت وزارة الثقافة التونسية التزاما بينها وبين الجهات المنتجة يتضمن بنودا والتزامات، حيث يلتزم المنتجون إضافة إلى الحجر الصحي لفرق العمل بأن لا يتجاوز عدد الأفراد 10 أشخاص في الأماكن المغلقة، إضافة إلى احترام التباعد، وتعقيم أماكن التنفيذ وتوفير المستلزمات من كمامات ومعقمات، إضافة إلى التقيد بروزنامة التصوير والأماكن والتنسيق مع الجهات الحكومية بشكل متواصل.

كما تركت وزارة الثقافة المجال مفتوحا حول الطوارئ التي يمكن أن تستجد وتؤثر على هذا القرار.

الرافضون والمؤيدون

عاطف بن حسين: أيها الممثلون كلنا نمر بأزمة ولن تحل أزمتكم باستكمال التصوير
عاطف بن حسين: أيها الممثلون كلنا نمر بأزمة ولن تحل أزمتكم باستكمال التصوير

فتح الباب لإسداء رخص استكمال تصوير الأعمال الدرامية المخصصة لشهر رمضان، رغم توضيحات الوزارة واشتراطاتها حوله فقد خلق جدلا كبيرا في الساحة الثقافية التونسية، ممثلون كثيرون اعتبروا القرار يرقى إلى نوع من “الجريمة” في حق كل المتدخلين في صناعة الأعمال الدرامية، معتبرين أن الوزارة رضخت لضغوطات المنتجين.

أكثر الآراء حدة كانت من الممثل والمخرج التونسي عاطف بن حسين الذي قال “لن أسمح بإرسال الممثلين والتقنيين إلى الموت إرضاء لهذه المافيا التعيسة والتي تعيش آخر أيامها. إن الترخيص لهم لاستكمال مسلسلاتهم في ظل هذه الكارثة العالمية هو تماما كالذي بعث بشبابنا إلى سوريا للموت”.

ودعا بن حسين الممثلين إلى التزام بيوتهم والحفاظ على صحتهم وصحة عائلاتهم. مضيفا “كلنا نمر بأزمة وفي كل الحالات لن تنالوا حقوقكم كالعادة، ولن تحل أزمتكم باستكمال التصوير”.

وكان لعدد كبير من المسرحيين آراء رافضة لهذا القرار معتبرين أنه “يعرض حياة العاملين للخطر”، تقول المسرحية التونسية سهام عقيل “يعني انتهت مشاكل كل الفنانين ومشاكل الشعب التونسي، ليبقى مستحقا لترفيه بمسلسلات رمضانية بلا قيمة وتضحية بحياة القائمين عليها”.

ولم يقف الأمر عند العاملين في قطاع المسرح والسينما والدراما، بل أيضا الكثير من المثقفين والكتاب اعتبروا أن المسلسلات ليست أولوية وليست حاجة حياتية ملحة ليتم الترخيص لها باستكمال التصوير.

ويقول الكاتب التونسي فوزي الديماسي “وزيرة الثقافة فشلت في أول امتحان. فالثقافة أخلاق وخطاب مشرق قبل أن تكون مكتبا وسيارة ووجاهة”.

بينما يشدد آخرون على أن الدراما يجب أن تخرج من رمضان، وتكون على مدار العام لا موسمية.

ويرى أغلب الرافضين لهذا القرار أنه يعرض حياة العاملين في الدراما للخطر، ورغم اشتراطاته الوقائية فإنه يعتبر خرقا واضحا لحالة الحجر الصحي العام التي تعيشها تونس، والتي طالت أغلب القطاعات. حتى أن بعضا منهم يتندّر على شبكات التواصل الاجتماعي بأن “ممثلين من قامة روبرت دينيرو ملتزمون ببيوتهم وأدعياء التمثيل في تونس يواصلون التصوير”.

في جهة أخرى هناك من يؤيد قرار عودة التصوير، حيث يتساءل هؤلاء: لماذا لم يتكلم ولا ممثل ولا تقني من المشاركين في الأعمال الدرامية هذا العام؟ معتبرين أن الرافضين للقرار هم فقط يصدرون مواقف مشخصنة، فهم ليسوا موجودين في الأعمال الدرامية الجديدة، ولذلك فإن إيقاف التصوير وكأنه نوع من “التشفي” أو “الغيرة”.

ورأى البعض أن اعتبار المسلسلات والأعمال الفنية مجرد تسلية بلا فائدة هو مس من الجهد الفني، الذي حتى مع تفاوت القيمة من عمل لآخر يبقى عملا فنيا، والفن من ركائز الثقافة والحضارة، منددين بتعمّد الحط من الفن والثقافة في كل مرة يثار فيها جدل حول الفعل الثقافي الذي يبقى “الحصن الأول للإنسان التونسي المنفتح والمتسامح والذي يحب الحياة والجمال والحرية”. ونلفت أنه لم تصدر إلى الآن آراء من الممثلين الذين لهم أعمال لم تستكمل التصوير، ولا من المنتجين المتهمين بكونهم “يتاجرون” بالعاملين في القطاع.

صدمة وتوضيح

وزارة الثقافة: قبول مطالب استئناف التصوير مخصص فقط للأعمال الرمضانية التي وقع تصوير أغلبها
وزارة الثقافة: قبول مطالب استئناف التصوير مخصص فقط للأعمال الرمضانية التي وقع تصوير أغلبها

لم يقف الجدل في حدود المثقفين والفنانين الأولى بالنقاش في هكذا قضايا، بل طال مؤسسات الدولة الإدارية والسياسية. فقد علق النوري اللجمي، رئيس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري، باستغراب على فتح الترشحات لمنح تراخيص استثنائية لمؤسسات الإنتاج السمعي والبصري لاستئناف تصوير الأعمال الدرامية.

وشدد اللجمي على جدية الخطر المتعلق بانتشار عدوى فايروس كورونا، معلقا بأنه كان من الأجدر لوزارة الثقافة التشاور مع الهيئة لأن لها تدخل في الإنتاج السمعي البصري.

والمثير فعلا هو آراء السياسيين خاصة من المحسوبين على الإسلام السياسي، فنجد مثلا النائب عن ائتلاف الكرامة المتشدد رضا الجوادي ينعت الثقافة حرفيّا بـ”الدعارة” موجها رسالة حادة إلى وزيرة الثقافة يقول نصها “إلى وزيرة ما يُسمّى بالثقافة الزمي دارك وحوّلي ميزانية التفاهات إلى وزارة الصحة. كفى انحرافا وتَدميرا للأخلاق وتضييعا لأموال الشعب”. دكتور آخر يعيش في فرنسا راح يكتب يوميا عن صوت وزيرة الثقافة الرخم من آثار التدخين والسكر، ومناديا بإلغاء وزارة الثقافة.

حجج هذا الطيف من المتشددين لاقت رواجا عند البعض معتبرين الثقافة نوعا من الترف، ورغم أن الوزارة خفضت نشاطها كليا، رغم أن المثقفين والفنانين كانوا أول من تصدى لحالة الحجر بالعروض الرقمية إلا أنهم يبقون دائما محل اتهام أخلاقي.

ومن جهتها، أوضحت وزيرة الثقافة شيراز العتيري أن ما أقرته الوزارة ليس قرارا بل ستتم دراسة المطالب في مرحلة أولى والتثبت من مدى احترامها للإجراءات التي أقرتها وزارة الصحة في هذا الغرض. وبصدمة كبيرة عبرت العتيري عن دهشتها من الدعوات المنادية إلى التّخلي عن وزارة الثقافة خلال الفترة الحالية وتحويل ميزانيتها إلى صندوق مكافحة كورونا.

وأكدت العتيري أن للوزارة سياسة ثقافية تعمل على إرسائها وسيتم الإعلان عنها في القريب، كما ستكون هنالك مرافقة للمشاريع مع الهياكل المتداخلة في المجال لإرجاع الديناميكية للثقافة، لافتة بالمناسبة إلى وجود تماسك كبير بين المتدخلين من المبدعين إلى الشركات إلى دور الثقافة.

وجاء في بلاغ توضيحي من الوزارة أن قرار تعليق التراخيص كان شاملا وقد اتخذ مباشرة بعد إقرار الحجر الصحي، حرصا من وزارة الثقافة على سلامة كل التونسيين والتونسيات العاملين في القطاع.

أما الإعلان عن إمكانية الاستجابة المشروطة لطلب استئناف الأعمال الرمضانية فهو اجتهاد مدروس لا يخرج عن مقتضيات الحجر الصحي الشامل والاستثناءات المحدودة التي تستجيب لشروطه ومتطلباته وفق المعايير والقواعد المقررة من الهيئات الصحية ذات النظر.

ولفت البيان إلى أن وزارة الثقافة اتخذت هذا القرار بغاية مرافقة العائلات التونسية والأخذ بعين الاعتبار لظروف الحجر الصحي في صورة تواصله إلى غاية شهر رمضان، وسعيا إلى التخفيف من وطأته على التونسيين وتحفيزهم على أن يلزموا بيوتهم.

كما وضح البيان أن إمكانية قبول مطالب استئناف التصوير مخصص فقط لجزء يسير من الأعمال الرمضانية التي وقع تصوير أغلبها ولم يتبق منها إلا بعض المشاهد، وهي إمكانية مشروطة بتدابير صحية صارمة اتخذت بالتشاور والتنسيق مع وزارة الصحة ينتج عن مخالفتها إلغاء الترخيص دون تردد والإيقاف الفوري للتصوير.

14